تشهد ليبيا خلال الفترة الأخيرة تداخلاً متزايداً بين الأزمات الخدمية والاحتجاجات الشعبية والتوترات الأمنية، في وقت تتصاعد فيه المطالب بتغيير طريقة إدارة الدولة وإنهاء حالة الانقسام السياسي والمؤسسي. وبينما بدأت التحركات الشعبية على خلفية تردي الخدمات، وفي مقدمتها أزمة الكهرباء، يرى مراقبون أن استمرار الأزمات فتح الباب أمام تساؤلات أوسع حول مستقبل المشهد السياسي وقدرة المؤسسات الحالية على الاستجابة لمطالب المواطنين.
وفي هذا السياق، أكد الأستاذ الجامعي الدكتور أحمد الأشهب، في تصريح لـ«عين ليبيا»، أن ما تشهده ليبيا من أزمات وتوترات أمنية لا يرتبط بطبيعة المجتمع الليبي أو هويته، مشيراً إلى أن البلاد عاشت لسنوات طويلة في حالة من التماسك والوئام، وأن ما يحدث حالياً هو نتيجة عوامل مرتبطة بغياب الدولة ومؤسساتها وضعف سيادة القانون.
وأوضح الأشهب أن غياب مؤسسات الدولة الراسخة، إلى جانب العدالة الاجتماعية والتفاوت في الفرص ومستويات المعيشة، إضافة إلى الأزمات المعيشية التي يعانيها المواطنون، كلها عوامل ساهمت في خروج احتجاجات للتعبير عن حالة الضيق والمطالب المرتبطة بالحياة اليومية.
وأضاف أن هذه الأزمات هي نتاج الانقسامات القائمة حالياً، والتفاوت في موازين القوة ومستويات المعيشة، فضلاً عن انتشار الفساد على مستويات مختلفة، مؤكداً أن خروج المواطنين للتعبير بشكل سلمي عن معاناتهم أمر طبيعي في ظل هذه الظروف.
وحول أزمة الكهرباء والانتقال من المطالب الخدمية إلى السياسية، قال الأشهب إن أزمة الكهرباء كانت سبباً مباشراً لخروج جزء من المواطنين للمطالبة بمعالجة مشكلة تمس حياتهم اليومية، خصوصاً خلال فصل الصيف وارتفاع درجات الحرارة.
وأشار في الوقت نفسه إلى أن بعض الأطراف قد تستغل مثل هذه الأزمات وتوظفها لتحقيق أهداف سياسية خاصة، موضحاً أن هناك فرقاً بين المطالب الشعبية البسيطة وبين محاولات توجيه هذه المطالب لخدمة مصالح أطراف داخلية أو خارجية.
وأكد أن الاحتجاجات قد تبدأ بمطالب مشروعة وبشكل عفوي، لكنها قد تجد من يحاول استغلالها وتغيير مسارها، ما يؤدي إلى ضياع المطالب الأساسية للمواطنين وسط التجاذبات السياسية والمزايدات المختلفة.
وعن إغلاق المؤسسات الحكومية والتحركات الاحتجاجية الأخيرة، أوضح الأشهب أن قصر مدة هذه التحركات يثير تساؤلات حول طريقة بدايتها وانتهائها، مشيراً إلى أن هناك مصالح وأطرافاً قد تستفيد من إشعال الأزمات أو تهدئتها وفق حساباتها الخاصة.
واعتبر أن مثل هذه التحركات الشعبية لن تؤدي بالضرورة إلى إعادة تشكيل المشهد السياسي بشكل مباشر، لكنها تمثل إحراجاً كبيراً لجميع السلطات دون استثناء، سواء السلطات التشريعية أو التنفيذية أو المالية أو الأمنية.
وقال إن الأزمة الحالية لا يتحمل مسؤوليتها طرف واحد فقط، بل إن جميع المؤسسات في مختلف مناطق ليبيا تتحمل مسؤولية تراكم الأزمات التي انعكست على المواطن، مؤكداً أن إعادة تشكيل المشهد تحتاج إلى معالجة شاملة وليس إلى تغيير جانب واحد فقط.
وفيما يتعلق بالوضع الأمني في غرب ليبيا والاشتباكات المتكررة، أكد الأشهب أن غياب القانون وضعف مؤسسات الدولة يؤديان إلى ظهور توترات أمنية بين فترة وأخرى، ما ينعكس سلباً على الأرواح والممتلكات وعلى صورة ليبيا أمام العالم.
وشدد على ضرورة عدم السماح باستغلال المصالح الخاصة لإثارة الفوضى أو التوترات الأمنية، داعياً جميع الأطراف إلى التفكير بمنطق الدولة بعيداً عن الحسابات الشخصية أو الفئوية.
وأضاف أن المواطن والمسؤول يتحملان مسؤولية في نطاقهما، وأن المطلوب هو تضافر الجهود لمنع تكرار هذه الأحداث التي تؤدي إلى خسائر بشرية ومادية.
وحول طرح خيار تشكيل قيادة عسكرية مشتركة، قال الأشهب إن هناك مؤشرات أولية على وجود اعتراضات بشأن هذه الفكرة، خاصة فيما يتعلق بمن سيتولى قيادة هذه المؤسسة المشتركة، مشيراً إلى أن الوصول إلى حل يحتاج إلى تنازلات متبادلة بين مختلف الأطراف.
وأوضح أن المناطق والقوات والمؤسسات المختلفة مطالبة بتقديم تنازلات من أجل تهيئة الظروف لحياة كريمة للمواطن، مؤكداً أن المسؤولية والسلطة ليستا دائمتين، وأن الدولة والمجتمع هما من يبقيان في النهاية.
وشدد الأشهب على ضرورة وجود دولة واحدة في ليبيا بصوت واحد ومؤسسات موحدة وميزانية واحدة وقوة عسكرية واحدة وقرار سيادي واحد، معتبراً أن استمرار تعدد المؤسسات والوفود واللقاءات الخارجية يعكس وضعاً غير طبيعي وغير منطقي.
وفي ملف التحركات الإقليمية والدولية، أكد الأشهب أن عدداً من الدول تمتلك نفوذاً داخل ليبيا، من بينها تركيا وروسيا وإيطاليا والولايات المتحدة وبريطانيا والإمارات، مشيراً إلى أن هذه الدول تسعى بطبيعة الحال إلى تحقيق مصالحها.
لكنه رأى أن مستوى هذا التدخل تجاوز الحدود المقبولة، داعياً إلى وضع إطار واضح للعلاقة مع هذه الدول يقوم على الندية واحترام السيادة الوطنية والثروات والمياه والأجواء الليبية.
وأوضح أن حالة الانقسام الحالية تجعل ليبيا أكثر عرضة لاستغلال الأطراف الخارجية، حيث تتعامل هذه الأطراف مع القوى المختلفة بشكل منفرد لتحقيق مصالحها، مشيراً إلى أن توحيد المؤسسات سيمنح ليبيا قدرة أكبر على إدارة علاقاتها الخارجية.
وأكد أن الأولوية في المرحلة الحالية يجب أن تكون لتحقيق التوافق الداخلي، وإنهاء الانقسام، ومعالجة ملفات الفساد، وتهيئة الظروف لحل سياسي شامل.
وأشار إلى أن المسار الذي تقوده البعثة الأممية يمكن أن يشكل أرضية للحوار، لكنه شدد على أن الحل يجب أن يكون ليبياً بالدرجة الأولى، وأن المطلوب هو أن تتفاهم الأطراف الليبية مع بعضها قبل البحث عن حلول خارجية.
وفي ختام حديثه، دعا الأشهب المؤسسات الليبية إلى العمل على معالجة مشاكل المواطنين وإنهاء الانقسام والفساد والجهوية، مؤكداً أن الحل قد لا يتحقق بين ليلة وضحاها، لكنه يبدأ بخطوات عملية وجادة من جميع الأطراف.
The post أسرار التحركات الشعبية.. خبير يكشف لـ«عين ليبيا» من يستغل أوجاع المواطنين ويعرقل توحيد المؤسسات؟ appeared first on عين ليبيا | آخر أخبار ليبيا.

