تكشف مراجعات علمية وتجارب سريرية أن بعض الأطعمة توفر عناصر غذائية ترتبط بصحة العظام ومستويات الكوليسترول ووظائف الدماغ، وفي مقدمتها الشوفان والمكسرات والأسماك الدهنية ومنتجات الألبان والخضروات والفواكه، لكن حجم الفائدة يختلف بحسب نوع الغذاء والكمية المستهلكة والحالة الصحية، ولا تعني هذه النتائج أن طعامًا واحدًا يقي من الأمراض بمفرده.
وتبرز الأدلة المتعلقة بالشوفان والمكسرات خصوصًا في مجال التحكم بمستويات الدهون في الدم، إذ أظهرت تحليلات لعدد كبير من التجارب العشوائية انخفاضًا في الكوليسترول الكلي والكوليسترول الضار لدى المشاركين الذين تناولوا هذه الأطعمة، بينما تشير الأبحاث المتعلقة بالعظام والدماغ إلى أهمية النمط الغذائي المتوازن، مع تفاوت قوة الأدلة على النتائج الصحية المختلفة.
وفيما يتعلق بالكوليسترول، نشرت دورية «التغذية والأيض وأمراض القلب والأوعية الدموية» (Nutrition, Metabolism and Cardiovascular Diseases) في مايو 2025 مراجعة منهجية وتحليلًا تلويًا جمعا نتائج 113 تجربة عشوائية مضبوطة، بمشاركة 8060 شخصًا بالغًا، لتقييم تأثير تناول المكسرات في مستويات الدهون بالدم.
وأظهرت النتائج أن استهلاك المكسرات بجرعة يومية وسيطة بلغت 45.5 غرامًا ارتبط بانخفاض متوسط الكوليسترول الكلي بمقدار 0.14 مليمول لكل لتر، وانخفاض الكوليسترول الضار (LDL) بمقدار 0.12 مليمول لكل لتر، مقارنة بالمجموعات التي لم تتناول المكسرات ضمن التدخل الغذائي.
كما سجل التحليل انخفاضًا أقل في الدهون الثلاثية بلغ 0.05 مليمول لكل لتر، إلى جانب تحسن بعض المؤشرات الأخرى المرتبطة بالدهون في الدم، في حين لم يُظهر استهلاك المكسرات تأثيرًا ذا دلالة إحصائية في الكوليسترول الجيد (HDL).
وأوضح الباحثون أن النتائج تدعم احتمال استفادة مستويات الدهون في الدم من إدراج المكسرات في النظام الغذائي، لكن درجة اليقين في الأدلة تراوحت عمومًا بين المتوسطة والمنخفضة بالنسبة إلى معظم النتائج، ما يستدعي مراعاة الاختلافات بين المشاركين والدراسات.
وتشمل المكسرات التي يمكن إدراجها في الوجبات اللوز والجوز والفستق والبندق، وهي توفر الدهون غير المشبعة والألياف والبروتين، ويمكن تناولها غير مملحة ضمن وجبة خفيفة، مع مراعاة حجم الحصة واحتياجات الطاقة اليومية.
ولا يعني انخفاض الكوليسترول في هذه التجارب أن المكسرات بديل عن الأدوية الخافضة للدهون لدى الأشخاص الذين يحتاجون إليها، كما لا تثبت الدراسة أن تناولها يمنع النوبات القلبية أو السكتات الدماغية بصورة مباشرة، لأنها ركزت على مؤشرات الدهون في الدم وليس على حدوث هذه الأمراض بوصفها نتائج رئيسية.
وفي المقابل، يقدم الشوفان دليلًا إضافيًا على دور الألياف الغذائية في تنظيم مستويات الكوليسترول، إذ يحتوي على ألياف بيتا جلوكان القابلة للذوبان، التي تساعد على خفض امتصاص الكوليسترول وإعادة تدوير الأحماض الصفراوية، ما يدفع الكبد إلى استخدام الكوليسترول لإنتاج المزيد منها.
وفي مراجعة منهجية وتحليل تلوي نُشرا عام 2022، جمع الباحثون نتائج 13 تجربة شملت 927 شخصًا يعانون ارتفاع الكوليسترول، لتقييم تأثير بيتا جلوكان المستخلص من الشوفان في مستويات الدهون بالدم.
وأظهرت النتائج انخفاض الكوليسترول الكلي بمقدار 0.24 مليمول لكل لتر، وانخفاض الكوليسترول الضار بمقدار 0.27 مليمول لكل لتر، مقارنة بالمجموعات الضابطة، بينما لم تظهر تغيرات ذات دلالة إحصائية في الدهون الثلاثية أو الكوليسترول الجيد.
وتدعم هذه النتائج إمكانية إدراج الشوفان ضمن النظام الغذائي للأشخاص الذين يسعون إلى تحسين مستويات الكوليسترول، مع اختلاف التأثير بحسب كمية بيتا جلوكان المستهلكة ومدة التدخل الغذائي والخصائص الصحية للمشاركين.
ويمكن تناول الشوفان مع الحليب أو الزبادي الطبيعي غير المحلى وقطع الفاكهة، أو تحضيره بالماء وإضافة المكسرات، فيما تساعد قراءة الملصقات الغذائية على التمييز بين الشوفان الكامل والمنتجات الفورية التي تحتوي على كميات مرتفعة من السكر المضاف.
ولا تقتصر الخيارات الغذائية الداعمة لصحة القلب على الشوفان والمكسرات، إذ تشمل البقوليات والحبوب الكاملة والخضروات والفواكه، إلى جانب استبدال الدهون المشبعة بمصادر الدهون غير المشبعة، وهي خطوات تتوافق مع التوصيات الغذائية الموجهة إلى تقليل عوامل خطر أمراض القلب والأوعية الدموية.
أما صحة العظام، فترتبط بالحصول على كميات كافية من الكالسيوم وفيتامين د والبروتين، إلى جانب النشاط البدني المناسب، لأن العظام تحتاج إلى إمدادات مستمرة من العناصر الغذائية اللازمة لبنائها والمحافظة على كثافتها.
وتشمل مصادر الكالسيوم الحليب والزبادي والجبن، والسردين والسلمون المعلب الذي يحتوي على عظام طرية صالحة للأكل، وبعض الخضروات الورقية، والتوفو المحضّر باستخدام الكالسيوم، إضافة إلى المشروبات والأطعمة المدعمة بهذا العنصر.
ويساعد فيتامين د على امتصاص الكالسيوم من الأمعاء، وتشمل مصادره الغذائية الأسماك الدهنية مثل السلمون والتونة، وبعض المنتجات المدعمة، بينما تختلف كمياته بحسب نوع الطعام وطريقة إنتاجه.
وتوضح المعاهد الوطنية الأمريكية للصحة أن نقص فيتامين د الشديد والمستمر يؤدي إلى اضطرابات في تمعدن العظام، كما أن عدم الحصول على كميات كافية من الكالسيوم وفيتامين د يرتبط بمشكلات في صحة الهيكل العظمي، خصوصًا لدى الفئات الأكثر عرضة لهشاشة العظام.
وفي مراجعة للأدلة العلمية المتعلقة بالأنماط الغذائية وصحة العظام لدى البالغين، تناول الباحثون تسع دراسات أترابية مستقبلية نُشرت بين يناير 2014 ونوفمبر 2019، ووجدوا أن الأنماط الغذائية التي تضم الخضروات والفواكه والبقوليات والمكسرات ومنتجات الألبان قليلة الدسم والحبوب الكاملة والأسماك ارتبطت بنتائج أفضل لصحة العظام، بما يشمل انخفاض خطر كسور الورك.
وصنّفت المراجعة قوة الأدلة المتعلقة بالعلاقة بين الأنماط الغذائية وصحة العظام لدى البالغين بأنها متوسطة، مع اختلاف النتائج بحسب طريقة تقييم الغذاء وقياس كثافة العظام ومعدلات الكسور.
ولا تعني هذه النتائج أن تناول منتج واحد غني بالكالسيوم يمنع هشاشة العظام، إذ تتأثر كثافة العظام أيضًا بالعمر والوراثة والتغيرات الهرمونية والأدوية وبعض الأمراض المزمنة، كما أن الأشخاص الذين شُخّصوا بهشاشة العظام يحتاجون إلى تقييم طبي يحدد مدى حاجتهم إلى العلاج.
وفيما يتعلق بالدماغ والذاكرة، تشير مراجعات علمية إلى ارتباط بعض الأنماط الغذائية التي تركز على الخضروات والفواكه والبقوليات والمكسرات والزيوت النباتية غير المشبعة والأسماك بانخفاض مخاطر التراجع المعرفي المرتبط بالعمر، لكن الأدلة لا تثبت أن طعامًا بعينه يحسن الذاكرة أو يمنع الخرف بصورة مؤكدة.
وفي مراجعة منهجية أُعدت ضمن مشروع مراجعة الأدلة الغذائية التابع لوزارة الزراعة الأمريكية، حلل الباحثون 26 دراسة نُشرت بين يناير 2014 وفبراير 2020، شملت أربع تجارب عشوائية مضبوطة و22 دراسة رصدية.
وخلصت المراجعة إلى وجود أدلة محدودة على ارتباط الأنماط الغذائية التي تشمل الخضروات والفواكه والزيوت النباتية غير المشبعة والمكسرات والبقوليات والأسماك بانخفاض مخاطر التدهور المعرفي المرتبط بالعمر والخرف.
وأشار الباحثون إلى أن غالبية الأدلة جاءت من دراسات رصدية، وهو ما لا يسمح بإثبات أن هذه الأنماط الغذائية تؤدي مباشرة إلى تحسين الوظائف المعرفية، كما أن اختلاف الاختبارات المستخدمة لقياس الذاكرة والإدراك يحد من إمكانية مقارنة النتائج بصورة مباشرة.
وتُعد الأسماك الدهنية، مثل السلمون والسردين والماكريل، من مصادر أحماض أوميغا 3، ومنها حمضا إيكوسابنتاينويك (EPA) ودوكوساهيكسانويك (DHA)، اللذان يدخلان في تركيب أغشية الخلايا، بما فيها الخلايا العصبية، ويخضعان لأبحاث تتناول علاقتهما بصحة الدماغ.
كما توفر الخضروات الورقية والبقوليات والحبوب الكاملة الفولات وفيتامينات المجموعة ب، التي تؤدي أدوارًا مهمة في وظائف الجهاز العصبي والعمليات الأيضية، بينما توفر الفواكه، ومنها التوتيات، مركبات نباتية تُدرس علاقتها بالالتهاب والإجهاد التأكسدي والوظائف المعرفية.
لكن وجود هذه العناصر الغذائية في الطعام لا يعني أن زيادة استهلاكها فوق الاحتياجات الطبيعية تحسن الذاكرة بالضرورة، كما لا تثبت الأدلة المتاحة أن المكملات الغذائية أو نوعًا محددًا من الفواكه يمنع الإصابة بمرض ألزهايمر.
وتشير النتائج مجتمعة إلى أن الشوفان والمكسرات خيارات غذائية مدعومة بأدلة سريرية لتحسين بعض مؤشرات الدهون في الدم، بينما يتطلب دعم صحة العظام والدماغ الاهتمام بمجموعة أوسع من العناصر الغذائية والعادات الصحية.
وتبقى الفائدة مرتبطة بالنظام الغذائي الكامل ومدى استمراريته، إلى جانب النشاط البدني وتجنب التدخين والحفاظ على وزن صحي، فيما لا يغني تعديل الغذاء عن الفحوص الطبية أو الأدوية الموصوفة عند الحاجة.
The post أطعمة تدعم «العظام والكوليسترول والدماغ».. الغذاء وصحة الجسم appeared first on عين ليبيا | آخر أخبار ليبيا.
