Site icon bnlibya

إدارة الموارد العامة في ليبيا خلال المرحلة الانتقالية

المقدمة

تمر الدول أحياناً بمراحل انتقالية تتسم بإعادة تشكيل مؤسساتها السياسية والقانونية، وهي مراحل غالباً ما تكون مصحوبة بدرجة من عدم الاستقرار المؤسسي والاقتصادي، وفي مثل هذه الظروف يصبح الهدف الأساسي لإدارة الدولة هو الحفاظ على الاستقرار العام وضمان استمرار عمل المؤسسات إلى حين استكمال البناء الدستوري والسياسي.

ومن هذا المنطلق تبرز أهمية إدارة الموارد العامة بحكمة خلال الفترات الانتقالية حيث ينبغي ان تتسم السياسات الاقتصادية بدرجة عالية من الحذر والحكمة، بما يضمن الحفاظ على المال العام وتجنب اتخاذ قرارات استراتيجية طويلة الأجل إلى أن يتحقق استقرار المؤسسات الدستورية المنتخبة.

وتمر ليبيا منذ عام 2011 ميلادية بمرحلة انتقالية معقدة تتداخل فيها التحديات السياسية والأمنية والاقتصادية، وهو ما يفرض على إدارة الدولة تبني سياسات تتسم بالحذر والمسؤولية، خاصة فيما يتعلق بإدارة الموارد العامة التي تمثل الركيزة الأساسية لاستقرار الاقتصاد الوطني.

وفي ظل غياب إطار دستوري مستقر، تبرز الحاجة إلى مقاربة اقتصادية توازن بين تسيير شؤون الدولة اليومية والحفاظ على الثروة الوطنية.

أولاً: خصائص المرحلة الانتقالية في ليبيا

تتميز المرحلة الانتقالية بجملة من الخصائص التي تؤثر بشكل مباشرة على إدارة الموارد العامة، من أبرزها ضعف الاستقرار المؤسسي، وتعدد مراكز القرار، وغياب رؤية اقتصادية موحدة طويلة الأجل، كما تتسم هذه المرحلة بمحدودية القدرة على التخطيط الاستراتيجي ، في ظل غياب مؤسسات منتخبة تتمتع بشرعية دستورية كاملة.

وفي مثل هذه الظروف، تصبح الأولوية لإدارة الموارد العامة هي الحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي وضمان استمرار تقديم الخدمات الأساسية، بدلاً من التوسع في سياسات اقتصادية طويلة الأجل، قد لا تعكس بالضرورة أولويات المرحلة المقبلة، وهو ما يدعو إلى الإسراع بإنهاء المرحلة الانتقالية.

ثانياً: متطلبات الاستقرار الاقتصادي خلال المرحلة الانتقالية

تتميز الفترات الانتقالية بكونها مراحل إعادة تأسيس للمؤسسات الدستورية، وهو ما يفرض على السلطات القائمة خلالها التركيز على على تحقيق الاستقرار الإداري والاقتصادي، بدلاً من التوسع في اتخاذ قرارات استراتيجية طويلة الأجل.

فالقرارات الاقتصادية الكبرى، مثل إطلاق برامج استثمارية واسعة أو تخصيص موارد مالية ضخمة لمشاريع استراتيجية، تحتاج عادة إلى مؤسسات مستقرة تتمتع بشرعية دستورية واضحة وقادرة على تحمل المسؤولية السياسية والاقتصادية لهذه القرارات.

ولهذا السبب تميل العديد من الدول التي تمر بمراحل انتقالية إلى اتباع سياسة اقتصادية تقوم على إدارة الموارد بحذر إلى حين اكتمال البناء المؤسسي للدولة.

ثالثاً: طبيعة الاقتصاد الليبي وأثرها في إدارة الموارد

يُعد الاقتصاد الليبي اقتصاداً ريعياً يعتمد بدرجة كبيرة على الإيرادات النفطية كمصدر رئيسي للدخل العام، وتتولى المؤسسة الوطنية للنفط إدارة عمليات إنتاج النفط وتسويقه، بينما تدخل هذه الإيرادات إلى المنظومة المالية للدولة عبر المصرف الليبي الخارجي ومنه إلى حساب وزارة المالية بمصرف ليبيا المركزي.

ويترتب على هذه الطبيعة الريعية أن إدارة الموارد العامة تصبح شديدة الحساسية، إذ أن أي خلل في إدارة الإيرادات النفطية أو توجيهها قد ينعكس بشكل مباشر على الاستقرار الاقتصادي ومستوى معيشة المواطنين، كما أن الاعتماد على مورد واحد يزيد من مخاطر سوء استخدام الموارد خلال الفترات التي تتسم بضعف الاستقرار المؤسسي.

رابعاً: مخاطر اتخاذ القرارات الاقتصادية الكبرى في ظل المؤسسات الانتقالية

إن اتخاذ قرارات اقتصادية واستثمارية كبرى في ظل مؤسسات انتقالية قد يترتب عليه عدد من المخاطر، من أبرزها:

تحميل الدولة التزامات مالية طويلة الأجل قبل استقرار النظام السياسي

ضعف كفاءة التخطيط الاقتصادي في ظل عدم استقرار المؤسسات

احتمال تغير الأولويات الاقتصادية بعد قيام المؤسسات الدستورية المنتخبة

محدودية آليات المساءلة السياسية في بعض مراحل الانتقال

ولهذا السبب فإن كثيراً من الأدبيات الاقتصادية توصي لتأجيل المشاريع الاستراتيجية الكبرى إلى حين استقرار الإطار الدستوري والسياسي للدولة.

خامساً: أهمية الشفافية والرقابة المؤسسية

تمثل الشفافية والرقابة المؤسسية أحد أهم الضمانات لحسن إدارة المال العام، وتضطلع مؤسسات الرقابة المالية والإدارية بدور أساسي في حماية الموارد العامة وضمان استخدامها وفقاً للقانون.

فوجود منظومة رقابية فعالة يسهم في:

تعزيز الثقة في إدارة الموارد العامة

الحد من الفساد المالي والإداري

ضمان كفاءة استخدام الموارد المالية والاقتصادية

حماية المال العام باعتباره ملكاً لجميع المواطنين

ومن ثم فإن خضوع جميع الأموال العامة لآليات الرقابة المؤسسية يعد من المبادئ التي تقوم عليها الإدارة المالية الرشيدة في الدولة الحديثة

سادساً: الميثاق الاقتصادي المؤقت لإدارة المال العام خلال المرحلة الانتقالية

في ضوء خصائص المرحلة الانتقالية وطبيعة الاقتصاد الليبي، تبرز مجموعة من المبادئ التي ينبغي أن تحكم إدارة الموارد العامة خلال هذه المرحلة من أهمها:

الحفاظ على الموارد الوطنية باعتبارها حقاً للأجيال الحالية والقادمة

اتباع سياسة مالية حذرة تقوم على تجنب الالتزامات طويلة الأجل

تعزيز الشفافية والرقابة المؤسسية على جميع أوجه الإنفاق العام

ضمان وحدة الإيرادات العامة وإدارتها من خلال القنوات الرسمية للدولة

توجيه الإنفاق نحو الأولويات الأساسية المرتبطة بالخدمات العامة والاستقرار الاقتصادي

سابعا: التوصيات

في ضوء ما سبق، يمكن طرح عدد من التوصيات العملية، من أبرزها:

إعطاء الأولوية لاستكمال البناء الدستوري وتوحيد المؤسسات

تجنب التوسع في المشاريع الاستثمارية الكبرى خلال المرحلة الانتقالية

إخضاع جميع الموارد العامة لرقابة مالية وإدارية فعالة دون استثناء

تعزيز دور المؤسسات السيادية في إدارة الإيرادات العامة

تبني ميثاق اقتصادي ومالي مؤقت ينظم إدارة المال العام إلى حين استقرار النظام السياسي

ثامناً: الخاتمة

إن إدارة الموارد العامة في ليبيا خلال المرحلة الانتقالية لا يمثل مجرد مسألة مالية، بل هي اختبار حقيقي لقدرة الدولة على حماية ثروتها الوطنية في ظل ظروف استثنائية، ومن ثم فإن نجاح هذه المرحلة لا يقاس بحجم الانفاق العام أو عدد المشاريع، بقدر ما يقاس بمدى القدرة على الحفاظ على الموارد العامة وإدارتها بحكمة، بما يمهد الطريق لبناء دولة دستورية مستقرة قادرة على تحقيق التنمية المستدامة.

The post إدارة الموارد العامة في ليبيا خلال المرحلة الانتقالية appeared first on عين ليبيا آخر أخبار ليبيا.