اختتمت منظمة شنغهاي للتعاون قمتها في العاصمة القرغيزية بيشكيك بإقرار «إعلان بيشكيك» والتوقيع على 28 وثيقة، حملت مواقف بشأن السيادة والأمن الدولي والتجارة والطاقة والإصلاح المالي، إلى جانب تأكيد رفض الإجراءات الأحادية والتدخل في شؤون الدول.
وجاءت مخرجات القمة، التي انعقدت في الذكرى الخامسة والعشرين لتأسيس المنظمة، وسط دعوات من الدول الأعضاء إلى تعزيز التعددية والحوار، في وقت طرح فيه الرئيس الصيني شي جين بينغ رؤية أكثر وضوحًا بشأن انتقال النظام الدولي نحو تعددية الأقطاب، بينما شدد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على دور الأمم المتحدة، ودعا رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي إلى إنهاء الحرب في أوكرانيا.
ونص «إعلان بيشكيك» على أهمية الحوار بين منظمة شنغهاي للتعاون والأمم المتحدة وهيئاتها، باعتباره مسارًا لتحقيق السلام، كما أكد أعضاء المنظمة رفضهم تعزيز أمن دولة أو تكتل على حساب أمن الدول الأخرى.
وشدد الإعلان على أهمية احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها، كما اعتبر أعضاء المنظمة أن تقديم خدمات الإنترنت عبر الأقمار الصناعية غير المرخصة داخل أراضي الدول الأعضاء يمثل انتهاكًا لسيادتها.
وفي الجانب الاقتصادي، أعربت دول المنظمة عن استعدادها لتطوير شراكات متبادلة المنفعة في الصناعة والطاقة، ودعم توسيع التعاون في مجال الطاقة، إلى جانب تطوير البنية التحتية للتجارة الإلكترونية عبر الحدود.
ودعت الدول الأعضاء إلى إصلاح الهيكل المالي الدولي وتعزيز دور الدول النامية داخل صندوق النقد الدولي، كما أكدت أهمية التعاون متعدد الأطراف في مواجهة التحديات الاقتصادية والأمنية.
وفي الملف الأمني، أكدت المنظمة ضرورة إبرام وثيقة دولية تمنع سباق التسلح في الفضاء، ودعت إلى الالتزام باتفاقية حظر تطوير واستخدام الأسلحة الكيميائية، كما أقرت بالدور الرئيسي للدول ذات السيادة وسلطاتها المختصة في مكافحة الإرهاب والتطرف.
وتضمن الإعلان موقفًا بشأن الحرب العالمية الثانية، إذ أكدت دول المنظمة تمسكها بترسيخ نتائجها ومواصلة التصدي لما وصفته بتزييف التاريخ.
وحظي الشرق الأوسط بمساحة بارزة في البيان، إذ أعربت دول منظمة شنغهاي للتعاون عن قلقها البالغ إزاء التطورات في المنطقة وحول إيران، وقدمت تعازيها لإيران في المرشد الأعلى علي خامنئي، وفق ما ورد في نص الإعلان.
كما أكدت دول المنظمة إدانتها للضربات العسكرية ضد إيران التي أسفرت عن سقوط ضحايا مدنيين، وجددت دعمها لسيادة إيران ووحدة أراضيها، داعية إلى تسوية القضايا عبر القنوات الدبلوماسية.
وفي الشأن الفلسطيني، أكدت دول منظمة شنغهاي للتعاون أن التسوية العادلة للقضية الفلسطينية تمثل السبيل الوحيد لضمان السلام في الشرق الأوسط.
وشملت الوثائق الموقعة تعديلًا في ميثاق منظمة شنغهاي للتعاون، ولوائح خاصة بمراكز أمنية ومكافحة المخدرات، وبرامج تعاون في مكافحة الإدمان وانتشار المخدرات الاصطناعية، إلى جانب وثائق تتعلق بالطاقة والكفاءة في استخدامها والأمن النووي. وأكدت مصادر مرتبطة بالقمة توقيع 28 وثيقة في ختام اجتماعات قادة المنظمة.
وفي اجتماع «منظمة شنغهاي للتعاون+»، دفع الرئيس الصيني شي جين بينغ باتجاه رؤية تقوم على تعددية الأقطاب والمساواة بين الدول، وقال إن تشكيل عالم متعدد الأقطاب أصبح «عملية تاريخية لا رجعة فيها».
وأضاف شي: «تؤيد الصين إقامة عالم متعدد الأقطاب قائم على المساواة والنظام… إن تاريخ العالم تكتبه شعوب جميع الدول معًا، وتعددية الأقطاب والاختيار المستقل لمسار التنمية وإضفاء الطابع الديمقراطي على العلاقات الدولية، هي الطريق الصحيح للبشرية جمعاء»، مشددًا على أن «تشكيل عالم متعدد الأقطاب أصبح عملية تاريخية لا رجعة فيها».
ودعا الرئيس الصيني الدول إلى تبني الشراكة بدلًا من التكتلات والحوار بدلًا من المواجهة، وقال: «ينبغي التمسك بحزم بالشراكة بدلاً من الانضمام إلى التكتلات، والحوار بدلاً من المواجهة، والاسترشاد بمبدأ التشاور المشترك والبناء المشترك والاستفادة المشتركة، بما يضمن لجميع دول العالم فرصًا متساوية في الوصول إلى الحوكمة العالمية والاستفادة من ثمارها».
وفي حديثه عن أزمات العالم، أعلن شي استعداد الصين لتعزيز التنسيق مع دول منظمة شنغهاي للتعاون بشأن أوكرانيا وغيرها من بؤر التوتر، وقال إن بكين مستعدة «للالتزام بمبدأ المعالجة المتزامنة لأعراض المشكلات وأسبابها الجذرية، والمساهمة في تسويتها سياسيًا».
وتنسجم تصريحات شي مع موقف صيني أوسع طرح خلال القمة، إذ دعا إلى تعزيز تمثيل دول الجنوب العالمي وصوتها في الشؤون الدولية، فيما وصف هيمنة عدد محدود من الدول على القضايا الدولية بأنها ظلم تاريخي، وفق تقارير عن كلمته في اجتماع «منظمة شنغهاي للتعاون+».
من جهته، استعاد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال اجتماع «منظمة شنغهاي للتعاون+» شخصية وزير الخارجية السوفيتي أندري غروميكو، الذي اشتهر بلقب «السيد لا» بسبب تمسكه باستخدام حق النقض في مجلس الأمن.
وقال بوتين إن غروميكو لم يكن يستخدم حق النقض للدفاع عن مصالح موسكو وحدها، بل كان، بحسب وصفه، حاميًا لمصالح عدد من الدول الإفريقية وأمريكا اللاتينية وجنوب شرق آسيا التي كانت تخوض حركات تحرر ضد الاستعمار.
وتحدث بوتين كذلك عن أداء الأمم المتحدة، مؤكدًا ضرورة استمرار دورها في النظام الدولي، فيما أوردت تصريحات أخرى له خلال القمة أن ميثاق الأمم المتحدة ينبغي أن يبقى مصدرًا رئيسيًا للقانون الدولي.
وعلى هامش القمة، التقى بوتين رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، وبحث الجانبان العلاقات الروسية الهندية والتعاون التجاري والاقتصادي والطاقة.
وقال بوتين إن العلاقات بين روسيا والهند تواصل تطورها على أساس الشراكة الاستراتيجية، مشيرًا إلى نمو حجم التبادل التجاري بين البلدين بنسبة 2.6% خلال النصف الأول من عام 2026، بعد انخفاض طفيف خلال العام السابق.
وأضاف أن التبادل السياحي بين البلدين ارتفع بنسبة 16% في عام 2025، فيما ارتفع عدد الطلاب الهنود الذين يدرسون في روسيا سبعة أضعاف خلال السنوات العشر الماضية، ليصل إلى نحو 40 ألف طالب.
وفي المقابل، ركز مودي خلال اللقاء على الحرب في أوكرانيا، وقال إن الهند تدعم «جميع الجهود السلمية على هذا المسار»، مضيفًا: «كل يوم تستمر فيه الحرب، تتراجع فيه الإنسانية خطوة إلى الوراء. وفي الوقت نفسه، كل خطوة نحو السلام تمنح البشرية جمعاء أملاً حقيقيًا بالسلام. نحن بحاجة إلى الانتقال من حرب لا نهاية لها إلى نهاية الحرب، إلى إنهاء العمليات القتالية».
وتعكس مواقف قمة بيشكيك اتجاهًا مشتركًا بين عدد من القوى المشاركة نحو تعزيز التعددية والحوار ورفض الهيمنة الأحادية، مع اختلاف أولويات الدول الأعضاء بشأن الملفات السياسية والأمنية والاقتصادية.
وشارك في فعاليات منظمة شنغهاي للتعاون واجتماعات «منظمة شنغهاي للتعاون+» ممثلون عن 17 دولة وست منظمات دولية، فيما جاءت القمة برئاسة قرغيزستان، التي تتولى الرئاسة الحالية للمنظمة.
The post إعلان بيشكيك.. شنغهاي ترفض هيمنة «القطب الواحد» وتطالب بإصلاح النظام المالي appeared first on عين ليبيا | آخر أخبار ليبيا.
