قالت مصادر أمريكية إن مخططات إيرانية لاستهداف أمريكيين دفعت واشنطن إلى تقليص طواقم بعثاتها الدبلوماسية في عدد من دول الشرق الأوسط وتسريع نقل بعض موظفيها، بالتزامن مع تصاعد التهديدات المتبادلة بين الولايات المتحدة وإيران، واستمرار التوتر بشأن مضيق هرمز واحتمالات استئناف العمليات العسكرية.
وتأتي هذه التحركات في ظل تقييم استخباري سري وردت خطوطه العريضة في مذكرة مؤرخة في 23 أكتوبر، حذّر فيها مدير الاستخبارات الوطنية وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو من تصاعد الجهود الإيرانية الرامية إلى استهداف أمريكيين، وفق ما أوردته التقارير بشأن التحذيرات الأمنية.
وأصدرت وزارة الخارجية الأمريكية أوامر بمغادرة الموظفين غير الأساسيين وعائلاتهم من السعودية، على خلفية هجمات الحوثيين، كما فرضت نظام العمليات المقيدة على بعثاتها في الأردن ولبنان وقطر والإمارات والبحرين والكويت، من دون إغلاق المنشآت الدبلوماسية في تلك الدول.
وأثارت إجراءات الإجلاء حالة من الإحباط والارتباك بين الدبلوماسيين وأفراد عائلاتهم، إذ اضطر بعضهم إلى مغادرة مقار إقامتهم للمرة الثانية خلال أشهر قليلة، بعد عودتهم مؤخرًا واستقرارهم في مساكن جديدة، وسط غموض بشأن البدلات المالية المخصصة للسكن والنقل.
وأشارت نقابة الخدمة الخارجية إلى وجود ارتباك بيروقراطي في التواصل مع الموظفين، موضحة أن عددًا منهم علم بقرارات الإجلاء من خلال وسائل الإعلام، بدلًا من تلقيها مباشرة من قياداتهم، ما أثار استياءهم وغضبهم.
وتزامنت هذه الإجراءات مع تصاعد هجمات الحوثيين على البنية التحتية في السعودية، وتحذيرات أمنية من احتمال امتداد المخاطر إلى مناطق أخرى خارج بؤر التوتر، في وقت تواصل فيه الأجهزة المختصة تقييم التهديدات المبلّغ عنها.
وجاءت التحركات أيضًا وسط تلميحات من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن شن ضربات جديدة على إيران، بالتوازي مع ضغوط إسرائيلية تدفع باتجاه التصعيد، في حين نفى مسؤولون ربط الإجراءات الدبلوماسية بالاستعدادات العسكرية المباشرة.
وبحسب التقارير، تسعى واشنطن إلى توسيع نطاق تداول التحذيرات الأمنية بين موظفيها وتخفيف القيود المفروضة على تداول بعض المواد الحساسة، مع إبقاء الخيارات المتاحة للتعامل مع التهديدات المتصاعدة وحماية الأمريكيين في المنطقة.
وفي سياق التصعيد، قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إن الولايات المتحدة تستطيع إنهاء الحرب مع إيران بسرعة، لكنه تساءل عما إذا كان من الأفضل حسم الصراع بالكامل أو تركه يتراجع تدريجيًا.
وأضاف ترامب، خلال حديثه إلى الصحفيين في الحديقة الجنوبية للبيت الأبيض، قبل مغادرته إلى ولاية فلوريدا: «يمكننا إنهاء الأمر بسرعة كبيرة، لكن هل نريد حسمه تمامًا، أم نكتفي بتركه يذوي؟».
وتحدث الرئيس الأمريكي عن حركة النفط عبر مضيق هرمز، قائلًا: «نحن نحصل على كل ما نريده»، وأضاف أن الولايات المتحدة تستطيع، إذا أرادت، الاستيلاء على النفط والسيطرة على إيران بأكملها، معتبرًا أن مضيق هرمز يخضع للسيطرة الأمريكية، وفق تعبيره.
وتزامنت تصريحات ترامب مع تقارير عن خيارات عسكرية أمريكية لاستئناف عمليات واسعة ضد إيران، إذ أفادت صحيفة «نيويورك تايمز» بأن الجيش الأمريكي أعد، بتوجيه من الرئيس، خيارات لشن حملة قتالية مكثفة تستمر ثلاثة أيام.
وفي تطور آخر، قال توم براك، المبعوث الخاص للرئيس الأمريكي دونالد ترامب والسفير الأمريكي لدى تركيا، إن توجيه ضربة عسكرية أمريكية إلى إيران خلال عطلة نهاية الأسبوع أمر وارد.
وردًا على سؤال من المذيع ماريو نوفال بشأن إمكانية شن ضربة خلال عطلة نهاية الأسبوع، أجاب براك: «بالتأكيد»، مضيفًا أن الرئيس الأمريكي واضح في هذا الشأن، وأنه ينقل السياسة الأمريكية.
لكنه أكد في الوقت نفسه أن واشنطن لا تزال منفتحة على التوصل إلى اتفاق دبلوماسي مع طهران، وقال إن ترامب مستعد ومتاح لإبرام صفقة، مشيرًا إلى أن المفاوضات بين الجانبين استمرت أشهرًا.
وعندما سُئل ترامب عن تصريحات براك، قال: «هل هذا سفيري؟ إنه رجل قوي جدًا على ما أعتقد»، ثم أضاف: «حسنًا، أنا لا أعرف شيئًا عن ذلك».
وتعارضت تصريحات براك مع بيان للبيت الأبيض صدر يوم الخميس، أفاد بأن الولايات المتحدة لن تستأنف هجماتها على إيران قبل انتخابات التجديد النصفي المقررة في 3 نوفمبر، إذ استبعدت المتحدثة باسم البيت الأبيض آنا كيلي شن ضربات أمريكية قبل موعد التصويت، بينما أشار مسؤولون إلى أن ترامب لا يزال يبقي الخيار العسكري مطروحًا.
وكان ترامب هدد مرارًا بشن ضربات جديدة على إيران بعد انتخابات التجديد النصفي الأمريكية في 3 نوفمبر، التي تأتي، وفق المعلومات الواردة في التقارير، قبل الانتخابات الإسرائيلية بأسبوع واحد.
وفي المقابل، صعّد مسؤولون عسكريون إيرانيون من لهجتهم تجاه الولايات المتحدة، إذ قال رئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الإيرانية وقائد مقر «خاتم الأنبياء» المركزي، اللواء علي عبد اللهي، إن طهران لن تسمح للسفن الحربية الأمريكية بدخول مياه الخليج تحت أي ظرف.
وقال عبد اللهي إن القوات المسلحة الإيرانية تمكنت، وفق ادعائه، من تحييد البحرية الأمريكية، التي وصفها بأنها القوة التي يعتبرها الرئيس الأمريكي وقادة بلاده ذروة القدرات العسكرية الأمريكية ويستخدمونها لتهديد المنطقة والعالم.
وأضاف أن البحرية الأمريكية لم تعد، بحسب قوله، قادرة على الاقتراب من البحار المحيطة بالخليج أو المياه الإقليمية الإيرانية، مؤكدًا أن عودة القوات الأمريكية إلى الخليج حلم سيأخذه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب معه إلى قبره.
وانتقد رئيس الأركان الإيراني تصريحات ترامب بشأن تدمير المنشآت النووية الإيرانية، معتبرًا أن تأكيد الرئيس الأمريكي على تدمير تلك المنشآت، بالتزامن مع إصراره على ضرورة منع إيران من امتلاك أسلحة نووية، يمثل تناقضًا.
وقال عبد اللهي إن التصريحات الأمريكية المتكررة بشأن تدمير القدرات الإيرانية لا تهدف، وفق رأيه، إلا إلى تضليل الرأي العام العالمي، ولا سيما الشعب الأمريكي، متسائلًا عن أسباب عدم اقتراب السفن الحربية الأمريكية من مضيق هرمز أو الحدود البحرية والبرية الإيرانية إذا كانت واشنطن واثقة من القضاء على القدرات العسكرية الإيرانية.
وأكد عبد اللهي أن إيران لن تسمح بدخول القطع البحرية العسكرية الأمريكية إلى الخليج، مهددًا بمواجهة القوات الأمريكية وحلفائها وإسرائيل، ومشيرًا إلى أن الاستراتيجية الإيرانية، وفق تعبيره، تستهدف إطالة أمد المواجهة واستنزاف قدرات الخصوم، بحسب ما نقلته وكالة الأنباء الإيرانية «إرنا».
وفي السياق ذاته، حذّر نائب الشؤون السياسية في الحرس الثوري الإيراني، الجنرال يد الله جواني، من دخول القوات الأمريكية الأراضي الإيرانية، وقال إن المواقع التي ستوجد فيها القوات الغازية ستتحول إلى «مسلخ» لها، وفق ما نقلته وكالة «فارس».
وأضاف جواني أن القوات الأمريكية تواجه بالفعل قيودًا في بعض القواعد المنتشرة في المنطقة، متسائلًا عن قدرتها على دخول أراضٍ غير مألوفة والحفاظ على وجودها فيها، وقال إن واشنطن تدرك عواقب هذه الخطوة ما لم ترتكب خطأً فادحًا في الحسابات.
وشدد المسؤول الإيراني على أن دخول القوات الأمريكية إلى إيران سيعرّضها لمواجهة شديدة، بغض النظر عن الطريق الذي ستختاره لدخول البلاد، في ظل تصاعد التهديدات المتبادلة بشأن احتمال استئناف العمليات العسكرية.
وعلى صعيد الملاحة والطاقة، أعلنت القوة البحرية التابعة للحرس الثوري الإيراني، يوم الجمعة، انفجار ناقلتي نفط عملاقتين قالت إنهما كانتا تحاولان عبور مضيق هرمز عبر المسار الجنوبي غير المصرح به.
وذكر بيان الحرس الثوري أن الناقلتين، اللتين وصفهما بأنهما «مخالفتان»، اصطدمتا بألغام بحرية، ما أدى إلى تعطل محركاتهما واندلاع حريق كبير وتوقفهما في موقع الحادث، مضيفًا أنهما كانتا تحملان معًا أكثر من أربعة ملايين و500 ألف برميل من النفط الخام، وأن أفراد الطاقم غادروا الناقلتين بعد تركهما.
ولم تتضمن المعلومات الواردة في التقارير تفاصيل مستقلة إضافية بشأن هوية الناقلتين أو حجم الأضرار أو مصير الشحنة، فيما جاء الإعلان في وقت تشهد فيه الملاحة عبر المضيق توترًا متزايدًا على خلفية المواجهة الأمريكية الإيرانية.
وكانت الولايات المتحدة وإسرائيل بدأتا، وفق التسلسل الزمني الوارد في التقارير، شن ضربات على أهداف داخل إيران في 28 فبراير، وردت طهران بضربات مماثلة، ثم وقّعت إيران والولايات المتحدة مذكرة تفاهم لوقف الأعمال القتالية في منتصف يونيو، قبل أن تتبادلا الضربات مجددًا لاحقًا، فيما ظل الصراع من دون تسوية.
وأدى التصعيد إلى شبه توقف حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، الذي يمثل ممرًا رئيسيًا لإمدادات النفط والمنتجات النفطية والغاز الطبيعي المسال إلى الأسواق العالمية، وسط ارتفاع أسعار الوقود في دول عديدة نتيجة اضطراب الإمدادات ومخاوف استمرار تعطل حركة الشحن.
وفي موازاة التصعيد العسكري، أعلن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أن الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان سيزور روسيا الأسبوع المقبل، لمواصلة المشاورات مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في موسكو.
وقال عراقجي إن الحوار والمشاورات بين البلدين سيتواصلان الأسبوع المقبل بمشاركة رئيسيهما في موسكو، في زيارة تأتي وسط تصاعد المواجهة بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، واستمرار التنسيق السياسي بين طهران وموسكو.
وكان وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف أبلغ بزشكيان، خلال زيارته إلى طهران يوم الاثنين 19 أكتوبر، أن بوتين ينتظره في موسكو للمشاركة في قمة منتدى الدول المصدرة للغاز المقررة أواخر الشهر، كما أعرب عن تطلعه إلى عقد لقاء ثنائي بين الرئيسين.
وأكد لافروف أن موسكو تأمل مشاركة الرئيس الإيراني في القمة الثامنة للمنتدى، المقررة في 27 أكتوبر، ومواصلة المحادثات التي أجراها الرئيسان خلال لقاءاتهما السابقة.
من جانبه، أعرب بزشكيان، خلال استقباله لافروف، عن تطلعه إلى زيارة روسيا ولقاء بوتين، معربًا عن أمله في أن تسهم الزيارة في تحقيق تقدم ملموس في تنفيذ الاتفاقات الثنائية.
وشدد الرئيس الإيراني على ضرورة تسريع تنفيذ المشاريع المشتركة بين البلدين في مجالات الطاقة والنقل والتجارة وتوليد الكهرباء، ووضع جداول زمنية وآليات عملية لتنفيذها، كما أعرب عن تقديره للمواقف الروسية الداعمة لإيران في ظل التصعيد العسكري مع الولايات المتحدة وإسرائيل، مؤكدًا أهمية تعزيز التنسيق السياسي والدبلوماسي بين طهران وموسكو.
وفي 20 أكتوبر، أكد السفير الإيراني لدى روسيا كاظم جلالي أن المشاورات بين الرئيسين ستتواصل في موسكو، مشيرًا إلى أن الاتصالات المكثفة بين البلدين تعكس حرصهما على تعزيز الشراكة الاستراتيجية.
وتأتي هذه التحركات الدبلوماسية والعسكرية في ظل تباين التصريحات الأمريكية بشأن توقيت أي هجوم محتمل، بين تحذيرات من احتمال وقوع ضربة خلال عطلة نهاية الأسبوع، وتصريحات من البيت الأبيض تستبعد استئناف الهجمات قبل انتخابات التجديد النصفي، بالتزامن مع تهديدات إيرانية بمواجهة أي تدخل عسكري واستمرار المخاوف بشأن أمن الملاحة وإمدادات الطاقة في مضيق هرمز.
وتبقى التطورات الميدانية والتهديدات المتبادلة والاتصالات الدبلوماسية عوامل رئيسية في تحديد مسار الأزمة، وسط استمرار الحديث عن خيارات عسكرية أمريكية، وتمسك طهران برفض دخول القوات الأمريكية إلى مياه الخليج أو الأراضي الإيرانية.
The post إيران: عودة القوات الأمريكية للخليج «حلم» سيأخذه ترامب معه إلى قبره appeared first on عين ليبيا | آخر أخبار ليبيا.
