Site icon bnlibya

اعتماد الاتفاقية البحرية الليبية – التركية: خطوة نحو موقف وطني مشترك

تمثل موافقة مجلس النواب على مذكرة التفاهم البحرية المبرمة بين ليبيا وتركيا تطورًا سياسيًا مهمًا، تتجاوز دلالته مجرد اعتماد وثيقة سبق توقيعها سنة 2019؛ فالقيمة السياسية الأبرز لهذا التصويت تكمن في تقليص مساحة الانقسام الليبي حول أحد الملفات المرتبطة بسيادة الدولة ومصالحها الاستراتيجية.

وقد تجسّد هذا التحول في انتقال الملف البحري خطوة نحو بناء موقف مؤسسي ليبي مشترك، بعدما كان موضع انقسام حاد بين المؤسسات. وجاءت موافقة مجلس النواب، ثم ترحيب المجلس الأعلى للدولة ووزارة الخارجية بحكومة الوحدة الوطنية، لتؤسس حالة من التقارب تجاه المذكرة. وقد ربط المجلس الأعلى للدولة موقفه بأهمية توحيد القرار الوطني، وصون الحقوق البحرية الليبية، واستكمال الإجراءات القانونية، وتعزيز التنسيق بين المؤسسات المختصة.

ولا يعني هذا التقارب انتهاء الانقسام السياسي الليبي أو امتداده تلقائيًا إلى بقية الملفات المختلف عليها؛ لكنه يكشف عن إمكانية توافق المؤسسات الليبية، رغم خلافاتها، عندما يتعلق الأمر بقضية سيادية تمس حقوق الدولة ومصالحها طويلة المدى.

ويتمثل الأثر السياسي الأول لهذا التطور في تضييق مساحة استفادة الأطراف الخارجية من التناقض الليبي. فعندما تؤيد مؤسسة اتفاقًا وترفضه مؤسسة أخرى، يستطيع الطرف الخارجي الاستناد إلى الموقف الذي يخدم مصالحه، والتشكيك في استقرار الموقف الليبي أو في مدى تعبيره عن إرادة الدولة. أما تقارب المؤسسات بشأن هذا الملف، فيجعل تجاوز الموقف الليبي أو التعويل على إسقاط الاتفاق من الداخل الليبي أكثر صعوبة.

ومن هنا تتضح العلاقة بين توحيد الموقف الداخلي وتعزيز القدرة التفاوضية الخارجية؛ إذ يستطيع المفاوض الليبي، بعد هذا التصويت، الاستناد إلى دعم مؤسسي أوسع، وتقديم موقف أكثر استقرارًا بشأن الحقوق البحرية التي تتمسك بها الدولة. ومع ذلك، تظل هذه الأفضلية مشروطة بوجود تفويض واضح، وفريق تفاوض منسق، ومرجعية قانونية وفنية مشتركة؛ لأن تعدد الوفود وتناقض الرسائل قد يبددان أثر التقارب المؤسسي، حتى مع استمرار التأييد المعلن للمذكرة.

ويمتد أثر هذا التحول إلى العلاقة مع تركيا؛ فاستناد التعاون البحري إلى قاعدة مؤسسية ليبية أوسع من شأنه أن يعزز استمراره، ويمنح ليبيا، في المقابل، فرصة لإدارة هذه العلاقة من خلال مطالب وطنية مشتركة ورقابة أوضح على الالتزامات المتبادلة.

وفي هذا السياق، ينبغي إبراز الدور التركي بوصف تركيا دولة مسؤولة وشريكًا موثوقًا في مواقفها، أظهر قدرًا من الثبات في تعامله مع الدولة الليبية وفي تمسكه بالاتفاق المبرم معها. ويتيح ذلك البناء على رصيد من الثقة السياسية لتطوير علاقة أكثر استقرارًا وتوازنًا، تقوم على احترام السيادة الليبية، والوفاء بالالتزامات، وتبادل المصالح، والتعاون في حماية الحقوق البحرية للبلدين.

ويتوقف تعظيم استفادة ليبيا من هذه العلاقة على قدرة مؤسساتها على تحديد أهدافها الوطنية بوضوح: حماية الحقوق البحرية، وتطوير القدرات الفنية، وتحسين شروط التعاون الاقتصادي. وكلما اتضحت هذه الأهداف وتوحدت المؤسسات حولها، ازدادت قدرة ليبيا على التفاوض مع شريك موثوق بشأن الوسائل والشروط الكفيلة بتحقيق المصالح المشتركة.

أما تجاه الدول المعترضة، فإن تقارب المواقف الليبية يرفع الكلفة الدبلوماسية لتجاهل ليبيا، لكنه لا يؤدي بذاته إلى إنهاء الاعتراضات الخارجية أو تعديل مواقف الدول المعنية. فقد أعلنت وزارة الخارجية اليونانية رفضها لقرار مجلس النواب، وتمسكت باعتراضاتها القانونية على المذكرة، وهو ما يؤكد أن التحول الداخلي لم يؤد إلى إنهاء النزاع الخارجي بشأن الترسيم البحري.

ولهذا ينبغي النظر إلى الموافقة البرلمانية بوصفها فرصة لتقوية الدبلوماسية الليبية، من خلال فتح قنوات التفاوض، وتوضيح المطالب والإحداثيات وأسانيدها، وعرض الحجج الليبية والرد على الاعتراضات الخارجية بطريقة قانونية ومنظمة، والانتقال من ردود الفعل المتفرقة إلى سياسة بحرية واضحة. فالموقف الداخلي المتماسك يمنح الحوار الخارجي أساسًا أقوى، ويزيد قدرة الدولة على الصمود أمام الضغوط وتغير الحكومات والتحالفات الإقليمية.

ومع ذلك، يبقى التمييز ضروريًا بين القيمة السياسية للموافقة وبين التقييم القانوني والفني لمضمون الترسيم. فاتساع التأييد السياسي لاتفاق ما يعزز استقراره واستمراريته، لكنه لا يثبت بذاته أن جميع أحكامه تحقق أفضل نتيجة ممكنة للمصلحة الليبية.

ويظل تقييم عدالة الترسيم ومدى تحقيقه للمصلحة الوطنية مسألة قانونية وفنية مستقلة، تتطلب دراسة الخرائط والإحداثيات، وأثر السواحل والجزر، ومناطق تداخل المطالب البحرية، والنتائج المحتملة للتفاوض أو غيره من وسائل التسوية السلمية، بما فيها التسوية القضائية عند توافر شروطها. كما أن تحسن البيئة السياسية المحيطة بالمذكرة لا يعني تحقق عوائد اقتصادية فورية؛ لأن الانتقال من الترسيم إلى الاستفادة من الموارد يتطلب شروطًا فنية واستثمارية وأمنية إضافية.

ويبدأ الاختبار العملي لهذا التطور بنشر أداة الاعتماد وأسانيدها الفنية، وتحديد الجهة التي تتولى التنسيق والتفاوض، وتوحيد الخطاب الدبلوماسي الليبي بشأن الحقوق البحرية. وعندئذ فقط يمكن قياس ما إذا كان تقارب المواقف قد تحول إلى قدرة فعلية للدولة على حماية مصالحها، خاصة أن بيان المجلس الأعلى للدولة دعا صراحة إلى استكمال الإجراءات القانونية ومواصلة التنسيق بين المؤسسات المختصة.

إن الموافقة البرلمانية تمنح ليبيا فرصة لتوسيع الأساس الوطني لسياستها البحرية، وتضييق مساحة الانقسام الذي أضعف موقفها الخارجي لسنوات. غير أن القيمة الحقيقية لهذه الخطوة ستظهر عندما يتحول التقارب المؤسسي إلى تفويض تفاوضي واضح، تسنده المعرفة القانونية والفنية، ويضبطه معيار واحد هو المصلحة الوطنية الليبية.

The post اعتماد الاتفاقية البحرية الليبية – التركية: خطوة نحو موقف وطني مشترك appeared first on عين ليبيا | آخر أخبار ليبيا.

Exit mobile version