Site icon bnlibya

الأقاليم الثلاثة بين الحقيقة التاريخية والأسطورة السياسية

كثر الحديث في ليبيا خلال السنوات الأخيرة عن ما يسمى “الأقاليم التاريخية الثلاثة”، وأصبح البعض يتعامل مع هذه التسمية وكأنها حقيقة تاريخية ثابتة قامت عليها الدولة الليبية منذ نشأتها الأولى. غير أن العودة إلى التاريخ بعيداً عن الخطابات السياسية تكشف صورة مختلفة تماماً، وتبين أن ليبيا لم تنشأ أصلاً على أساس هذه الأقاليم، وأن ما يعرف اليوم ببرقة وطرابلس وفزان لم يكن في معظم مراحل التاريخ سوى تقسيمات إدارية متغيرة فرضتها ظروف الحكم أو الاحتلال، وليست كيانات سياسية مستقلة اجتمعت لاحقاً لتكوين الوطن الليبي.

ولفهم هذه الحقيقة لا بد من العودة إلى ما قبل الاحتلال العثماني في القرن السادس عشر. فالمنطقة التي تعرف اليوم باسم ليبيا تعاقبت عليها حضارات وإمبراطوريات متعددة، من الفينيقيين والإغريق والرومان والبيزنطيين وصولاً إلى الفتح الإسلامي. وخلال تلك العصور لم تكن هناك دولة مستقلة باسم برقة وأخرى باسم طرابلس وثالثة باسم فزان. بل كانت الحدود الإدارية تتغير باستمرار تبعاً لطبيعة الدولة الحاكمة ومصالحها السياسية والعسكرية، بينما ظل الإقليم الليبي فضاءً جغرافياً متصلاً تربطه طرق التجارة والهجرات والعلاقات الاجتماعية والثقافية.

ومن المهم هنا التوقف عند مسألة اسم “برقة” الذي أصبح اليوم محوراً لخطاب سياسي وهوياتي متصاعد. فالتسمية ليست اسماً لقبيلة عربية ولا تعبيراً عن قومية مستقلة، بل هي تسمية جغرافية قديمة تعود جذورها إلى العصور الإغريقية. فالاسم الأشهر الذي عرف به شرق ليبيا في التاريخ القديم هو “قورينائية” أو “كيرينايكا”، وهو مشتق من مدينة قورينا التي أسسها الإغريق في القرن السابع قبل الميلاد. ثم انتقلت التسمية إلى الرومان وأصبحت تطلق على الإقليم الشرقي بأكمله. أما اسم برقة فقد ارتبط لاحقاً بمدينة برقة القديمة ثم اتسع ليشمل المنطقة المحيطة بها.

وهنا تظهر مفارقة تاريخية مهمة كثيراً ما يتم تجاهلها. فمعظم القبائل التي تتبنى اليوم الهوية البرقاوية لم تكن موجودة أصلاً في المنطقة عندما ظهرت هذه التسميات. فالقبائل العربية الكبرى التي تشكل جزءاً أساسياً من التركيبة السكانية في شرق ليبيا، وعلى رأسها قبائل بني سليم، وصلت إلى شمال أفريقيا خلال القرن الحادي عشر الميلادي قادمة من الجزيرة العربية عبر مصر، أي بعد ظهور أسماء قورينا وبرقة بقرون طويلة. وهذا يعني أن اسم برقة أقدم من القبائل التي تنتسب إليه اليوم، وأن الانتماء إلى برقة هو انتماء جغرافي ومكاني وليس أصلاً عرقياً مستقلاً أو هوية قومية منفصلة.

ومع الفتح الإسلامي أصبحت ليبيا جزءاً من الدولة الإسلامية الكبرى، وتعاقبت عليها إدارات مختلفة في ظل الأمويين والعباسيين والفاطميين والموحدين والحفصيين. وخلال هذه القرون الطويلة لم تظهر دولة مستقلة قائمة على فكرة الأقاليم الثلاثة، بل كانت البلاد جزءاً من فضاء سياسي أوسع يمتد من المشرق إلى المغرب.

وعندما دخل العثمانيون إلى ليبيا سنة 1551 لم يؤسسوا نظاماً قائماً على برقة وطرابلس وفزان ككيانات منفصلة، بل أنشأوا وحدة إدارية عرفت باسم إيالة طرابلس الغرب. وكانت هذه الإيالة تمثل الإطار السياسي والإداري الذي حكم البلاد لقرون طويلة. ثم جاء العهد القرملي سنة 1711 ليستمر الوضع ذاته، حيث حكمت الأسرة القرمانية البلاد تحت اسم إيالة طرابلس الغرب، وأبرمت المعاهدات الدولية وخاضت العلاقات الدبلوماسية والحروب البحرية باسم طرابلس الغرب لا باسم برقة أو فزان.

بل إن الوثائق الأوروبية والمعاهدات الدولية طوال تلك الفترة كانت تتعامل مع ليبيا باعتبارها وحدة سياسية واحدة. ولم يرد في أي من تلك الوثائق وجود ثلاث دول مستقلة أو ثلاثة أقاليم ذات سيادة منفصلة. صحيح أن الطبيعة الجغرافية واتساع المسافات فرضا أحياناً أشكالاً من الإدارة المحلية، لكن ذلك يختلف تماماً عن الادعاء بوجود كيانات سياسية مستقلة.

وجاء الاحتلال الإيطالي سنة 1911 ليشكل مرحلة جديدة في تاريخ البلاد. فقد سعت إيطاليا إلى إخضاع المناطق الليبية المختلفة وفق اعتبارات عسكرية وإدارية استعمارية، وأعادت رسم بعض الحدود الإدارية بما يخدم أهدافها السياسية. لكن التحول الأكبر جاء بعد هزيمة إيطاليا في الحرب العالمية الثانية سنة 1943، عندما خضعت برقة وطرابلس للإدارة العسكرية البريطانية، بينما خضعت فزان للإدارة الفرنسية. وهنا تحديداً بدأت فكرة الأقاليم الثلاثة بصورتها السياسية الحديثة تترسخ نتيجة تقسيمات فرضتها سلطات الاحتلال الأجنبي، لا نتيجة تطور تاريخي طبيعي داخل المجتمع الليبي.

وعندما نالت ليبيا استقلالها سنة 1951 في ظل المملكة الليبية المتحدة، تم اعتماد النظام الاتحادي الذي قسم البلاد إلى ثلاث ولايات هي برقة وطرابلس وفزان. غير أن هذا النظام لم يكن تعبيراً عن حقيقة تاريخية أزلية، بل كان حلاً سياسياً مؤقتاً فرضته ظروف تلك المرحلة والتوازنات الدولية القائمة آنذاك. وقد أثبتت التجربة خلال سنوات قليلة أن تعدد الولايات يثقل كاهل الدولة ويؤدي إلى ازدواجية المؤسسات ويعرقل بناء سلطة وطنية موحدة.

ولهذا اتخذ الملك إدريس السنوسي سنة 1963 قراراً تاريخياً بإلغاء النظام الفيدرالي وإلغاء الولايات الثلاث نهائياً وتحويل ليبيا إلى دولة موحدة ذات إدارة مركزية. وتبقى هذه الواقعة من أهم الحقائق التي يتجاهلها أنصار خطاب الأقاليم. فلو كانت الأقاليم الثلاثة تمثل الأساس التاريخي الحقيقي للدولة الليبية، فلماذا كان أول من ألغى هذا النظام هو الملك إدريس نفسه، وهو الشخصية الأكثر ارتباطاً بتاريخ برقة الحديث؟ إن الإجابة تكمن في إدراكه أن مستقبل الدولة الليبية يكمن في الوحدة الوطنية لا في تكريس الانقسامات الإدارية.

إن القراءة الموضوعية للتاريخ تؤكد أن ليبيا لم تولد من اتحاد ثلاث دول مستقلة، ولم تنشأ من شعوب منفصلة جمعها اتفاق سياسي عابر، فالقبائل والعائلات والمكونات الاجتماعية تحركت عبر الجغرافيا الليبية لقرون طويلة، وتداخلت فيما بينها شرقاً وغرباً وجنوباً. كما أن طرق التجارة والهجرات والزوايا الدينية والروابط الاجتماعية لم تعترف يوماً بالحدود التي رسمتها القوى الأجنبية.

ولهذا فإن تحويل التقسيمات الإدارية التي فرضتها ظروف الاحتلال إلى حقائق تاريخية مقدسة يمثل قراءة انتقائية للتاريخ تتجاهل قروناً طويلة من الوحدة الجغرافية والاجتماعية والسياسية.

فالأوطان لا تصنعها الخرائط التي يرسمها المستعمر، ولا تبنى على تقسيمات إدارية مؤقتة، بل تقوم على وحدة الأرض والمصير والذاكرة المشتركة.

لقد كانت ليبيا موجودة قبل ظهور الأقاليم الثلاثة بصيغتها الحديثة، وكانت موحدة في ظل دول وإدارات متعددة، واستمرت دولة واحدة بعد إلغاء النظام الاتحادي سنة 1963. ولذلك فإن الحديث عن الأقاليم الثلاثة باعتبارها الأصل التاريخي للدولة الليبية لا يعدو كونه محاولة لإضفاء الشرعية التاريخية على تقسيم إداري ولد في ظروف استعمارية استثنائية ثم تجاوزه التاريخ. أما الحقيقة التي تؤكدها الوقائع والوثائق فهي أن ليبيا كانت أكبر من الأقاليم قبل وجودها، وبقيت أكبر منها بعد زوالها، وستظل كذلك ما دام الليبيون يدركون أن الوطن الواحد لا تصنعه الحدود الإدارية بل تصنعه وحدة الشعب ووحدة المصير.

ومن لديه اعتراض فليردها عليَّ.

The post الأقاليم الثلاثة بين الحقيقة التاريخية والأسطورة السياسية appeared first on عين ليبيا آخر أخبار ليبيا.