الاتفاقية البحرية الليبية التركية.. معركة السيادة والثروات في شرق المتوسط

0
5

ليست كل المعارك التي تخوضها الدول تُدار بالسلاح، فهناك معارك تُحسم على طاولات التفاوض، وتُرسم نتائجها بالخرائط والإحداثيات والاتفاقيات القانونية، وقد تكون الثروات التي تخسرها الدولة في البحر أكبر مما تخسره في معركة على الأرض. ومن هذا المنطلق، تعود الاتفاقية البحرية الليبية التركية الموقعة عام 2019 إلى واجهة المشهد السياسي والاقتصادي في منطقة شرق البحر المتوسط، بعد تصديق مجلس النواب الليبي عليها في 20 أكتوبر 2026، في خطوة أعادت ملف الحدود البحرية والثروات النفطية والغازية إلى دائرة الاهتمام الإقليمي والدولي.

لقد جاءت تصريحات وزير النفط السابق والخبير النفطي المهندس محمد عون لتسلط الضوء على أحد أهم أبعاد هذه الاتفاقية، إذ أشار إلى إمكانية إضافة أكثر من خمسة وثلاثين ألف كيلومتر مربع إلى المساحة البحرية التي يمكن أن تستفيد منها ليبيا، بما يفتح آفاقاً جديدة لاستكشاف النفط والغاز والثروات السمكية، ويعزز موقع البلاد التفاوضي في مواجهة الخلافات المتعلقة بترسيم الحدود البحرية. وهي تصريحات تضع أمام الليبيين سؤالاً جوهرياً: هل أدركنا حقاً حجم الثروة التي يمكن أن تختبئ تحت مياهنا، أم أننا ما زلنا نتعامل مع البحر المتوسط باعتباره مجرد حدود جغرافية تنتهي عند الشاطئ؟

إن ليبيا ليست دولة فقيرة في مواردها، وإنما دولة لم تستثمر بعد جميع إمكاناتها الاستثمار الأمثل. فإلى جانب النفط والغاز الموجودين في اليابسة، يمتد الساحل الليبي على مساحة واسعة من البحر المتوسط، بما يحمله من فرص استكشاف وإنتاج واستثمار، شريطة أن تستند هذه الأنشطة إلى دراسات فنية دقيقة، واتفاقات واضحة، وإدارة وطنية قادرة على حماية الحقوق وتحويلها إلى عائد اقتصادي حقيقي. ومن هنا تبرز أهمية الاتفاقية البحرية، لا باعتبارها مجرد ورقة سياسية في صراع إقليمي، بل باعتبارها جزءاً من نقاش أوسع حول مستقبل الموارد البحرية الليبية وكيفية حمايتها واستغلالها.

غير أن الاتفاقية لا ينبغي أن تتحول إلى مادة للاحتفال السياسي وحده، ولا إلى وسيلة لتبادل الاتهامات بين العواصم. فالمسألة تتعلق بحقوق سيادية ومصالح اقتصادية وقواعد قانونية دولية، وهي ملفات لا تُحسم بالشعارات ولا بمجرد تصديق البرلمان، وإنما بمدى سلامة الأساس القانوني للاتفاق، ومدى احترام حقوق الدول الأخرى، والقدرة على الدفاع عن الموقف الليبي بالحجة والوثيقة والخريطة والدليل الفني.

ومن هنا يأتي الخلاف مع مصر واليونان، اللتين تعترضان على الاتفاقية، وتتمسكان بتفسيرات مختلفة لقواعد ترسيم الحدود البحرية. وتتركز إحدى نقاط الخلاف الرئيسية في الأثر الذي ينبغي أن تتمتع به الجزر اليونانية، وخاصة جزيرة كريت، عند تحديد المناطق البحرية. فبينما تتمسك اليونان بحقوق بحرية واسعة مرتبطة بجزرها، تدافع ليبيا وتركيا عن التحديد الذي تضمنته مذكرتهما المشتركة. وهذا الخلاف لا يمكن اختزاله في القول إن طرفاً يملك الحق كاملاً والطرف الآخر لا يملك شيئاً؛ إذ يتطلب حسمه دراسة الموقع الجغرافي، وطبيعة السواحل، والحقوق المتداخلة، والقواعد القانونية ذات الصلة، وما قد يترتب على ذلك من حلول تفاوضية أو إجراءات قضائية دولية.

أما الموقف المصري، فيحتاج إلى معالجة ليبية هادئة وواضحة. فالعلاقات التاريخية والاجتماعية والاقتصادية بين ليبيا ومصر أكبر من أن تُختزل في خلاف حول الحدود البحرية، لكنها في الوقت ذاته لا تعني أن تتنازل ليبيا عن حقوقها أو تتجاهل ما تراه مساساً بمصالحها. فالأخوة بين الشعوب لا تلغي المصالح الوطنية، كما أن الدفاع عن السيادة لا يستلزم تحويل الخلاف القانوني إلى خصومة سياسية دائمة. والمطلوب هو حوار مباشر بين الدولتين، يستند إلى الخرائط والوثائق والقانون الدولي، ويضع حماية الحقوق البحرية الليبية في صدارة الأولويات.

وفي هذا السياق، لا بد من التمييز بين الاتفاقية البحرية الليبية التركية لعام 2019 وبين مذكرة التعاون في مجال الهيدروكربونات الموقعة بين البلدين عام 2022؛ فالأولى تتعلق بتحديد مناطق الصلاحية البحرية، بينما تتناول الثانية التعاون في مجال النفط والغاز. ولكل منهما طبيعتها القانونية ومسائلها الخاصة، ولا يصح الخلط بينهما عند تقييم الفرص الاقتصادية أو الالتزامات القانونية المترتبة عليهما.

لكن السؤال الأهم الذي ينبغي أن يشغل الليبيين ليس فقط: من يؤيد الاتفاقية ومن يعارضها؟ بل: ماذا ستفعل ليبيا بهذه المساحات البحرية إذا استقرت حقوقها فيها؟ هل ستضع خطة وطنية للمسح الجيولوجي والاستكشاف البحري؟ وهل ستطور قدرات المؤسسة الوطنية للنفط وتستفيد من الخبرات والتقنيات الدولية وفق عقود تحفظ المصلحة الوطنية؟ وهل ستنشئ آليات شفافة لإدارة العوائد المحتملة، حتى لا تتحول الثروة الجديدة إلى مصدر إضافي للصراع على السلطة والمال؟

إن توسيع نطاق الحقوق البحرية لا يعني تلقائياً اكتشاف احتياطيات تجارية من النفط والغاز، ولا يعني أن الإيرادات ستتدفق بمجرد التصديق على الاتفاقية. فالاستكشاف البحري يحتاج إلى دراسات زلزالية وحفر استكشافي واستثمارات ضخمة وتقنيات متقدمة، كما أن الوصول إلى الإنتاج التجاري قد يستغرق سنوات. ولذلك فإن الحديث عن خمسة وثلاثين ألف كيلومتر مربع يجب أن يقترن بخطة علمية واقتصادية تحدد الإمكانات الحقيقية، وتكاليف الاستكشاف، والمخاطر، والعوائد المحتملة، بدلاً من تقديم المساحة وحدها باعتبارها ثروة مضمونة.

وفي المقابل، فإن تجاهل الحقوق البحرية أو تركها دون تحديد واضح قد يضعف قدرة ليبيا على حماية مصالحها في منطقة تتزايد فيها المنافسة على مصادر الطاقة والممرات البحرية. فشرق المتوسط لم يعد مجرد مساحة مائية تفصل بين الدول، بل أصبح مجالاً تتقاطع فيه حسابات الطاقة والتحالفات السياسية والمصالح الاقتصادية. وقد أظهرت ردود الفعل اليونانية والإقليمية على تصديق مجلس النواب أن الملف يتجاوز العلاقة الثنائية بين ليبيا وتركيا، ويمتد إلى توازنات إقليمية أوسع.

وهنا تبرز مسؤولية الدولة الليبية بكل مؤسساتها، شرقاً وغرباً، في التعامل مع الاتفاقية باعتبارها ملفاً وطنياً يتطلب وحدة الموقف، لا مناسبة جديدة لتكريس الانقسام. فالثروات البحرية ملك للشعب الليبي، وحقوق الأجيال القادمة لا يجوز أن تخضع للمزايدات أو الحسابات السياسية المؤقتة. كما أن أي تعاون مع تركيا أو غيرها ينبغي أن يقوم على المصالح المتبادلة والشفافية، وألا يمنح أي طرف خارجي امتيازات تتجاوز ما تقرره الاتفاقات والقوانين النافذة.

إن تصريحات المهندس محمد عون تفتح الباب أمام نقاش ضروري حول الإمكانات البحرية الليبية، لكنها تضعنا أيضاً أمام مسؤولية الانتقال من الحديث عن الحقوق إلى بناء القدرة على حمايتها واستثمارها. فالاتفاقية، مهما بلغت أهميتها، ليست نهاية الطريق؛ إنها بداية مرحلة تحتاج إلى عمل قانوني وفني ودبلوماسي واقتصادي متكامل، وإلى إدارة وطنية تدرك أن قيمة الثروة لا تقاس بمساحتها على الخرائط، بل بما تحققه من تنمية ورفاه واستقرار للمواطن.

إن السيادة ليست مجرد خطوط تُرسم على الورق، والثروة ليست أرقاماً تُعلن في وسائل الإعلام؛ السيادة قدرة على حماية الحق، والثروة قدرة على تحويل الإمكانات إلى حياة كريمة. وستظل قيمة أي اتفاقية بحرية مرهونة بقدرة ليبيا على توحيد مؤسساتها، وصون حقوقها بالقانون، واستثمار مواردها بشفافية، حتى لا تبقى بلادنا غنية بما تحت أرضها وما وراء سواحلها، بينما يظل المواطن ينتظر نصيبه من هذه الثروات.

The post الاتفاقية البحرية الليبية التركية.. معركة السيادة والثروات في شرق المتوسط appeared first on عين ليبيا | آخر أخبار ليبيا.