الاقتصاد الليبي أمام مفترق طرق.. «المصارف والدينار والدولار» والإنفاق في واجهة المشهد

0
5

أصدر مدير إدارة الرقابة على المصارف والنقد بمصرف ليبيا المركزي تعليمات رسمية إلى رئيس مجلس إدارة المصرف التجاري الوطني، تقضي بتأجيل انعقاد الجمعية العمومية العادية للمصرف، وعدم الموافقة على انعقاد الجمعية العمومية غير العادية، وفقًا لما ورد في خطاب موجه إلى إدارة المصرف.

وأوضح الخطاب أن بنود جدول أعمال الجمعية العمومية العادية تحتاج إلى إعادة نظر، فيما تحتاج الزيادة المقترحة في رأس مال المصرف إلى دراسة واقعية ومستوفية للمتطلبات الرقابية، خصوصًا أن آخر زيادة في رأس المال جرت خلال فترة قريبة.

وكان المصرف التجاري الوطني يعتزم عقد الجمعيتين العمومية العادية وغير العادية الأربعاء 26 أغسطس 2026 في مدينة بنغازي، لبحث تعديلات مقترحة على النظام الأساسي للمصرف، إلى جانب مقترح زيادة رأس المال.

وتأتي هذه التطورات بالتزامن مع نقاش اقتصادي أوسع في ليبيا حول السياسة النقدية وسعر الصرف ومصادر الطلب على الدولار في السوق الموازية، إضافة إلى الجدل المرتبط باستقالة محافظ مصرف ليبيا المركزي ناجي عيسى ومدير إدارة الرقابة على المصارف.

وفي هذا السياق، قال الخبير الاقتصادي مختار الجديد، في منشور عبر صفحته، إن تعديل سعر الصرف ليس مطروحًا حاليًا، رابطًا بين الحديث عن سعر الصرف واستقالة محافظ مصرف ليبيا المركزي.

وكتب الجديد: «لو المصرف المركزي يفكر في تعديل سعر الصرف ماتقدم محافظه بالاستقالة… ولا يوجد أي حديث عن تعديل سعر الصرف حاليًا».

من جهته، قال رجل الأعمال حسني بي إن الطلب على الدولار هو العامل الذي ينتج الفجوة السعرية، موضحًا أن مصادر هذا الطلب تتوزع، وفق تقديره، بين العمالة الوافدة بنسبة 50%، والاستيراد السريع بنسبة 40%، والسفر والعلاج والدراسة بنسبة 10%.

وأضاف بي أن الشمول المالي وتوثيق الوافدين من شأنهما تقليل الطلب على السوق الموازية، ومنها تقليص الفجوة السعرية.

وأثارت هذه الرؤية ردًا من الكاتب ميلاد علي أحويو، الذي اعتبر أن تشخيص الطلب على الدولار يحتاج إلى النظر في الأسباب الهيكلية الأوسع للاقتصاد الليبي، وقال إن تحميل العمالة الوافدة 50% من الطلب على السوق الموازية يقوم على «تبسيط شديد لأزمة هيكلية أعمق بكثير».

وأوضح أحويو أن معظم العمالة الوافدة تحصل على أجورها بالدينار الليبي، ثم تشتري الدولار نقدًا من تجار العملة من أجل تحويل مدخراتها إلى الخارج، لكنه رأى أن حجم هذه التحويلات، مهما ارتفع، لا يفسر نصف الطلب الإجمالي على الدولار في بلد يحتاج إلى مليارات الدولارات لتغطية الاعتمادات والسلع الأساسية.

وأشار إلى أن المشكلة، من وجهة نظره، ترتبط أيضًا بغياب القنوات الرسمية السريعة للتحويلات المالية، مثل Western Union أو MoneyGram، وبغياب خدمة تحويلات بسعر صرف موحد، ما يدفع كتلة نقدية كبيرة إلى السوق الموازية.

وفي ما يتعلق بالاستيراد، قال أحويو إن ما يوصف بـ«الاستيراد السريع» يرتبط في الواقع باستيراد يجري خارج الاعتمادات المستندية أو التغطية المصرفية، عبر التهريب والتجارة غير الرسمية.

وأضاف أن لجوء التجار إلى السوق الموازية لتوفير الدولار يمثل، بحسب قراءته، نتيجة لتأخر الاعتمادات المصرفية أو القيود والإجراءات البيروقراطية، ما يدفع بعض التجار إلى السوق الموازية لتغطية التزاماتهم، وينعكس لاحقًا على الأسعار التي يدفعها المستهلك.

ورأى أحويو أن هناك عاملًا آخر لا يحظى بالقدر الكافي من النقاش، يتمثل في تضخم الإنفاق العام بالدينار، وضخ كميات كبيرة من السيولة دون غطاء إنتاجي، وهو ما يزيد الطلب على العملة الأجنبية.

كما أشار إلى ظاهرة الدولرة والتحوط من تآكل القوة الشرائية للدينار، معتبرًا أن حماية رأس المال والاحتفاظ بالعملة الأجنبية يمثلان محركًا رئيسيًا للطلب في السوق الموازية، وليس فقط الإنفاق على العلاج أو السفر.

وحول الشمول المالي وتوثيق العمالة الوافدة، قال أحويو إن هذه الإجراءات تمثل خطوات تنظيمية مهمة لمعرفة حجم النقد وتتبع حركته، لكنها لا تخلق الدولار، معتبرًا أن تقليص الفجوة السعرية يحتاج إلى سياسة نقدية موحدة، وتسهيل الوصول إلى النقد الأجنبي عبر القنوات الرسمية، وضبط الإنفاق العام.

وختم أحويو طرحه بالقول إن تحميل العمالة مسؤولية الأزمة يعني، بحسب رأيه، التركيز على أحد مظاهر المشكلة بدلًا من أسبابها الأعمق، التي ربطها بالانقسام الاقتصادي وغياب الشفافية في إدارة السياسة النقدية.

وفي توضيح لاحق، رد رجل الأعمال حسني بي على أحويو، مؤكدًا أن هناك خلطًا بين أسباب اختلال الاقتصاد الليبي وبين مصادر الطلب الفعلي على الدولار في السوق الموازية.

وقال بي: «أنا لم أقل إن العمالة الوافدة هي سبب أزمة الدينار، ولا حمّلتها مسؤولية الفجوة السعرية. بالعكس، العامل الوافد الذي يتقاضى أجره بالدينار ويريد تحويل مدخراته إلى بلده يمارس سلوكًا اقتصاديًا طبيعيًا ومشروعًا».

وأوضح أن النقاش الذي طرحه كان يتعلق بالسؤال عن الجهات التي تشتري الدولار من السوق الموازية وأسباب توجهها إليها، مضيفًا أن الاعتمادات المستندية التي يمولها مصرف ليبيا المركزي تدخل ضمن السوق الرسمية، ولا تتحول إلى طلب على السوق الموازية إلا عندما تفشل القنوات الرسمية في استيعاب الطلب الحقيقي أو يحدث تسرب ومضاربة بين السوقين.

وقال بي إن تقديره لحصة العمالة الوافدة من الطلب يرتبط بتحويل مدخرات كتلة كبيرة من العاملين الأجانب الذين يحصلون على دخولهم بالدينار، ثم يحتاجون إلى تحويلها إلى عملات أجنبية، مشيرًا إلى أن غياب القنوات الرسمية للتحويل يمثل، في رأيه، أحد الأسباب التي تدفع هذا الطلب إلى السوق الموازية.

وأضاف: «لذلك عندما أقول توثيق الوافدين + الشمول المالي + فتح قنوات تحويل رسمية فأنا لا أقول إن هذه الإجراءات “تخلق دولارًا”، بل إنها تنقل طلبًا قائمًا من السوق الموازي إلى السوق الرسمي القابل للقياس والرقابة. وهذا وحده يقلل الضغط على الموازي، وإن كان لا يعالج كامل الاختلال».

وأكد بي اتفاقه مع الطرح الذي يربط جذور الأزمة بالتوسع في الإنفاق العام بالدينار ونمو عرض النقود وضعف الإيرادات المحلية والفارق بين السعر الرسمي والسعر الذي يوازن العرض والطلب.

وأشار إلى أن الدولرة والتحوط من تآكل قيمة الدينار موجودان أيضًا، لكنه رأى أنهما ليسا متغيرين مستقلين، إذ يزداد الاحتفاظ بالدولار كلما اتسعت الفجوة وتراجعت الثقة في قدرة السعر الرسمي على الاستمرار.

ووضع بي المسألة ضمن مستويين، أولهما أسباب فقدان الدينار توازنه، وتشمل الإنفاق العام وعرض النقود والتضخم والسياسة المالية والنقدية وسعر الصرف، وثانيهما مصادر الطلب اليومي على الدولار في السوق الموازية، وتشمل تحويلات العمالة والاستيراد خارج القنوات المصرفية والسفر والعلاج والدراسة والتحوط وغيرها.

وقال إن معالجة المستوى الثاني لا تغني عن معالجة المستوى الأول، كما أن معالجة المستوى الأول لا تعني تجاهل بنية الطلب في السوق الموازية ومصادره.

وشدد على أنه لا يحمل العامل الوافد مسؤولية الأزمة، قائلًا: «إذا كان العامل مضطرًا للذهاب إلى السوق الموازي لكي يحول دخله، فالمشكلة ليست في العامل، وإنما في نظام مالي لم يوفر له قناة رسمية».

وأضاف أن الشمول المالي وتوثيق العمالة وفتح التحويلات الرسمية ليست بديلًا عن الإصلاح المالي والنقدي، وإنما جزء منه، موضحًا أن الفجوة السعرية لا تختفي بإجراء واحد، بل تحتاج إلى ضبط الإنفاق وعرض النقود، وتوفير النقد الأجنبي عبر قنوات رسمية شفافة، وتقليص القيود التي تدفع الطلب إلى السوق الموازية، والوصول تدريجيًا إلى سعر صرف يعكس الواقع الاقتصادي بدلًا من محاولة فرض واقع افتراضي بسعر إداري.

وفي ملف متصل، قال المستشار السابق بمصرف ليبيا المركزي خالد الهباوي إن استقالة محافظ مصرف ليبيا المركزي ناجي عيسى ومدير إدارة الرقابة على المصارف ارتبطت، بحسب ما نقله في تصريحات لصحيفة «اندبندنت عربية»، بضغوط سياسية وأمنية.

وحذر الهباوي من تداعيات استمرار ملف الاستقالات دون حسم، سواء بالقبول أو الرفض، معتبرًا أن استمرار حالة عدم اليقين بشأنها يمكن أن ينعكس على ليبيا داخليًا ودوليًا.

وأوضح الهباوي أن مسؤولي مصرف ليبيا المركزي تعرضوا لضغوط متزايدة في ظل ارتفاع حجم الإنفاق العام، مشيرًا إلى أن زيادة الإنفاق، خصوصًا في البابين الأول والرابع، ترافقت مع مطالب بتحسين الخدمات العامة وتنفيذ مشروعات البنية التحتية، وهي قطاعات قال إنها لا تزال تفتقر إلى حضور ملموس على أرض الواقع.

وأشار إلى أن اتساع الإنفاق وضع مسؤولي مصرف ليبيا المركزي أمام ضغوط إضافية، في ظل عدم قدرة الإيرادات على تغطية حجم المصروفات، معتبرًا أن استمرار هذا الوضع يزيد صعوبة إدارة السياسة المالية والنقدية في البلاد.

وكشف الهباوي عن ضغوط قال إنها مورست من المجلس الرئاسي على مصرف ليبيا المركزي لاعتماد توقيعات رئيس جهاز المخابرات الجديد عبدالمجيد مليقطة، معتبرًا أن هذه الخطوة أضافت إلى حجم الضغوط المحيطة بالمصرف.

وحذر المستشار السابق من أن استمرار حالة عدم اليقين حول الاستقالات يمكن أن تكون له تداعيات ثقيلة على ليبيا إذا لم يُحسم مصيرها بصورة واضحة، سواء بالقبول أو الرفض.

وأشار الهباوي إلى خصوصية الاقتصاد الليبي باعتبار البلاد دولة ريعية تعتمد بصورة أساسية على إيرادات النفط، ما يجعل أي اضطراب في إدارة المؤسسات المالية والنقدية أكثر حساسية، خصوصًا مع اتساع الفجوة بين الإيرادات وحجم الإنفاق العام.

وفي تعليق آخر على المشهد، قال الخبير الاقتصادي أحمد الخميسي في منشور عبر صفحته: «بقاء المحافظ أو رحيله سواء؛ ما دام نهج الاستنزاف مستمرًا، فالمشكلة أكبر من شخص… وكان الله في عون الدينار».

وتتقاطع هذه المواقف والتطورات عند ملفات رئيسية تشغل الاقتصاد الليبي، في مقدمتها إدارة المصارف العامة، والرقابة المصرفية، ومستوى الإنفاق الحكومي، ومصادر الطلب على الدولار، والفجوة بين سعر الصرف الرسمي والموازي، إلى جانب مستقبل السياسة النقدية في ظل التطورات الأخيرة داخل مصرف ليبيا المركزي.

The post الاقتصاد الليبي أمام مفترق طرق.. «المصارف والدينار والدولار» والإنفاق في واجهة المشهد appeared first on عين ليبيا | آخر أخبار ليبيا.