الاقتصاد لا ينتظر السياسيين.. كيف تدمر «المرحلة الانتقالية» مستقبل ليبيا؟

0
4

طرحت عودة الحديث عن مسار انتخابي واضح في ليبيا تساؤلات حول انعكاساته على الاستقرار الاقتصادي، في ظل استمرار حالة عدم اليقين التي تؤثر على الاستثمار والإنفاق العام وسعر الصرف، وسط تأكيدات بأن أي انفراج سياسي قد يفتح المجال لتحسن الثقة، لكنه لن يكون كافيًا ما لم ترافقه إصلاحات مؤسسية عميقة وقواعد واضحة لإدارة المال العام والاقتصاد.

وقال رجل الأعمال حسني بي، في تصريحات لشبكة «عين ليبيا»، إن أي مسار انتخابي واضح وقابل للتنفيذ يمكن أن يخفف جزءًا مهمًا من حالة عدم اليقين التي يعاني منها الاقتصاد الليبي، موضحًا أن المستثمر والمواطن والتاجر يحتاجون إلى معرفة من يملك القرار، وما مدة هذا القرار، وما القواعد التي ستستمر خلال الفترة المقبلة.

وأكد بي أن الاقتصاد لا ينتظر السياسيين، مشيرًا إلى أنه حتى في حال تأخر الاتفاق السياسي سنة أو خمس سنوات، فإن المواطن سيواصل الاستهلاك والادخار والبحث عن الدولار، كما ستواصل الشركات اتخاذ قراراتها بالاستثمار أو الامتناع عنه، وستستمر الدولة في الإنفاق.

وأضاف أن تكلفة الانتظار السياسي لا يدفعها السياسيون وحدهم، بل يتحملها المواطن يوميًا من خلال تراجع القوة الشرائية، ومستوى الخدمات، وفرص العمل، مشددًا على أن الانتخابات يمكن أن تكون بداية لاستعادة الشرعية والاستقرار، لكنها ليست في حد ذاتها برنامجًا اقتصاديًا.

الانفراج السياسي يحتاج إلى مؤسسات لتحويل الثقة إلى استثمار

وأوضح بي أن أي انفراج سياسي حقيقي يمكن أن يحسن التوقعات والثقة لدى المستثمرين والقطاع الخاص بسرعة، لكن تحويل هذه الثقة إلى استثمارات فعلية يحتاج إلى أكثر من انتخابات.

وقال إن المستثمر لا يبحث فقط عن الجهة التي تحكم، بل يهتم أيضًا بمدى احترام العقود، وفاعلية القضاء، وإمكانية تحويل الأرباح، واستقرار سعر الصرف، وحماية الملكية، واستمرار القواعد المنظمة للنشاط الاقتصادي.

وأشار إلى أن السياسة يمكن أن تفتح الباب أمام الاستثمار، لكن المؤسسات والقانون هما ما يجعل المستثمر يدخل من هذا الباب، مؤكدًا أن ليبيا لا يجب أن تنتظر انتهاء الخلافات السياسية حتى تبدأ الإصلاحات المؤسسية.

وشدد على أهمية البدء في إصلاح القضاء التجاري، والسجل العقاري، والمصارف، والضرائب، والجمارك، وبيئة الأعمال، باعتبارها عناصر أساسية لبناء اقتصاد قادر على جذب الاستثمار.

الانقسام السياسي يضاعف ضغوط الإنفاق والعملة

وحول تأثير استمرار الانقسام السياسي على إدارة الإنفاق العام والميزانية والسياسة النقدية، قال بي إن الانقسام يتحول إلى مشكلة اقتصادية عندما يؤدي إلى تعدد مراكز القرار والإنفاق أمام مورد مالي واحد تقريبًا.

وأوضح أن ليبيا تعتمد بشكل رئيسي على النفط كمصدر للإيرادات، بينما تتعدد الجهات التي تنشئ التزامات مالية ورواتب ومشروعات ومصروفات، ما يجعل جميع هذه الالتزامات تتنافس على الإيرادات النفطية والنقد الأجنبي.

وأضاف أن النتيجة تكون في شكل زيادة الإنفاق، وارتفاع الكتلة النقدية، وزيادة الطلب على الاستيراد والدولار، وهو ما يؤدي إلى الضغط على سعر الصرف وارتفاع التضخم وتراجع القوة الشرائية.

وأشار إلى أن المصرف المركزي يستطيع معالجة بعض النتائج لفترة محددة، لكنه لا يستطيع تعويض غياب سياسة مالية موحدة ومنضبطة إلى ما لا نهاية.

توحيد المؤسسات يحتاج إلى توحيد قواعد إدارة المال العام

وبشأن دور الانتخابات وتوحيد المؤسسات في معالجة مشكلة ازدواجية الإنفاق، قال بي إن ذلك يمكن أن يساعد بصورة كبيرة، لكنه لن يحدث بشكل تلقائي.

وأوضح أن وجود حكومة واحدة لا يعني بالضرورة انتهاء مشكلات سوء الإنفاق إذا لم تكن هناك قواعد مالية واضحة وملزمة.

وأكد أن المطلوب ليس فقط توحيد الأشخاص والمؤسسات، بل توحيد قواعد إدارة المال العام، من خلال وجود ميزانية واحدة، وإيرادات معلنة، وسجل موحد للالتزامات، ورقابة على المشروعات، ومنع أي إنفاق خارج الإطار المالي للدولة.

وأضاف أن الانتخابات قد تمنح جهة واحدة شرعية اتخاذ القرار، لكن القانون والرقابة هما الضامن لمنع إساءة استخدام هذا القرار.

أولويات السلطة المنتخبة تبدأ من ضبط الاقتصاد

وعن الملفات الاقتصادية التي يجب أن تكون أولوية لأي سلطة منتخبة، قال بي إن المواطن يحتاج إلى رؤية نتائج الاستقرار السياسي في حياته اليومية، وهو ما يتطلب التركيز على مجموعة من الملفات المترابطة.

وأوضح أن الأولوية الأولى تتمثل في ضبط الإنفاق العام ووقف تعدد قنوات الصرف، يليها إصلاح سعر الصرف وتقليص الفجوة بين السعر الرسمي والموازي وإنهاء الريع المرتبط بالحصول على الدولار.

وأضاف أن من بين الأولويات أيضًا إصلاح دعم المحروقات والطاقة وتحويل الدعم من السلعة إلى المواطن، إلى جانب إصلاح الكهرباء والخدمات الأساسية، وإعادة المصارف إلى دورها الحقيقي في تمويل القطاع الخاص والاستثمار بدل الاكتفاء بخدمات الدفع الإلكتروني.

وأكد أهمية حماية الملكية والعقود وتشجيع الاستثمار المحلي قبل الحديث عن جذب المستثمر الأجنبي.

وقال إن المواطن لا يقيس نجاح الحكومة بعدد الاجتماعات والقرارات، وإنما بما يستطيع شراءه بمرتبه، وبجودة الكهرباء والمياه والصحة والتعليم، وبفرص العمل المتاحة له ولأبنائه.

الاستقرار السياسي لا يكفي وحده لإنقاذ الدينار

وفيما يتعلق بتأثير الاستقرار السياسي على المضاربة وتحسين الثقة بالدينار، أكد بي أن الاستقرار السياسي يساعد بلا شك لأنه يقلل المخاطر ويرفع مستوى الثقة، لكنه لا يكفي وحده.

وأوضح أن استمرار الإنفاق غير المنضبط، وخلق مزيد من الدينار، وبقاء الفجوة بين السعر الرسمي والموازي، سيؤدي إلى استمرار المضاربة.

وأشار إلى أن المضارب ليس أصل المشكلة، موضحًا أن السياسة الاقتصادية عندما تمنح شخصًا فرصة شراء أصل بسعر وبيعه فورًا بسعر أعلى بكثير، فإنها تخلق الحافز لهذا النشاط.

وأكد أن معالجة المضاربة تحتاج إلى سياسة اقتصادية مستقلة عن المسار الانتخابي، تشمل تقليص فجوة أسعار الصرف، وضبط عرض النقود، وتوفير النقد الأجنبي عبر قنوات شفافة، وإزالة الامتيازات التي تجعل الوصول إلى الدولار أكثر ربحية من الإنتاج.

المرحلة الانتقالية الطويلة ترفع تكلفة عدم اليقين

وحول تأثير استمرار المرحلة الانتقالية على الاستثمار وإعادة الإعمار واستغلال الموارد النفطية، قال بي إن طول المرحلة الانتقالية يعني ارتفاع تكلفة عدم اليقين.

وأوضح أن المستثمر يؤجل قراراته، والمصارف تتردد في التمويل، بينما قد تتجه الدولة إلى مشروعات قصيرة الأجل بدل التخطيط بعيد المدى، في ظل تعرض العقود والسياسات للتغيير مع كل تحول سياسي.

وحذر من أن النفط قد يتحول من أداة لبناء اقتصاد جديد إلى وسيلة لتمويل استمرار المرحلة الانتقالية نفسها.

وأضاف أن ليبيا تحتاج إلى إعادة إعمار واستثمارات ضخمة، لكن السؤال لا يتعلق فقط بحجم الإنفاق، بل بما إذا كان هذا الإنفاق سيخلق أصولًا منتجة أم سيذهب إلى الاستيراد والاستهلاك فقط.

إطار مالي ونقدي موحد أول خطوة بعد الانتخابات

وحول أول خطوة اقتصادية يجب أن تقوم بها سلطة جديدة بعد الانتخابات، قال بي إن الخطوة الأولى يجب أن تكون إعلان إطار مالي ونقدي موحد وملزم لعدة سنوات، وليس الاكتفاء بميزانية سنوية.

وأوضح أن على السلطة الجديدة أن تقدم للسوق والمواطن رؤية واضحة بشأن موارد الدولة، وحدود الإنفاق، وطريقة التمويل، وسياسة الدعم، ومسار سعر الصرف، وقواعد الاقتراض، والمشروعات ذات الأولوية.

وأكد أن المشكلة الليبية ليست نقص الخطط، وإنما غياب القاعدة التي تلتزم بها جميع الجهات.

وشدد على ضرورة أن تقوم المرحلة المقبلة على مبادئ واضحة، تتمثل في عدم الإنفاق دون مصدر تمويل، وعدم وجود التزامات خارج الميزانية، وعدم خلق النقود لتعويض العجز، وعدم اعتماد أسعار إدارية تخلق ريعًا، وعدم تنفيذ أي مشروع عام دون قياس عائده.

واختتم حسني بي تصريحاته بالتأكيد على أن ليبيا تحتاج إلى الانتخابات، لكنها لا تستطيع أن تجعل الاقتصاد رهينة لها، موضحًا أن السياسة قد تؤجل الحل، لكن الاقتصاد لا يؤجل النتائج.

وأضاف أن كل شهر يتأخر فيه الإصلاح يحمل تكلفة تتمثل في التضخم، وتراجع القوة الشرائية، والضغط على الدينار، وتأخر الاستثمار، واستنزاف الموارد، وأن المواطن هو من يتحمل هذه التكلفة في النهاية.

The post الاقتصاد لا ينتظر السياسيين.. كيف تدمر «المرحلة الانتقالية» مستقبل ليبيا؟ appeared first on عين ليبيا | آخر أخبار ليبيا.