عرض رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان على روسيا فرصًا واسعة للاستثمار في قطاع التعدين بالسودان، تشمل استخراج الذهب والنحاس ومعادن أخرى، إلى جانب مقترح لإنشاء منطقة اقتصادية حرة على ساحل البحر الأحمر، تتيح إقامة منشآت لتخزين الوقود والقمح، وذلك خلال مباحثات أجراها مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في موسكو، الجمعة، تناولت توسيع التعاون الاقتصادي والتجاري بين البلدين.
وقال البرهان إن السودان مستعد لتخصيص مواقع أمام الاستثمارات الروسية في مجال استخراج المعادن، مشيرًا إلى إمكانية إقامة منطقة اقتصادية حرة على البحر الأحمر تستفيد منها الشركات الروسية في إنشاء مستودعات للوقود والقمح، وفق ما نقلته وكالة تاس الروسية.
وتطرق الاجتماع إلى تطوير البنية التحتية للنقل في السودان، حيث طرح البرهان مشاركة الشركات الروسية في تحديث شبكة السكك الحديدية وتوسيعها، وإنشاء سلاسل لوجستية لنقل البضائع بالقطارات، بما يشمل خطط تطوير المسار الممتد من ميناء بورتسودان باتجاه تشاد.
وأوضح البرهان أن السودان يحتاج إلى القمح والوقود، وأن الطلب على هاتين السلعتين يمتد إلى دول إفريقية أخرى، معتبرًا أن مشروعات التخزين والنقل يمكن أن تفتح مجالًا للتعاون التجاري والإمداد بين روسيا والقارة.
من جانبه، أكد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين استعداد موسكو لتعزيز التعاون مع الخرطوم في مجالات التنمية الرقمية والرعاية الصحية والتعليم والخدمات اللوجستية والصناعة، مشيرًا إلى إعداد خريطة طريق تتضمن المجالات الواعدة للعمل المشترك، وتسليمها إلى البرهان لدراستها وتحديد أولويات التعاون.
ووصف بوتين السودان بأنه شريك مهم لروسيا في العالم العربي والقارة الإفريقية، لافتًا إلى مرور 70 عامًا على إقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين خلال العام الجاري، واستمرار تطور العلاقات التجارية والاقتصادية رغم التعقيدات السياسية التي تواجه الدول الإفريقية.
وبحسب تصريحات بوتين التي نقلتها وسائل إعلام روسية، تضاعف حجم التبادل التجاري بين البلدين أكثر من مرتين خلال العام الماضي، وارتفع بنسبة 25% خلال الفترة الممتدة من يناير إلى أغسطس 2026، ليصبح السودان ضمن أكبر 10 شركاء تجاريين لروسيا في إفريقيا.
وفي مجال التعليم، أعلن بوتين تخصيص 100 مقعد دراسي ممول من الميزانية الروسية للطلاب السودانيين خلال العام الجاري، مع زيادة الحصة إلى 140 مقعدًا في العام المقبل، ضمن برامج إعداد الكوادر السودانية في المؤسسات التعليمية الروسية.
وعلى الصعيد السياسي، قال بوتين إن موسكو تتابع تطورات النزاع المسلح في السودان، وتبحث سبل تقديم المساعدة لتهدئة الأوضاع، داعيًا إلى وقف العمليات القتالية والتوصل إلى تسوية سياسية، كما أشار إلى مشاركة روسيا في تقديم مساعدات إنسانية، من بينها مساعدات عبر منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة.
وكان البرهان أكد، الخميس، خلال كلمته في القمة الروسية الإفريقية الثالثة، أن تحقيق السلام في السودان يجب أن يستند إلى إرادة السودانيين، بعيدًا عن الإملاءات والتدخلات الخارجية، موضحًا أن الحكومة تعمل على تهيئة الظروف للانتقال المدني الديمقراطي عبر حوار سوداني سوداني، يضع أسس الاستقرار خلال فترة انتقالية تنتهي بانتخابات حرة ونزيهة تحت مراقبة إقليمية ودولية.
ووصل البرهان إلى موسكو الخميس على رأس وفد سوداني للمشاركة في القمة الروسية الإفريقية الثالثة، التي انطلقت الأربعاء واختتمت أعمالها الخميس، وشكلت المباحثات الثنائية جانبًا من مساعي البلدين لتوسيع مجالات الشراكة الاقتصادية والسياسية.
وفي سياق متصل، كشف وزير المالية والتخطيط الاقتصادي السوداني جبريل إبراهيم محمد أن خسائر السودان منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023 تجاوزت 200 مليار دولار، استنادًا إلى تقديرات حكومية أُنجزت في ديسمبر 2024، محذرًا من أن استمرار القتال يرفع حجم الأضرار الاقتصادية.
وقال إبراهيم، في مقابلة مع قناة «روسيا اليوم» على هامش القمة والمنتدى الروسي الإفريقي، إن صندوق النقد الدولي قدّر نمو الاقتصاد السوداني بنحو 7%، معتبرًا ذلك مؤشرًا على بداية التعافي بعد الانكماش، ومتوقعًا ارتفاع النمو إلى معدلات من خانتين مع بدء إعادة الإعمار.
وأوضح أن الحرب فرضت على الحكومة إعداد موازنات طوارئ وزيادة الإنفاق على إعادة الخدمات الأساسية، كما أرجع تراجع قيمة الجنيه السوداني وارتفاع التضخم إلى نحو 76% و77% إلى توقف الإنتاج والصادرات، وزيادة الطلب على العملات الأجنبية، والاستدانة من النظام المصرفي لتغطية التزامات الدولة، فضلًا عن ارتفاع تكاليف الوقود والنقل والتأمين بفعل التوترات الإقليمية.
وأشار وزير المالية إلى أن الحكومة تعمل على توجيه الإنفاق نحو القطاعات الإنتاجية، خصوصًا الزراعة والثروة الحيوانية والذهب، إلى جانب توسيع الإيرادات الضريبية وتحسين عمليات التحصيل.
وفي ملف الذهب، قال إبراهيم إن نحو 80% من الإنتاج السوداني يأتي من التعدين التقليدي الذي يعمل فيه ملايين المواطنين، ما يصعّب إخضاعه للرقابة ويسهم في تهريب كميات كبيرة من الإنتاج خارج القنوات الرسمية.
وأضاف أن الحكومة تعمل على تنظيم أسواق التعدين ومراكز التوريد والتصفية، وتسجيل المنتجين إلكترونيًا لتتبع الإنتاج وتشجيع تسويق الذهب عبر القنوات الرسمية، في وقت تسعى فيه الخرطوم إلى جذب استثمارات خارجية لتطوير قطاع التعدين والاستفادة من موارده.
وربط الوزير الاهتمام الخارجي بالسودان بما يمتلكه من ثروات طبيعية وأراضٍ زراعية ومياه وموقع استراتيجي وساحل على البحر الأحمر، كما نفى وجود أساس للحديث عن مجاعة، مستندًا إلى تقديرات وزارة الزراعة التي تشير إلى كفاية إنتاج الحبوب للاستهلاك المحلي ووجود فائض.
وعلى الصعيد الإنساني، قال إبراهيم إن التكافل بين السودانيين ساعد في تخفيف آثار الحرب، مع استيعاب الأسر أعدادًا كبيرة من النازحين الذين تجاوز عددهم 12 مليون شخص داخل البلاد، مشيرًا إلى أن مصر تستضيف أعدادًا من السودانيين تفوق تشاد، وأن بعضهم تمكن من شراء عقارات وإقامة مشروعات تجارية.
وأكد الوزير أن الرئيس السوداني السابق عمر البشير لا يزال داخل السودان، ويخضع للإقامة الجبرية ويتلقى الرعاية الصحية، كما وصف القمة الروسية الإفريقية بأنها فرصة لتعزيز التعاون في التجارة ونقل التكنولوجيا والأمن الغذائي والتحول الرقمي والذكاء الاصطناعي، معربًا عن تطلعه إلى شراكة إفريقية روسية متوازنة.
وتأتي المباحثات الروسية السودانية في ظل استمرار الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع منذ أبريل 2023، والتي أسفرت عن مقتل عشرات الآلاف ونزوح ملايين الأشخاص، وسط تفاقم أزمة الغذاء وتدهور الأوضاع الإنسانية والبنية التحتية، ما يضع إعادة الإعمار واستعادة الإنتاج وتأمين الموارد ضمن أبرز الملفات المطروحة أمام الحكومة السودانية.
The post البرهان: السودان مستعد لمنح روسيا مواقع للاستثمار appeared first on عين ليبيا | آخر أخبار ليبيا.