Site icon bnlibya

الحوار المُهيكل في ليبيا.. أزمة حوكمة أم أزمة قرار

مع انطلاق أعمال محور الحوكمة ضمن مسار الحوار المُهيكل الذي تُيسّره بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، يعود الجدل مجددًا حول قدرة هذا المسار على إحداث اختراق حقيقي في أزمة سياسية مزمنة، اتسمت خلال السنوات الماضية بإعادة تدوير المبادرات أكثر من إنتاج الحلول، وبإدارة الخلاف بدل حسمه.

ورغم أهمية القضايا المطروحة للنقاش، فإن الإشكالية الجوهرية لا تكمن في طبيعة الملفات بقدر ما تكمن في غياب الإلزام السياسي والقانوني لمخرجات الحوار. فالتوصيات، مهما بلغت درجة نضجها، تظل أقرب إلى تصورات نظرية ما لم تُسند بآليات تنفيذ واضحة، وبإرادة سياسية حقيقية. كما أن الأجسام السياسية القائمة، وهي في جوهرها جزء من الأزمة، لا تُبدي استعدادًا فعليًا للتنازل أو الالتزام بما قد ينتج عن هذا المسار، ما يجعل احتمالات التعطيل أو الانتقائية في التنفيذ قائمة.

وتزداد الصورة تعقيدًا إذا ما أُخذت بعين الاعتبار حساسية القضايا الخمس المطروحة، وفي مقدمتها الاتفاق السياسي السابق على الانتخابات، وولاية الحكومة المشرفة عليها، وشكل النظام السياسي. وهي ملفات لم تفشل تاريخيًا بسبب غياب الحوار، بل بسبب تضارب المصالح وغياب الإرادة السياسية الجامعة. الأمر الذي يطرح سؤالًا مركزيًا: ما الذي تغيّر اليوم ليجعل من هذا الحوار مختلفًا عن سابقاته؟

كما أن الانقسام المؤسسي العميق، إلى جانب غياب مرجعية دستورية موحدة، يقوّض أي محاولة لبناء إطار حوكمة جامع، ويجعل تحويل التوصيات إلى قرارات قابلة للتنفيذ مهمة بالغة الصعوبة، في ظل استمرار الصراع على الشرعية وتداخل السلطات.

وفي الوقت الذي يُعوَّل فيه على الحوار المُهيكل لتهيئة الطريق نحو الانتخابات، يظل الوضع الأمني الهش عاملًا حاسمًا في تحديد مسار العملية السياسية. وهو ملف يتجاوز نطاق محور الحوكمة، ويرتبط بمسارات أمنية وعسكرية لم تحقق حتى الآن تقدمًا ملموسًا، ما يضعف فرص الالتزام بأي جدول انتخابي واقعي.

وعلى الرغم من تنوّع المشاركين في الحوار، فإن الطابع النخبوي للعملية يظل أحد أبرز نقاط ضعفها، في ظل غياب تواصل فعّال مع الرأي العام، وافتقار المواطن الليبي لرسائل واضحة تُفسّر له جدوى هذه الحوارات وانعكاساتها المباشرة على حياته اليومية. فالمزاج العام لم يعد متحمسًا لمسارات جديدة بقدر ما يطالب بنتائج ملموسة وقابلة للقياس.

ويُضاف إلى ذلك غياب إطار زمني مُلزم لتنفيذ المخرجات، وهو ما يعيد إلى الأذهان تجارب سابقة لمسارات سياسية طال أمدها دون أن تُفضي إلى استقرار أو انتخابات، وأسهمت في تآكل الثقة المجتمعية في الحلول الحوارية ككل.

أما على المستوى الدولي، فإن استمرار تداخل المصالح الإقليمية والدولية لا يزال عاملًا مُعطِّلًا للتوافق الوطني، ويوفر لبعض الأطراف المحلية مبررات إضافية للمماطلة أو التشكيك في المسار، رغم التأكيد المتكرر على أن الحوار يقوده ليبيون.

خلاصة القول، يقف محور الحوكمة في الحوار المُهيكل أمام اختبار حاسم: إما أن يتحول إلى أداة لكسر الحلقة المفرغة عبر توصيات جريئة، قابلة للتنفيذ، ومدعومة بإرادة سياسية حقيقية، أو أن يُضاف إلى سلسلة طويلة من المسارات الحوارية التي أسهمت، عن قصد أو دون قصد، في إعادة إنتاج الأزمة بدل معالجتها.

The post الحوار المُهيكل في ليبيا.. أزمة حوكمة أم أزمة قرار appeared first on عين ليبيا آخر أخبار ليبيا.