الدينار الليبي تحت الضغط.. فجوة العملة تبتلع التدخلات النقدية

0
14

تشهد ليبيا واحدة من أكثر مراحل سوق الصرف اضطراباً خلال الفترة الأخيرة، إذ تتواصل تقلبات سعر الدولار رغم الإجراءات الواسعة التي اتخذها مصرف ليبيا المركزي، وفي مقدمتها بيع الدولار نقداً وضخ مليارات الدولارات عبر المصارف التجارية، في محاولة لكبح السوق الموازي وتقليص الفجوة بين السعرين الرسمي وغير الرسمي.

وبحسب بيانات السوق، تحرك سعر الدولار في السوق الموازي بشكل لافت، إذ هبط من مستويات قاربت 11 ديناراً إلى نحو 7.70 دينار، قبل أن يعاود الارتفاع مجدداً ليستقر في نطاق يتراوح بين 8.25 و8.35 دينار، بينما يبقى السعر الرسمي عند حدود 6.35 دينار، ما يعكس استمرار فجوة سعرية تتجاوز الدينار الواحد وتغذي نشاط المضاربة.

هذه التحركات المتسارعة تعكس، وفق مراقبين، أن السوق الليبي لا يزال يتأثر بعوامل أعمق من مجرد توفر النقد الأجنبي، في ظل اقتصاد يعتمد بشكل شبه كامل على الاستيراد، مع غياب الاستقرار المالي وتعدد مراكز الإنفاق العام، ما يجعل سعر الصرف شديد الحساسية لأي تغير في الطلب على الدولار.

ويقول رئيس منتدى بنغازي للتطوير الاقتصادي والتنمية، المحلل الاقتصادي خالد بوزعكوك، في حديثه لـ«إرم بزنس»، إن الاقتصاد الليبي يرتبط بشكل مباشر بسعر الدولار نظراً لاعتماده على الاستيراد بنسبة تصل إلى 95%، ما يجعل أي ارتفاع أو تذبذب في العملة الأجنبية ينعكس فوراً على الأسعار والقدرة الشرائية.

ويضيف بوزعكوك أن ضخ مليارات الدولارات عبر الاعتمادات المستندية وبرنامج الأغراض الشخصية لم ينجح حتى الآن في تقليص الفجوة بين السوق الرسمي والموازي، رغم توسع برامج توفير النقد الأجنبي، مشيراً إلى أن استمرار الطلب المرتفع على الدولار، إلى جانب توسع الإنفاق على مشاريع الإعمار في مختلف المناطق، ساهم في إبقاء الضغط قائماً على العملة المحلية.

ويرى رئيس قسم الاقتصاد في جامعة بنغازي، حلمي القماطي، في تصريحات لـ«إرم بزنس»، أن تحركات سعر الدولار من مستويات قريبة من 11 ديناراً إلى 7.70 دينار ثم العودة إلى أكثر من 8.30 دينار، تكشف عن حالة عدم استقرار ممتدة في سوق الصرف الليبي، تؤكد أن التحسن المؤقت لا يتحول إلى استقرار حقيقي.

ويؤكد القماطي أن الإجراءات التي اتخذها مصرف ليبيا المركزي أسهمت في تهدئة نسبية في بعض الفترات، لكنها لم تنجح في معالجة جوهر المشكلة، إذ لا تزال الفجوة بين العرض والطلب على النقد الأجنبي قائمة، ما يعكس محدودية تأثير الأدوات النقدية في مواجهة أزمة تتداخل فيها عوامل اقتصادية ومالية وهيكلية.

ويضيف أن المشكلة لا تتعلق بسعر الدولار فقط، بل بالبيئة الاقتصادية التي تسمح بتحقيق أرباح كبيرة من فروقات سعر الصرف، ما يخلق سوقاً موازية نشطة تقوم على المضاربة والوساطة، بدلاً من أن يكون الحصول على النقد الأجنبي مرتبطاً بنشاط إنتاجي أو تجاري منظم.

ويشدد القماطي على أن الحل لا يكمن في الإجراءات المؤقتة أو ضخ النقد الأجنبي فقط، بل في إصلاح شامل لمنظومة إدارة الاقتصاد، يبدأ بتعزيز الشفافية في الاعتمادات والتحويلات، ونشر البيانات بشكل واضح، وتوحيد السياسات المالية والنقدية، بما يحد من التفاوت في توزيع الموارد.

ويؤكد أن استقرار سعر الصرف يتطلب بناء ثقة حقيقية في المؤسسات الاقتصادية، إلى جانب حوكمة رشيدة تضمن عدم تركز الاستفادة من النقد الأجنبي في يد فئات محدودة، وتحويل الموارد إلى أداة لدعم الاقتصاد الحقيقي.

وفي سياق متصل، بدأ مصرف ليبيا المركزي تنفيذ خطة لضخ نحو 2.5 مليار دولار في السوق عبر المنظومة المصرفية، في خطوة تهدف إلى زيادة المعروض من النقد الأجنبي وتقليص نشاط السوق الموازي، بحسب ما نقلته تقارير إعلامية محلية.

وتتضمن هذه الخطة تخصيص 1.5 مليار دولار لتغطية الاعتمادات المستندية الخاصة بالتجار والشركات، بهدف تسهيل عمليات الاستيراد وضمان توفر السلع الأساسية، إضافة إلى مليار دولار مخصصة للأغراض الشخصية وأرباب الأسر، بواقع 2000 دولار لكل فرد، يتم صرفها عبر عدة قنوات تشمل النقد والشحن الإلكتروني والإيداع في الحسابات المصرفية.

وكان المصرف المركزي قد أطلق في وقت سابق برنامج بيع الدولار نقداً للمواطنين والتجار ضمن مرحلة تجريبية، كما عقد اجتماعاً مع وزارة الداخلية لوضع خطة مشتركة تستهدف الحد من نشاط السوق الموازي، الذي يعتبره المصرف أحد أبرز أسباب اضطراب سعر الصرف.

وفي فبراير الماضي، أصدر مصرف ليبيا المركزي حزمة إجراءات تنظيمية شملت تحديد سقوف لمشتريات مكاتب الصرافة، واعتماد المنصة الإلكترونية الموحدة لبيع النقد الأجنبي حصراً، إلى جانب تحديد سقف 8 آلاف دولار للأفراد و3 آلاف دولار للمقيمين، مع فرض هوامش ربح على عمليات الصرف لضبط السوق.

كما شهدت البلاد قبل أسابيع قليلة اتفاقاً مالياً على ميزانية موحدة بقيمة 190 مليار دينار ليبي (نحو 29.95 مليار دولار)، في أول توافق مالي منذ أكثر من 13 عاماً، في خطوة اعتُبرت محاولة لتقليل التباين في الإنفاق العام، الذي كان أحد أسباب الضغط على سعر الصرف.

وفي يناير الماضي، خفض مصرف ليبيا المركزي قيمة الدينار بنسبة 14.7% للمرة الثانية خلال تسعة أشهر، مرجعاً ذلك إلى استمرار ازدواجية الإنفاق وغياب ميزانية موحدة، بعد خفض سابق بنسبة 13.3% في عام 2024، ما يعكس استمرار الضغوط على العملة المحلية.

ورغم تسجيل ليبيا عائدات نفطية تقارب 22 مليار دولار خلال عام 2025 بزيادة تتجاوز 15% عن العام السابق، إلا أن البلاد ما تزال تواجه عجزاً في النقد الأجنبي يقدر بنحو 9 مليارات دولار، في اقتصاد يعتمد بشكل شبه كامل على النفط الذي يمثل نحو 96% من الصادرات ونحو 98% من إيرادات الدولة، مع إنتاج يقارب 1.5 مليون برميل يومياً، واحتياطيات تعد الأكبر في أفريقيا بنحو 48.4 مليار برميل.

هذا التداخل بين وفرة الإيرادات النفطية واستمرار عجز النقد الأجنبي يعمّق، وفق خبراء، أزمة سعر الصرف، ويجعل استقرار الدينار الليبي رهناً بإصلاحات أوسع تتجاوز السياسة النقدية إلى بنية الاقتصاد بالكامل.

The post الدينار الليبي تحت الضغط.. فجوة العملة تبتلع التدخلات النقدية appeared first on عين ليبيا آخر أخبار ليبيا.