الرأي العام والإنسان القطيع

0
13

تأكل الرأي العام

يفترض بالرأي العام أن يكون ساحة رحبة، ميدانًا مفتوحًا يتسع للنقاش المشترك بحرية، حيث تتصادم الأفكار وتتفاعل لتنتج في النهاية توافقًا أو تفاهمًا عامًا. لكن هذا الميدان لم يعد موجودًا في ظل الثورة الرقمية. لقد تحطم. وبقوة الخوارزميات، أخذ هذا الفضاء يتفتت إلى جزر متباعدة وصغيرة ومنعزلة، كل منها تحتضن “الآراء المتشابهة” فقط.

هذا هو جوهر المأساة الجديدة: لم يعد الرأي العام فضاءً واحدًا. بل تحول إلى أرخبيل من الغرف المغلقة، كل جماعة تسمع فيها صدى صوتها فقط. كل فرد يعيش داخل “فقاعة معلوماتية” لا تختبر قناعاته أو تعرضها للنقد، بل تعمل كمرآة تعيد إليه صورته وتؤكد له صحة ما يعتقد. الخوارزميات، المصممة لتعزيز التفاعل، لا تدفعنا نحو الحوار مع المختلف، بل تحبسنا في زنزانة المألوف، حيث لا وجود للأسئلة المزعجة أو للأفكار المضادة.

في هذا العالم الجديد، يحدث أمر شديد المفارقة: لا يختفي الكلام. بل على العكس، نحن نعيش في عصر “الثرثرة الكونية” بامتياز. ما يختفي هو شيء أثمن وأندر: الإنصات. فالإنصات يتطلب فضيلة نادرة في عصر الفقاعات، وهي فضيلة الشك في الذات، والتسامح مع الغموض، والرغبة الحقيقية في فهم الآخر. لكن في الفضاءات المتفتتة، يصبح الآخر مجرد عدو أو منافس، وليس شريكًا في البحث عن الحقيقة.

إننا نعيش لحظة فارقة حيث لم يعد التحدي هو “كيف نتكلم”، بل “كيف نصغي”. تآكل الرأي العام يعني أننا فقدنا الأرضية المشتركة التي كنا نقف عليها جميعًا، حتى لو كنا نتخاصم. لقد أصبح كل منا على جزيرته، نصرخ في وجه المحيط، ولا نسمع سوى صدى أصواتنا.

السؤال الذي يطرح نفسه اليوم هو سؤال وجودي للديمقراطية نفسها: هل يمكن للمجتمعات أن تظل حرة إذا فقدت قدرتها على الحوار؟ وهل يمكن للسياسة أن تصنع مستقبلًا مشتركًا، في غياب رأي عام حقيقي، حيث يلتقي العقلاء؟

عودة الإنسان القطيع

علم النفس الاجتماعي يخبرنا أن الإنسان في الأوقات العادية قادر على التفكير النقدي، لكنه في أوقات الذعر الرقمي أو الحماس الجماعي يفقد هذه القدرة تمامًا. هنا تعمل الخوارزميات كمسرّع للعدوى العاطفية. تغريدات الغضب تنتشر كالنار في الهشيم ليس لأنها صحيحة، بل لأنها مثيرة. والمثير ينتصر على الصحيح في معركة البقاء الرقمي.

وهكذا، نجد أنفسنا أمام تناقض صارخ: نحن أكثر اتصالاً من أي جيل مضى، لكننا أكثر وحدة من أي جيل مضى. نجتمع على الكراهية أسرع مما نجتمع على الحب. ونتحد ضد شخص أسهل مما نتحد من أجل فكرة.

في هذا العالم، يواجه المثقف أو الكاتب أو المفكر مأزقًا وجوديًا: إما أن يركب موجة الفقاعة فيكتب ما يشتهي الجمهور لا ما يحتاج، فيحظى بالمشاهدات والإعجابات ويخسر دوره التنويري. وإما أن يكتب ما يعتقد أنه صحيح، فيواجه عزلة قاسية داخل جزيرته الصغيرة.

كثيرون اختاروا الخيار الأول، فتحولوا إلى مؤثرين لا إلى مفكرين. وهذا ليس ذمًا لهم بقدر ما هو وصف للعبة الجديدة: الساحة لم تعد تكافئ العمق، بل تكافئ الإثارة. والفيلسوف الذي يحتاج إلى صفحة كاملة لشرح فكرته، سيُهزم حتمًا أمام من يختصر العالم في تغريدة، حتى لو كانت خاطئة.

ربما يكون السؤال الأخير هو: هل يمكن إصلاح ما تفتت؟ هل يمكن إعادة بناء الرأي العام من جديد؟

الإجابة ليست يائسة تمامًا. فكما أن التكنولوجيا كانت سبب الأزمة، يمكن أن تكون جزءًا من الحل. هناك حاجة ماسة اليوم إلى هندسة عكسية للرأي العام، نحتاج إلى منصات تشجع الاختلاف لا التشابه، وتكافئ الإنصات لا الصراخ، وتعمق النقاش لا تسطيحه.

لكن قبل ذلك، نحتاج إلى وعي فردي جديد: أن ندرك أننا داخل فقاعة، وأن نبحث عمدًا عمّن يخالفنا الرأي لا ممن يشاركونا الهوى. أن نقرأ الكتاب كاملاً قبل أن نغرد عنه. وأن نستعيد فضيلة قديمة ظننا أننا تخطيناها: فضيلة الصمت، والتفكير، ثم الكلام.

هذا هو الطريق الوحيد للخروج من حالة الإنسان القطيع ولإعادة بناء الرأي العام الحقيقي المتأكل اليوم.

طريق طويل وشاق، لكنه الطريق الوحيد الذي يضمن ألا نموت جميعًا، كلّ على جزيرته المنعزلة، نصرخ في وجه المحيط ولا نسمع سوى صدى أصواتنا.

The post الرأي العام والإنسان القطيع appeared first on عين ليبيا آخر أخبار ليبيا.