تدرس الحكومة السورية نقل عدد من الوزارات والمؤسسات الحيوية من العاصمة دمشق إلى مدن داخلية، في إطار إجراءات احترازية تحسباً لهجوم إسرائيلي محتمل، بالتزامن مع وصول الرئيس السوري أحمد الشرع إلى الرياض في زيارة رسمية لبحث العلاقات الثنائية والتطورات الإقليمية، فيما جدد الرئيس اللبناني جوزيف عون التأكيد أن بلاده لم تعد قادرة على استقبال مزيد من النازحين السوريين، داعياً إلى دعم عودتهم إلى بلادهم.
ونقلت صحيفة «Türkiye Gazetesi» التركية عن مصادر سورية أن الخطة تتضمن نقل ثلاث وزارات على الأقل إلى مدينة حلب، إلى جانب نقل وزارة الدفاع إلى حماة، وإعادة توزيع مؤسسات استراتيجية موجودة في دمشق وحمص على مناطق داخلية تشمل الرقة ودير الزور والحسكة وإدلب.
وبحسب مسؤول حكومي سوري نقلت عنه الصحيفة، تشهد دمشق تغييرات واسعة في هيكلها العسكري والسياسي، فيما تستهدف الخطة نقل مؤسسات ذات أهمية استراتيجية إلى محور يمتد من حماة وحلب إلى الحسكة ودير الزور وإدلب والرقة، مع إعطاء الأولوية للمواقع القريبة من الحدود التركية.
وأشار المصدر إلى أن الخطة تستهدف تعزيز القدرة على المناورة في المجالين الجوي والبري، وتوزيع مراكز السلطة السياسية والعسكرية والاقتصادية والإدارية على مناطق داخلية، إلى جانب الاستفادة من القدرات الاستخباراتية والبرية والجوية التركية.
وتشمل المؤسسات التي يجري بحث نقلها البنك المركزي والجهات المسؤولة عن قطاعات النفط والزراعة والمياه والاقتصاد، مع دراسة توزيعها على إدلب والرقة ودير الزور والحسكة، وفق ما أوردته الصحيفة التركية.
ونقلت الصحيفة عن مصادر أمنية سورية قولها إن إسرائيل احتلت فعلياً نحو ثلث أراضي جنوب سوريا، وإن الجيش الإسرائيلي نفذ 1232 هجوماً على الأراضي السورية، بالتزامن مع تدمير المنطقة العازلة في هضبة الجولان والتقدم على محور القنيطرة ودمشق ودرعا.
وأضافت المصادر أن إسرائيل تنفذ تحركات برية وغارات جوية على امتداد محور دمشق وحمص والقنيطرة ودرعا، وتستعد، وفق تقديراتها، لعملية برية واسعة مدعومة جوياً.
وفي سياق متصل، نقلت الصحيفة عن مصدر سوري لصحيفة «ذا تايمز» أن التحركات الأخيرة في الأردن ينبغي قراءتها من منظور إسرائيلي، واعتبرها بمثابة إنذار مبكر، فيما تقول دمشق إن تحركات الجيش الأردني على الحدود وتحصيناته تستهدف اتخاذ إجراءات وقائية تحسباً لهجمات إسرائيلية واحتمال تهجير ما لا يقل عن مليون شخص من منطقتي القنيطرة ودرعا.
وتطرقت الصحيفة إلى منطقة «سوفا 53» وممر يحمل الاسم نفسه ويمتد باتجاه الحدود الأردنية، معتبرة أنه يشكل ممراً برياً يقرّب إسرائيل من الدروز في السويداء، كما أوردت أن الخطة الإسرائيلية، وفق تقديراتها، تتضمن نقل مستوطنين دروز يهود جدد إلى مناطق يجري إخلاؤها بين هضبة الجولان والسويداء، في إطار ما وصفته بموجة جديدة من الاحتلال.
وقالت الصحيفة إن إدارة الرئيس السوري أحمد الشرع تدرك تفاصيل الخطة الإسرائيلية، لكنها تتجنب المواجهة المباشرة بسبب افتقار دمشق إلى منظومة دفاع جوي، مشيرة إلى أن الحكومة أعادت هيكلة سياستها وجيشها وتخلت عسكرياً عن محور درعا والقنيطرة، وتركز حالياً على حماية المؤسسات السياسية والعسكرية والاقتصادية عبر نقلها إلى مناطق داخلية، في ظل اقتراب القوات الإسرائيلية لمسافة 25 كيلومتراً من دمشق، بحسب التقرير.
وربطت الصحيفة التطورات في جنوب سوريا بالانتخابات الإسرائيلية ومساعي تشكيل الحكومة، وقالت إن تعثر حزب «يشار» بقيادة غادي آيزنكوت وحلفائه في تشكيل حكومة، رغم حصولهم على الأغلبية وفق ما أوردته، يمنح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو فرصة لتحقيق مكاسب سياسية من خلال الملفين الإيراني والسوري.
وأضاف التقرير أن نتنياهو يسعى إلى استغلال الوضع الراهن للتوسع في جنوب سوريا وإشراك رئيس حزب «إسرائيل بيتنا» أفيغدور ليبرمان في ائتلاف حكومي، مشيراً إلى أن ليبرمان من أبرز المؤيدين لغزو جنوب سوريا، كما لفت إلى الدور المحوري الذي تضطلع به تركيا في الاستراتيجية الجديدة للإدارة السورية، وإلى زيادة مستوى التواصل بين أنقرة ودمشق بشأن الانضمام إلى تحالف مكة.
وفي تطور دبلوماسي موازٍ، وصل الرئيس السوري أحمد الشرع، الأربعاء، إلى العاصمة السعودية الرياض على رأس وفد رسمي رفيع المستوى، في سادس زيارة له إلى المملكة منذ توليه الرئاسة في يناير 2025، وفق وكالة الأنباء السورية «سانا» ووكالة الأناضول.
ويضم الوفد وزراء الخارجية والمغتربين والدفاع والمالية والصناعة، إلى جانب رئيس الاستخبارات العامة، ولم تقدم «سانا» تفاصيل عن برنامج الزيارة أو مدتها.
وتأتي الزيارة بعد نحو شهر من زيارة الشرع إلى الرياض في 6 أكتوبر الماضي، حيث التقى ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، وبحث معه العلاقات الثنائية ومستجدات المنطقة، كما تناولت المباحثات الخطط الاستراتيجية والمراحل المقبلة لإعادة إعمار سوريا وبناء البنية التحتية والمنشآت الحيوية المتضررة، وفق مديرية الإعلام في الرئاسة السورية آنذاك.
ووجه الشرع خلال الزيارة دعوة رسمية إلى ولي العهد السعودي لزيارة سوريا، فيما بحث وزير الصناعة والتجارة الداخلية وحماية المستهلك السوري باسل عبد الحنان، عشية الزيارة الحالية، مع السفير السعودي لدى دمشق غازي بن رافع العنزي مشروع مذكرة تفاهم للتعاون الصناعي.
وتتضمن المذكرة المقترحة تطوير المدن والمناطق الصناعية، ورفع كفاءة الإنتاج، وتحسين جودة المنتجات، وتبادل الخبرات في التمويل الصناعي ودعم المشاريع، بحسب وكالة «سانا».
وسبق للشرع زيارة جدة في 21 أبريل الماضي، حيث التقى ولي العهد السعودي وبحث معه التعاون الاقتصادي والاستثماري ومشاريع الربط الإقليمي، إلى جانب التطورات الإقليمية والدولية.
وخلال عام 2025، أجرى الشرع ثلاث زيارات إلى السعودية، بدأت في 2 فبراير بلقاء في الرياض، تلتها زيارة في مايو، ثم زيارة في أكتوبر للمشاركة في النسخة التاسعة من منتدى «مبادرة مستقبل الاستثمار»، ضمن زيارة عمل شملت لقاءات مع مسؤولين وممثلين عن شركات ومؤسسات اقتصادية.
وشهدت زيارة مايو لقاءً في الرياض يوم 14 من الشهر، جمع الشرع وولي العهد السعودي والرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بمشاركة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان هاتفياً، وتناول مستقبل الأوضاع في سوريا وأهمية استقرارها وسيادتها ووحدة أراضيها، فيما أعرب الشرع عن تقديره لقرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب رفع العقوبات عن بلاده، بحسب وكالة الأنباء السعودية «واس».
وعلى الجانب اللبناني، أكد الرئيس اللبناني العماد جوزيف عون أن بلاده لم تعد قادرة على استيعاب مزيد من النازحين السوريين، مشيراً إلى استمرار التواصل مع الدولة السورية لتنظيم عودتهم على مراحل.
وقال عون خلال استقباله المديرة العامة للمركز الدولي لتطوير سياسات الهجرة سوزان راب إن المجتمع الدولي والمنظمات الإنسانية مطالبون بتقديم المساعدات للسوريين داخل بلادهم بدلاً من لبنان، بما يشجعهم على العودة.
وأوضح أن لبنان تحمل أعباء موجات النزوح منذ عام 2011، بما في ذلك استقبال السوريين الذين غادروا بلادهم مع اندلاع الأحداث، مشيراً إلى أن السلطات اللبنانية تعمل حالياً على إعادتهم بعد التغييرات السياسية التي شهدتها سوريا، والتي قال إنها أزالت أسباب نزوحهم.
ولفت عون إلى أن الجيش والقوى الأمنية اللبنانية يعملان على منع استخدام الأراضي اللبنانية منصة للهجرة إلى الدول الأوروبية المجاورة، كما رحب بتوقيع اتفاقية مع المركز الدولي لتطوير سياسات الهجرة لتنظيم الوضع القانوني والمؤسسي لممثليته في بيروت، بما يضمن استمرار عمله وتوسيع برامجه بالتنسيق مع المؤسسات اللبنانية.
من جهتها، أكدت راب التزام المركز بمواصلة دعم لبنان وتعزيز التعاون معه وتقديم الخبرات والتدريب اللازمين، مشددة على أهمية الشراكة مع لبنان ودوره الاستراتيجي بالنسبة إلى أوروبا ومنطقة البحر المتوسط.
وبحسب بيانات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، بلغ عدد اللاجئين السوريين الذين لديهم سجلات نشطة في لبنان نحو 854 ألفاً حتى سبتمبر 2026، فيما عاد نحو 700 ألف سوري كانوا مسجلين لدى المفوضية إلى بلادهم بين ديسمبر 2024 ونهاية سبتمبر 2026.
ومنذ يوليو 2005، أُطلق برنامج العودة الطوعية المدعوم من الأمم المتحدة لمساعدة السوريين الراغبين في العودة إلى بلادهم، ونُظمت في إطاره 23 رحلة عودة، من بينها قافلة انطلقت الأسبوع الماضي من طرابلس وضمت 61 عائداً.
وقالت المتحدثة باسم مفوضية اللاجئين في لبنان دلال حرب إن البرنامج يوفر للراغبين في العودة المعلومات والمساعدة القانونية والنقل والمساعدات النقدية عبر المعابر الحدودية الرسمية.
وتحصل العائلات العائدة على منحة نقدية لمرة واحدة بقيمة 100 دولار عن كل فرد، للمساعدة في تغطية الترتيبات اللوجستية للعودة عبر المعابر الرسمية، فيما تستفيد بعض العائلات الأكثر ضعفاً من منحة إضافية لمرة واحدة بقيمة 300 دولار للعائلة.
أما داخل سوريا، فيمكن للأسر التي تستوفي شروط الاستفادة من مساعدات الفئات الأكثر ضعفاً الحصول على مساعدة نقدية تصل إلى 600 دولار للعائلة الواحدة، بناءً على تقييم أوضاعها ووفق معايير البرنامج المعتمدة.
وتأتي هذه التطورات في وقت تتداخل فيه الملفات الأمنية والسياسية والاقتصادية المرتبطة بسوريا، بين مخاوف التصعيد الإسرائيلي في الجنوب، ومساعي دمشق لتعزيز التنسيق مع الرياض وأنقرة، والضغوط اللبنانية والدولية لتنظيم عودة اللاجئين السوريين.
The post الشرع يزور الرياض.. سوريا تبحث نقل «مؤسسات سيادية» تحسباً لهجوم إسرائيلي appeared first on عين ليبيا | آخر أخبار ليبيا.
