الصيام في رمضان.. ماذا يحدث فعلًا داخل الجسم؟

0
16

مع حلول شهر رمضان يتجدد الحديث عن قدرة الصيام على «إعادة ضبط» الجسم، بين من يراه مجرد طقس ديني روحي، ومن يعتبره فرصة فسيولوجية لإعادة ترتيب عمليات الاستقلاب وتنظيم الطاقة.

والعلم في السنوات الأخيرة دخل بقوة على خط هذا النقاش، عبر عشرات الدراسات التي تناولت الصيام المتقطع والصيام الديني وتأثيرهما في الصحة العامة، لتقدم صورة أكثر دقة وأبعد عن المبالغات.

تحول استقلابي يعيد ترتيب مصادر الطاقة

تشير أبحاث صادرة عن Harvard Medical School إلى أن الجسم يبدأ بعد ساعات من التوقف عن تناول الطعام باستهلاك مخزون الغلوكوز في الكبد والعضلات، ثم ينتقل تدريجيًا إلى استخدام الدهون كمصدر رئيسي للطاقة عبر إنتاج الأجسام الكيتونية.

وتوضح مراجعات علمية منشورة في The New England Journal of Medicine أن هذا التحول الاستقلابي لا يرتبط فقط بإدارة الوزن، بل بتحسن حساسية الإنسولين وتنظيم مستويات السكر في الدم، وهو ما يقلل من مخاطر متلازمة الأيض وأمراض القلب لدى فئات معينة.

وتؤكد دراسة تحليلية واسعة نُشرت في Cell Metabolism أن أنماط الصيام المتقطع ترتبط بانخفاض مؤشرات الالتهاب وتحسن في ضغط الدم ومستويات الدهون الثلاثية، خاصة عند اقترانها بنظام غذائي متوازن.

الساعة البيولوجية تحت المجهر

ولا يقتصر تأثير الصيام على مصادر الطاقة، بل يمتد إلى إيقاع الجسم الداخلي، إذ توضح أبحاث من University of California أن توقيت تناول الطعام يلعب دورًا محوريًا في ضبط الساعة البيولوجية التي تنظم النوم والهرمونات ودرجة اليقظة.

ويشير باحثون إلى أن الامتناع المنظم عن الطعام خلال ساعات محددة، مع تثبيت مواعيد النوم، يعزز إفراز هرمون الميلاتونين بشكل أكثر انتظامًا، ما ينعكس إيجابًا على جودة النوم ومستويات النشاط الذهني خلال النهار.

تنشيط آليات الإصلاح الخلوي

من أكثر المفاهيم تداولًا في السنوات الأخيرة مفهوم الالتهام الذاتي، وهي عملية بيولوجية تنظف الخلايا من المكونات التالفة وتعيد تدويرها.

وقد حصل العالم الياباني يوشينوري أوسومي على Nobel Prize في الطب عام 2016 لاكتشافه آليات هذه العملية، فيما تشير أبحاث مخبرية إلى أن فترات الامتناع عن الطعام تحفز هذا المسار الخلوي، ما يعزز كفاءة إدارة الطاقة ويقلل تراكم البروتينات التالفة داخل الخلايا.

ورغم أن معظم الأدلة جاءت من تجارب على الحيوانات أو دراسات قصيرة الأمد على البشر، فإن النتائج توصف بالواعدة وتفتح الباب أمام فهم أعمق للعلاقة بين الصيام وطول العمر الصحي.

حقيقة «تنظيف الجسم»

أما فكرة «إزالة السموم» فالعلم يتعامل معها بدقة أكبر، إذ يؤكد باحثون من Mayo Clinic أن الكبد والكليتين تؤديان هذه المهمة باستمرار دون حاجة إلى حميات قاسية.

لكن تقليل فترات الأكل قد يمنح الجهاز الهضمي فرصة راحة نسبية، ويقلل من التقلبات الحادة في مستويات السكر والإنسولين، ما يخفف العبء الأيضي على الجسم.

الصيام ليس معجزة بل أداة

وتشدد دراسات صادرة عن Johns Hopkins University على أن الفوائد الصحية للصيام تعتمد بدرجة كبيرة على نمط الحياة المصاحب له.

فعندما يقترن الصيام بتقليل السكريات والأطعمة فائقة المعالجة، وشرب كمية كافية من الماء، ونشاط بدني معتدل، ونوم منتظم، ترتفع احتمالات تحسن الطاقة والتركيز والمزاج.

في المقابل، الإفراط في تناول وجبات عالية السعرات بعد الإفطار قد يبدد هذه الفوائد ويقود إلى نتائج عكسية.

قراءة أوسع لما يعنيه ذلك صحيًا

المحصلة العلمية تشير إلى أن الصيام يمثل تحفيزًا فسيولوجيًا يعيد توجيه عمليات الاستقلاب، ويحسن مرونة الجسم في استخدام مصادر الطاقة، ويؤثر في الإيقاع الهرموني والخلوي.

وهو ما يجعله فرصة سنوية لإعادة تقييم العادات الغذائية والسلوكية، وليس مجرد انقطاع مؤقت عن الطعام.

هذا وشهد العقدان الأخيران توسعًا كبيرًا في أبحاث الصيام المتقطع، خاصة في الولايات المتحدة وأوروبا، حيث تحول من ممارسة تقليدية إلى موضوع بحثي في مجالات أمراض القلب والسكري والشيخوخة.

وتقاطع هذا الاهتمام مع ارتفاع معدلات السمنة عالميًا، ما دفع المؤسسات الأكاديمية إلى دراسة الصيام كخيار محتمل ضمن استراتيجيات الوقاية، مع التأكيد أن تطبيقه يجب أن يراعي الفروق الفردية والحالات الصحية المزمنة.

The post الصيام في رمضان.. ماذا يحدث فعلًا داخل الجسم؟ appeared first on عين ليبيا آخر أخبار ليبيا.