يطرح ملف الفقر والهشاشة الاقتصادية في ليبيا تحديات تتجاوز مستوى دخل الأسرة، رغم إنفاق ما يتعدى 70% من الإنفاق العام على المرتبات والطاقة والمحروقات، والذي تمثل إحصائيًا إنفاقًا عامًا قدره 8800 دل عن كل أسرة شهريًا، وفي ظل نقص وتفاوت القدرة على الوصول إلى الخدمات الأساسية، منها الصحة والتعليم وبناء القدرات، وارتفاع تكاليف المعيشة، العامة منها المحروقات والطاقة، وتراجع القوة الشرائية بسبب التضخم، وتقلبات سعر الصرف أو الفجوة السعرية للعملة، إلى جانب اختلاف الظروف الاقتصادية والاجتماعية بين المناطق. كما يبرز غياب قاعدة بيانات موحدة وشاملة تحدد بدقة الأسر الأكثر احتياجًا، وتساعد على توجيه الدعم وفق مؤشرات متعددة لا تقتصر على الدخل النقدي للفرد.
وفي هذا السياق، يرى رجل الأعمال حسني بي، في حديثه لشبكة عين ليبيا، أن معالجة الإفقار في ليبيا تحتاج إلى النظر إلى مصدر تشوهات توزيع الريع الذي ينتج عنه تفاوت في مستوى معيشة الأسرة بصورة أوسع، وربط الحماية الاجتماعية بالتمكين الاقتصادي وتكافؤ الفرص والاستدامة المالية، من خلال بناء قاعدة بيانات دقيقة تساعد على استهداف الدعم نقدًا بدلًا من هدره سعريًا، معتبرًا أن جوهر المشكلة يرتبط بطريقة إدارة وتوزيع الثروة والريع العام.
وقال بي إن الفقر في ليبيا ليس نتيجة ندرة الثروة، لذلك أسميه إفقارًا، بل نتيجة نموذج مختل في إعادة توزيع الريع العام، مؤكدًا أن الدخل وحده لا يكفي لتحديد الأسر الأكثر احتياجًا.
وأوضح أن الأسرة قد يكون دخلها الاسمي أو الإحصائي فوق خط الفقر، لكنها تدفع من جيبها مرتين للصحة والتعليم والمياه والنقل والكهرباء بسبب ضعف وفشل توفير الخدمات العامة، وبالتالي تكون قدرتها المعيشية الحقيقية أقل بكثير مما تمثله المؤشرات العامة.
واقترح قياس الهشاشة على عدة محاور في الوقت نفسه، تشمل دخل الأسرة للفرد المادي، وعدد المعالين، ونوع السكن، والملكية والأصول الثابتة والمنقولة، ووجود عمل مستقر، والصحة والإعاقة البدنية، ومستوى التعليم، والوصول إلى المياه وتوفر الكهرباء، والمنطقة الجغرافية، والقدرة على مواجهة صدمة مالية مفاجئة.
وأشار إلى أن هذا يتفق مع مفهوم الفقر متعدد الأبعاد المستخدم دوليًا، الذي لا يقيس المال فقط، بل التعليم والصحة ومستوى المعيشة، معتبرًا أن هذا النهج في ليبيا أكثر عدلًا من جعل راتب الأسرة وحده بوابة الاستحقاق.
وعن تأثير أسعار السلع والخدمات وتراجع القدرة الشرائية وتقلبات سعر الصرف، قال بي إن التأثير كان مباشرًا، موضحًا أن ليبيا تعتمد بدرجة كبيرة على الواردات، ولذلك تنتقل تغيرات سعر الصرف الموازي وأسعار السلع العالمية المستوردة سريعًا إلى تكلفة معيشة الأسرة.
وذكر أن صندوق النقد أشار في 2026 إلى أن الضغوط المالية وسعر الصرف رفعت التضخم إلى مستويات ثنائية الرقم وأدت إلى تراجع القوة الشرائية ومستوى المعيشة.
وأضاف أن الراتب الاسمي قد يبقى ثابتًا، بينما تنخفض القدرة على الشراء، قائلًا: وهذا بالنسبة لي هو المقياس الحقيقي للفقر: ليس كم دينارًا يتقاضى المواطن، بل ماذا يستطيع هذا الدينار أن يشتري.
وقال بي إن الليبي ليس فقيرًا من حيث ملكيته الجماعية للثروة النفطية، لكنه قد يصبح فقيرًا في معيشته عندما يعاد توزيع هذه الثروة عبر سعر صرف مشوه، ودعم غير عادل، وإنفاق عام ضعيف الكفاءة.
وفي شأن بناء مؤشر واقعي للفقر والهشاشة في ظل غياب بيانات شاملة، قال بي إنه لا ينتظر قاعدة بيانات مثالية حتى يبدأ العمل، مشيرًا إلى أن هناك نقطة بداية جيدة تتمثل في الرقم الوطني والسجل المدني والحسابات المصرفية وبيانات المرتبات والمعاشات والضمان والتعليم والصحة والسيارات والعقارات والسجل التجاري، على أن يجري تحسينها تدريجيًا.
واقترح إنشاء مؤشر ليبي للهشاشة الأسرية يعطي وزنًا للدخل الحقيقي للفرد، وعدد الأطفال والمعالين، والبطالة، والمرض والإعاقة، والسكن، والوصول إلى الخدمات، والأصول، ومكان الإقامة.
وأشار إلى أن هناك أداة مهمة يمكن البناء عليها، هي مسح MICS 2024–2025، الذي شمل عينة وطنية ممثلة من 17,880 أسرة وغطى الصحة والتعليم والمياه والصرف الصحي والإعاقة والتفاوتات الاجتماعية.
وقال إن المشكلة ليست غياب كل البيانات، بل عدم ربط البيانات الموجودة وتحويلها إلى نظام قرار موحد.
وأكد بي أن ضعف الخدمات الأساسية يمكن أن يجعل الأسرة التي يتجاوز دخلها خط الفقر أسرة هشة، موضحًا أن المواطن قد يحصل نظريًا على دخل جيد، لكنه يضطر إلى دفع تكاليف علاج خاص ومدرسة خاصة وصهريج مياه ومولد كهرباء ونقل مرتفع التكلفة.
وأضاف أن جزءًا كبيرًا من دخله يتحول بذلك إلى شراء خدمات كان يفترض أن توفرها الدولة، ولهذا فإن الفقر النقدي وحده يخفي جزءًا من الحقيقة.
وأشار إلى أن البنك الدولي يصف ضعف تقديم الخدمات في ليبيا بأنه واضح، خصوصًا في الصحة والتعليم والمياه والكهرباء، مع تفاوتات إقليمية كبيرة، متسائلًا: نحن ننفق ريعًا عامًا ضخمًا، ولكن السؤال هو ما الذي يحصل عليه المواطن مقابله؟
وحول اختلاف مستويات الهشاشة بين المدن الكبرى والجنوب والمناطق النائية، قال بي إن الأسرة في طرابلس لا يجوز وضعها والأسرة في بلدة جنوبية أو نائية في معيار واحد بلا تعديل.
وأوضح أن الأسرة في المنطقة النائية قد تواجه تكلفة نقل أعلى، وفرص عمل أقل، وخدمات صحية وتعليمية أضعف، وصعوبة أكبر في الوصول إلى البنوك والأسواق والسلع.
وأشار إلى أن البنك الدولي يؤكد وجود تفاوتات إقليمية حادة في الخدمات والفرص الاقتصادية، ولذلك يجب أن يتضمن مؤشر الفقر معامل تكلفة معيشة ومكان إقامة، لأن الدينار نفسه لا يعطي المستوى المعيشي نفسه في كل ليبيا.
واعتبر أن البطالة والعمل غير المستقر وارتفاع تكاليف المعيشة من أهم أسباب انتقال الأسرة من أزمة مؤقتة إلى هشاشة دائمة.
وأوضح أن الفقر المؤقت يمكن تجاوزه إذا كان للأسرة عمل مستقر ومدخرات وقدرة على الاقتراض، لكن عندما يكون العمل متقطعًا أو غير رسمي والدخل متذبذبًا، فإن صدمة مرض أو ارتفاع إيجار أو انخفاض قيمة الدينار قد تدفع الأسرة سريعًا إلى العجز.
وقال إن الاقتصاد الليبي يعاني أساسًا من ضعف القطاع الخاص، مشيرًا إلى أن البنك الدولي يقدر أن القطاع الخاص لا يمثل سوى نحو 14% من قوة العمل، بينما يظل الاقتصاد شديد الاعتماد على الدولة.
وأضاف أن هذه، بالنسبة إليه، إحدى نتائج نموذج توزيع الريع، إذ جرى تحويل الدولة إلى رب العمل الرئيسي بدلًا من جعل الريع وسيلة لخلق اقتصاد ينتج الوظائف.
وفيما يتعلق بالمساعدات النقدية والغذائية، قال بي إنها ضرورية لحماية من يحتاج إليها، لكنها لا تستطيع وحدها إخراج الاقتصاد من الفقر.
وأوضح أن هناك فرقًا بين الحماية الاجتماعية والتمكين الاقتصادي، فالأولى تمنع الأسرة من السقوط، بينما تجعلها الثانية قادرة على الاستغناء عن المساعدة مستقبلًا.
وقال إنه يؤيد الدعم النقدي المباشر، خصوصًا عند إصلاح دعم الوقود والطاقة، لكن يجب أن يترافق ذلك مع التعليم والتدريب، وتمويل المشروعات الصغيرة، وائتمان حقيقي للقطاع الخاص، وإزالة العوائق أمام الاستثمار، وخلق وظائف منتجة.
وأشار إلى أن برنامج الغذاء العالمي نفسه انتقل في ليبيا من المساعدة المباشرة فقط إلى برامج المرونة وسبل العيش والتدريب المهني والمشروعات الصغيرة.
وحول ما تحتاجه ليبيا لبناء قاعدة بيانات دقيقة لتوجيه الدعم، قال بي إن البلاد تحتاج أولًا إلى رقم وطني واحد كأساس للهوية الاقتصادية والاجتماعية، ثم ربط قواعد البيانات الحكومية به.
وأوضح أن المنظومة يجب أن تشمل عدد أفراد الأسرة، والإقامة الفعلية، والمرتبات والمعاشات، والضمان الاجتماعي، والحسابات المصرفية ضمن الضوابط القانونية، والسجل التجاري، والعقارات، والسيارات، والإعاقة والأمراض المؤثرة اقتصاديًا، والتعليم، والبطالة.
وشدد على ضرورة تحديث البيانات باستمرار وليس مرة كل عشر سنوات، معتبرًا أنه لا يوجد مبرر لانتظار اكتمالها بنسبة 100%، إذ يمكن البدء بتحويل واسع، ثم خلال سنتين أو ثلاث تحسين الاستهداف واستبعاد القادرين تدريجيًا.
وقال بي إن جوهر المسألة بالنسبة إليه ليس كيف نجد الفقير فقط، بل كيف نعيد بناء علاقة المواطن بثروته.
وأوضح أن ليبيا بلد نفطي، وأن الريع العام ملك للمجتمع من حيث المبدأ، لكن المشكلة أن هذا الريع يعاد توزيعه، بحسب رأيه، عبر قنوات غير متكافئة، تشمل مرتبات حكومية ضخمة لا ترتبط دائمًا بالإنتاجية، ودعمًا سلعيًا يستفيد منه الأكثر استهلاكًا، وفوارق سعر صرف تصنع ريعًا لمن يستطيع الوصول إلى الدولار الرسمي.
وأكد أن الإصلاح الاجتماعي الحقيقي ليس زيادة الإعانات فقط، بل تحويل نظام توزيع الريع من دعم السلعة والوظيفة غير المنتجة وفارق السعر إلى المواطن نفسه، وإلى الخدمات العامة والاستثمار والإنتاج.
وختم بي بالقول: الليبي ليس فقيرًا في الثروة؛ لقد أُفقرت قوته الشرائية بسبب الطريقة التي أُديرت ووزعت بها هذه الثروة.
The post الفجوة السعرية والتضخم «سرقة مشرعنة».. كيف تفقد راتبك كاملاً قبل أن تشتري به شيئاً في ليبيا؟ appeared first on عين ليبيا | آخر أخبار ليبيا.

