الماضي يلاحقُنا أم نهرب إليه؟

0
6

دوائرُ حلزونيةٌ تعجُّ بالغبار، وتتلوى فيها الأفكار. مجلداتٌ ضخمةٌ تملأ المكتبات، وتزيّنُ الصالوناتِ الفسيحةَ الفخمة. الماضي يتكدَّس صامتاً في البيوت، لكنَّه حاضرٌ في الرؤوس. زمنٌ رحلَ وغابَ في غياهبَ ردمتها تطوراتٌ فكريةٌ وعلميةٌ وتغييراتٌ سياسيةٌ واقتصاديةٌ عالمية. هناك أنماطٌ مختلفة من التطوير والتقدم شهدتها بلدانٌ عديدةٌ في قارات مختلفة. المنطقة التي تُسمَّى العالم العربي، فيها كثيرٌ من المتشابه وكذلك المختلف. بها بلدانٌ تتحرَّك بسرعات مختلفة نحو المستقبل، وبها كياناتٌ أخرى استمرأت النَّومَ في خنادق الماضي السحيق، تصنعُ من أحلامَها الرمادية، دنيا لا ترى ولا تسمع ولا تفكر. التقنيةُ الحديثةُ التي أبدعها العقلُ الإنساني، لا تُوظّف لقدحِ قوة العقل، ولفتح ثقوبٍ في جدار التَّخلف، والولوجِ إلى الوجود الذي تحيا فيه البشرية المتنورة الناهضة. في كل ساعةٍ تعجُّ الأخبارُ بالاختراعات العلمية والتقنية الجديدة، على الأرض وفي الفضاء.

الذكاء الاصطناعي صار عقلاً جبَّاراً مضافاً، إلى قوة التفكير وأدوات العمل، وأصبحَ ينذر بأن يتحوَّلَ إلى كائنٍ يفلت من سيطرة البشر. البحثُ العلمي تُخصَّص له ميزانياتٌ ضخمة، والجامعاتُ معاملُ لتكوين أجيال، مؤهلةٌ لقيادة مجتمعاتها نحوَ النّهوض والتقدم. المكتبات تستقبل يومياً عشرات المؤلفات العلمية والفكرية، بكل اللغاتِ تُدرّس وتحلل ما تشهده المجتمعات من ظواهر ومشاكل اجتماعية، وتقدم حلولاً لها. ندواتٌ علميةٌ وفكرية يشارك فيها علماء متخصصون في العلوم السياسية والاقتصادية والاجتماعية، يتبادلون الآراء والأفكار حول قضايا حيَّة، تحتاج إلى معالجات تؤسس على العلم. التقنية تسابقُ نفسها في جميع المجالات، ففي الطب لا تطفئ المعامل ومراكزُ البحوث أضواءَها، حيث يسهر الباحثون من أجل الوصول إلى الأدوية التي تعالج الأمراضَ المستعصية. في نهاية كلّ سنةٍ تحبسُ الملايينُ من البشر أنفاسَها، انتظاراً للإعلان عن أسماء الفائزين بجائزة نوبل للعلوم، والعربُ لا ينشدُّون إلا إلى بعض الأسماء المتكررة التي تحلم، بنيل تلك الجائزة، في مجال الأدب.

حتى التقنيةُ التي اخترعتها العقولُ المتنوّرة، يوظفُها النائمون في حفر الماضي السحيق، للملاكمة على حلبةِ اللغو فيما يُسمَى المناظرات، على شاشات التلفزيونات واليوتيوب وغيرها يتنابز فيها، من يُوصفون بالعلماء بلغة متحجرة، ويتقاذفون بحجارةٍ قُدّت من جبال ابتلعها الماضي. قضايا عاشت في قرونٍ غبرت، ولا تقدم حلولاً لما نعانيه اليوم، من كوارث ودماء واستباحة للأرض، وطوفان التخلف الذي لا يهدأ، إلا لكي يعبئ أمواج رياحه، بحرائق أقوى. معاركُ تقاتل فيها العربُ والمسلمون، منذ قرون غبرت، يجرد لها المتناظرون سيوفَ ألسنتهم، ويعيدون خوض تلك المعارك، ويستحضرون ما كتبه أو قاله الغابرون. المذاهبُ والطوائفُ والجماعات وما كان من الصراعات، هي الحاضر الحيُّ في مناظراتهم. شيوخٌ لا يقرأون الفلسفة والعلوم ولا دراية لهم بالسياسة والاقتصاد والرياضة، لكن في كل يوم لهم إطلالاتٌ على وسائل التواصل الاجتماعي، يعارضون هذا ويؤيدون ذاك، وكل ما يصنع قفازات ملاكمتهم، هي أقوال وكتابات نساها النَّاس، ولا يتذكرها سواهم، لكنَّهم يحوّلونها إلى قداحاتٍ تشعل الفتنَ والخلاف. لا نسمع منهم ما يحفّز الشبابَ على اقتحام دنيا العلوم، في الطبِ والصناعة والزراعة والهندسة والكهرباء والبحث العلمي. التَّاريخ ليس أكلات يجترُّها البشر، لكنَّه حلقاتُ حياةٍ عاشَها بنو البشر في أزمان مضت، يعود إليها الدَّارسون المتخصصون، ليستلُّوا منها عبراً تَقدحُ قدراتِ العقل، والدين لا يُستحضر ليكون حطباً يغذي الحرائق. البلدانُ المسيحية بمذاهبها الأرثوذكسية والكاثوليكية والبروتستانتية، وما يتفرّع عنها من طوائف مختلفة، تشترك في عضويةِ الاتحاد الأوروبي، ولا نشاهدُ على شاشاتِ تلفزيوناتهم أو وسائل التواصل الاجتماعي في بلدانهم، مناظراتٍ يتبادلونَ فيها التنابز والملاكمة الكلامية، ولكنَّها تكون محفلاً لتوسيع آفاق التعاون، وترسيخِ السَّلام الاجتماعي، وتكريسِ الحرية وحقوق الإنسان، وتطويرِ قدراتِ البشر بالعلم وسيادة القانون. ما كتبه الأقدمون أو قالوه، كانَ إجابات لأسئلة فرضها زمانهم، واجتهدوا لاجتراح إجابات لها، اتَّفقوا واختلفوا، وكلُّ مجتهد كانَ ابنَ زمانِه وبيئته السياسية والاجتماعية والاقتصادية.

في عالم اليوم بما فيه من وسائل تواصل واتصالات، وجامعات، وكتبٍ ودوريات علمية، ومشاكلَ وتحدياتٍ لا تغيب، لا مناصَ من اجتهادات في جميع المجالات، ولكن بعقولٍ ومؤهلات بنات وأبناء زمنِها. من كانَ يفكر لزمنٍ ومجتمعٍ كانَ يستعمل الدواب، في تنقُّلِه ويعالج المرضى بالكيّ والرقيةِ، ويكتب على جلودِ الحيوانات، ويقرأ الكفَّ والفنجانَ ويستعينُ بالسحر، والقتال بالسيوف والرماح، كيف يمكنُه أن يكونَ هادياً أو مستشاراً لزمن القطاراتِ والطائراتِ والمستشفياتِ الحديثة، والأدويةِ التي لا تتوقَّف البحوثُ العلمية، عن الاستثمار الضخم في تطويرها؟ عددُ سكان العالم الذي تخلَّقت فيه اجتهاداتٌ قديمةٌ مختلفة، لا يتجاوزُ عددَ سكانِ مدينةٍ كبيرة في عالم اليوم، وأساليبُ إدارةِ الأمم تغيَّرت. علينَا اليوم أن نختارَ بين الخروج من قمقم الزَّمنِ الغابر، أو أن نعبرَ إلى الدنيا الجديدة، بعقلٍ وعلمٍ وفكرٍ من إبداع زمننا.

The post الماضي يلاحقُنا أم نهرب إليه؟ appeared first on عين ليبيا | آخر أخبار ليبيا.