Site icon bnlibya

المشهد السياسي الليبي.. لا جديد ولا قديم يُعاد

نعتقد أن الأزمة الليبية لم تعد غامضة على أحد، كما أن ملامح الحل باتت واضحة في وجدان أغلب الليبيين. غير أن التذكير بها يظل ضرورة، ليس من باب التكرار، بل في إطار محاولة جادة لخلق رأي عام واعٍ يدفع باتجاه التغيير. لذلك، لا نمل إعادة طرح الواقع كما هو، بلغة صريحة يفهمها الليبيون الشرفاء، أصحاب هذا الوطن.

ولا يمكن فهم ما يجري اليوم دون العودة إلى الجذور، بعيدًا عن اختزال الأزمة في ما بعد 2011 فقط. فمنذ الاستقلال عام 1951، ثم توحيد الدولة سنة 1963، واجهت ليبيا تحديات كبيرة، من ضعف الإمكانيات إلى التباعد الجغرافي والوجود الأجنبي. ورغم ذلك، يبقى السؤال قائمًا: هل وُضعت أسس حقيقية لدولة مؤسسات، أم كانت مجرد إدارة مرحلية لواقع هش؟

أما مرحلة 1969، فقد مثلت تحولًا جذريًا، لكنها لم تُفضِ إلى بناء نظام سياسي أو اقتصادي مستقر. وعلى الرغم من الاستقرار الأمني النسبي آنذاك، فإن غياب المؤسسات الفاعلة، والاقتصاد المنتج، والوعي السياسي، جعل الدولة عرضة للانهيار مع أول اختبار حقيقي.

ما حدث في 2011 لم يكن مجرد تغيير سياسي، بل انفجارًا لتراكمات طويلة، حيث تحولت مطالب مشروعة إلى صراع مفتوح، ووجد التدخل الخارجي فرصته في هشاشة الداخل، في ظل غياب قيادة وطنية موحدة تحمل مشروعًا واضحًا. كما برز صراع أيديولوجي مدعوم من أطراف خارجية، زاد من تعقيد المشهد.

الأخطر أن هذه المرحلة أفرزت واقعًا جديدًا تمثل في انتشار السلاح خارج إطار الدولة، وصعود المليشيات، وإقصاء الكفاءات، وتغليب منطق القوة على منطق المؤسسات. ولم يعد الصراع من أجل بناء الدولة، بل من أجل السيطرة على مفاصلها.

وفي هذا السياق، تبدو الأزمة الليبية في جوهرها أزمة وعي قبل أن تكون أزمة سلطة. فغياب ثقافة الدولة، وضعف إدراك مفهوم القانون، واستمرار الاقتصاد الريعي، كلها عوامل ساهمت في تعميق الأزمة. كما أن النخب التي كان يُفترض أن تقود المرحلة، إما غابت أو أُقصيت، ما فتح المجال أمام قوى لا تمتلك مشروعًا وطنيًا جامعًا.

حتى التجارب التي كان يُفترض أن تؤسس لمسار ديمقراطي، مثل انتخابات 7 يوليو 2012، جاءت في بيئة غير مهيأة، فكانت بدايات مرتبكة لم تُفضِ إلى استقرار حقيقي.

أما على المستوى الدولي، فإن حضور الأمم المتحدة في ليبيا لم ينجح في فرض حل شامل، بل اقتصر في كثير من الأحيان على إدارة الأزمة، من خلال مسارات حوار تقوم على التوازنات أكثر من اعتمادها على الكفاءة، في ظل غياب إرادة دولية حاسمة لإنهاء حالة الانقسام.
ومن زاوية أخرى، يظل الجنوب الليبي عنصرًا استراتيجيًا بالغ الأهمية، سواء من حيث الموقع أو الموارد أو العمق الأمني. وقد أظهرت بعض المراحل أن استقراره ينعكس مباشرة على استقرار البلاد، خاصة في ظل التحديات المرتبطة بالحدود والتهديدات الإقليمية.

وفي خضم هذا المشهد المعقد، لا يمكن إنكار ما حققته القيادة العامة للقوات المسلحة من إنجاز يُحسب في مسار بناء الدولة، من خلال تأمين مساحات واسعة من البلاد، خاصة في الشرق والجنوب، وضبط الحدود، ومكافحة الجماعات المسلحة، إلى جانب إطلاق مشاريع تنموية وإعادة الإعمار.

هذا الواقع يؤكد أن الأمن ليس خيارًا، بل شرط أساسي لقيام الدولة. ولولا هذا الدور، لكانت الفوضى قد امتدت إلى كامل التراب الليبي، وهو ما يفرض قراءة منصفة بعيدًا عن الاصطفافات السياسية، تقوم على تقييم الإنجاز بما يخدم مصلحة الوطن.

اليوم، تقف ليبيا أمام سؤال مصيري: هل نحن مستعدون فعلًا لبناء دولة؟

ففي ظل الانقسام السياسي، وانتشار السلاح، وتفشي الفساد، وتدهور الأوضاع الاقتصادية، يصبح أي مشروع وطني عرضة للفشل ما لم يُبنَ على وعي حقيقي وإرادة صادقة.

الديمقراطية ليست مجرد صناديق اقتراع، بل ثقافة وسلوك. وفي الحالة الليبية، تم توظيفها كشعار أكثر من كونها مشروعًا، ما أدى إلى تراجع الثقة بها لدى المواطنين. ومع تصاعد الإحباط، بدأ البعض يميل إلى فكرة “السلطة القوية” كبديل للفوضى، وهو توجه يعكس عمق الأزمة أكثر مما يقدم حلًا نهائيًا لها.

وفي ختام هذا الطرح، نقول لكل من يعتقد بإمكانية العودة إلى الماضي: إن اختزال ما حدث في كونه مجرد خطأ أو مؤامرة هو تبسيط مخلّ بالواقع. ما جرى كان نتيجة تراكمات طبيعية، فرضتها أخطاء الماضي قبل الحاضر. ومن هنا، فإن التحلي بالواقعية والتجرد يقتضي الاعتراف بهذه الحقيقة، ولو على مستوى المراجعة الذاتية. فدوركم لا يمكن إنكاره، وأنتم جزء فاعل من هذا الوطن، دون إقصاء، لكن البداية الحقيقية تكون بالمصارحة والاعتراف.

وفي المقابل، نقول لمن لا يزال يوظف فبراير كذريعة لتحقيق مكاسب جهوية أو حزبية أو مناطقية: لقد أدرك الليبيون حقيقة ما يجري، ولم تعد هذه الشعارات تنطلي عليهم. فعودوا إلى رشدكم، واستفيدوا من دروس المرحلة، ومن تجربة الثوار الحقيقيين الذين قدموا ما عليهم، ثم عادوا إلى حياتهم، مساهمين في بناء المجتمع بعيدًا عن استثمار الفوضى.

ليبيا لا تحتمل مزيدًا من المراوغة… بل تحتاج إلى صدق في النوايا، وجرأة في الاعتراف، وإرادة حقيقية لبناء دولة يتسع فيها الجميع.

The post المشهد السياسي الليبي.. لا جديد ولا قديم يُعاد appeared first on عين ليبيا آخر أخبار ليبيا.