يثير ملف الهجرة غير المشروعة والوجود الأجنبي داخل ليبيا نقاشًا متجددًا كلما ظهرت برامج أو أنشطة أو مبادرات تتعلق بتقديم خدمات للأجانب أو التعامل معهم داخل الأراضي الليبية، غير أن معالجة هذه المسألة ينبغي أن تنطلق من المرجعية القانونية الوطنية النافذة، لا من الاعتبارات السياسية أو الإعلامية أو الانطباعات العامة وحدها، لأن احترام دولة القانون يقتضي الاحتكام إلى النصوص التشريعية القائمة بوصفها التعبير الرسمي عن الإرادة الوطنية.
وقد أعادت بعض الوقائع المتداولة مؤخراً بشأن التواصل مع جهات تجارية وصحية لتقديم خدمات لفئات من الأجانب إثارة هذا النقاش من جديد، دون الخوض في تقييم قانونية تلك الوقائع أو نسبتها إلى جهة بعينها، وهو ما يبرز أهمية التمييز بين العمل الإنساني المشروع وبين الأنشطة التي قد يترتب عليها عملياً خلق أوضاع مستقرة أو دائمة تتعارض مع السياسة التشريعية التي انتهجها المشرع الليبي.
وحتى الآن، لا يوجد في ليبيا قانون وطني متكامل ينظم اللجوء ويحدد إجراءات منح صفة اللاجئ وآثارها القانونية والحقوق والالتزامات المترتبة عليها، الأمر الذي يجعل الإطار القانوني الحاكم لوجود الأجانب داخل البلاد مستندًا أساسًا إلى التشريعات المنظمة لدخول الأجانب وإقامتهم، وعلى رأسها القانون رقم (19) لسنة 2010 بشأن مكافحة الهجرة غير المشروعة، والقانون رقم (24) لسنة 2023 بشأن مكافحة توطين الأجانب في ليبيا.
وقد جاء القانون رقم (19) لسنة 2010 ليؤكد أن الدخول إلى الأراضي الليبية أو الإقامة فيها بالمخالفة للقوانين والضوابط المنظمة يعد فعلاً غير مشروع يرتب مسؤولية قانونية، كما جرم المشرع صورًا متعددة من الأفعال المرتبطة بالهجرة غير المشروعة، بما في ذلك تسهيل الدخول أو النقل أو الإيواء أو تقديم المساعدة التي تمكن المخالفين من الاستمرار في وضع غير مشروع داخل البلاد. ويعكس ذلك بوضوح إرادة المشرع الليبي في التعامل مع الهجرة غير المشروعة باعتبارها مسألة قانونية وأمنية وسيادية في آن واحد.
ويبدو من استقراء أحكام القانون رقم (24) لسنة 2023 بشأن مكافحة توطين الأجانب في ليبيا أن المشرع الليبي لم يكن يستهدف فقط مكافحة المخالفات الفردية المتعلقة بوجود الأجانب، وإنما مواجهة ما اعتبره مخاطر ذات طابع ديموغرافي وسيادي قد تترتب على تحول ليبيا من دولة عبور إلى دولة استقرار دائم. ومن هنا جاء القانون ليؤسس منظومة قانونية متكاملة لمكافحة التوطين وتجريم الأفعال التي تسهم بصورة مباشرة أو غير مباشرة في تحقيق هذه الغاية.
فقد عرفت المادة الأولى من القانون التوطين بأنه العمل على إدخال الأجانب إلى ليبيا بقصد البقاء فيها واتخاذها موطنًا دائمًا لهم، كما اعتبرت من قبيل التوطين إعادة الأجانب إلى ليبيا بعد خروجهم واجتيازهم الإقليم الليبي. ويكشف هذا التعريف عن إرادة تشريعية واضحة في منع أي سياسات أو ممارسات أو ترتيبات من شأنها تحويل ليبيا إلى فضاء للاستقرار الدائم للأجانب خارج الأطر القانونية التي تقررها الدولة. ولا يقتصر مدلول التوطين وفق هذا المفهوم على منح الجنسية أو الإقامة الدائمة، وإنما يمتد إلى كل فعل أو ترتيب أو سياسة تؤدي عملياً إلى تحقيق الاستقرار الدائم للأجانب داخل الإقليم الليبي بالمخالفة للإرادة التشريعية للدولة.
كما استحدث القانون في مادته السادسة نظام الكفيل الليبي، وجعل وجود كفيل مسؤول عن الأجنبي أحد الآليات القانونية المنظمة لوجوده داخل البلاد، بما يعكس رغبة المشرع في إحكام الرقابة القانونية والإدارية على هذا الملف. ومنحت المادة السابعة للقضاء سلطة إبعاد الأجنبي الذي يثبت دخوله بقصد التوطن، كما أجازت إبعاد الممثل القانوني للشخص الاعتباري الذي يثبت تورطه في الأفعال المجرمة بموجب القانون. وهو ما يدل على أن المشرع لم يكتف بتجريم الفعل بعد وقوعه، وإنما سعى إلى إنشاء منظومة وقائية ورقابية تحول دون نشوء أوضاع تؤدي إلى التوطين أو تسهّل استمراره.
والأهم من ذلك أن القانون لم يقصر نطاق التجريم على الأجنبي ذاته، وإنما وسع دائرة المسؤولية لتشمل كل من يساهم في تحقيق غرض التوطين أو يسهل الوصول إليه. فجرم صورًا متعددة من الأفعال المرتبطة بتمكين الأجانب من الاستقرار أو البقاء بصورة تؤدي إلى تحقيق غاية التوطين، ورتب على ذلك عقوبات جنائية تشمل الحبس والغرامة، فضلًا عن الجزاءات المقررة بحق الأشخاص الاعتبارية المخالفة.
ومن هنا تبرز أهمية التمييز بين العمل الإنساني المشروع وبين الأفعال التي قد تترتب عليها نتائج قانونية تتعارض مع مقاصد المشرع. فالعبرة في التكييف القانوني لا تتحدد بالتسمية التي تطلقها الجهات القائمة على النشاط على برامجها أو مشاريعها، وإنما بحقيقة الآثار القانونية والواقعية المترتبة عليها. فليس كل ما يوصف بأنه نشاط إنساني أو إغاثي أو خدمي يخرج تلقائيًا من نطاق الرقابة القانونية، بل يتعين النظر إلى ما إذا كانت نتائجه تؤدي عمليًا إلى تثبيت وجود الأجانب أو تشجيع الاستقرار الدائم أو خلق أوضاع واقعية تفضي إلى التوطين.
ومن ثم فإن جوهر الإشكالية لا يكمن في تقديم دواء أو خدمة أو مساعدة إنسانية عارضة لشخص محتاج، وإنما في تحول هذه الخدمات إلى آلية مستمرة تساهم بصورة مباشرة أو غير مباشرة في تمكين الأجانب من البقاء والاستقرار داخل الإقليم الليبي، أو في خلق بيئة جاذبة لمزيد من تدفقات الهجرة غير الشرعية ، بما يفضي في النهاية إلى النتائج التي استهدف المشرع الليبي منعها من خلال قانون مكافحة الهجرة غير المشروعة وقانون مكافحة توطين الأجانب.
كما أن تنظيم دخول الأجانب وإقامتهم وإبعادهم يعد من صميم مظاهر سيادة الدولة على إقليمها، وهو من المسائل التي يقر القانون الدولي ذاته بأنها تدخل في نطاق الاختصاص الداخلي للدول. ومن ثم فإن رسم سياسات الهجرة، وتحديد ضوابط الإقامة، وإدارة الملفات المرتبطة بالأمن الديموغرافي والسكاني، تظل اختصاصات سيادية أصيلة لا يجوز أن تحل فيها أي جهة أجنبية أو منظمة دولية أو غير حكومية محل السلطات الوطنية المختصة.
ولا تقتصر مسؤولية الدولة في هذا المجال على ضبط الحدود ومكافحة الهجرة غير المشروعة فحسب، بل تمتد أيضًا إلى متابعة وتقييم ومراقبة الأنشطة والبرامج التي تنفذها الجهات المحلية والدولية ذات الصلة بهذا الملف، والتحقق من مدى اتساقها مع التشريعات الليبية ومقتضيات الأمن القومي والمصلحة العامة والسيادة الوطنية، واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة متى ثبت وجود تجاوز أو مخالفة أو خروج عن الأغراض المصرح بها.
ومن الناحية الواقعية، فإن ملف الهجرة غير الشرعية لم يعد مجرد ملف إداري أو خدمي، بل أصبح يرتبط ارتباطًا وثيقًا بمفاهيم الأمن القومي والأمن المجتمعي والأمن الديموغرافي. فالتوسع غير المنضبط في أعداد الأجانب المقيمين بصورة غير مشروعة ينعكس بصورة مباشرة على الخدمات الصحية والتعليمية والإسكانية والبنية التحتية وسوق العمل والموارد العامة والاستقرار الاجتماعي، وهي تحديات لا يمكن تجاهلها أو التقليل من آثارها.
وعليه، فإن تطبيق أحكام القانون رقم (19) لسنة 2010 والقانون رقم (24) لسنة 2023 لا يمثل مجرد خيار سياسي أو إداري، بل يعد التزامًا قانونيًا يقع على عاتق مؤسسات الدولة كافة، حمايةً للسيادة الوطنية، وصونًا للتركيبة السكانية، وضمانًا لحسن إدارة الموارد العامة، ومنعًا لفرض وقائع ديموغرافية أو قانونية جديدة خارج الأطر التي حددها المشرع الليبي.
وفي المقابل، فإن احترام الاعتبارات الإنسانية لا يتعارض مع احترام التشريعات الوطنية، بل إن التوازن بين مقتضيات السيادة ومتطلبات العمل الإنساني هو السبيل الأمثل لمعالجة هذا الملف. غير أن هذا التوازن يفقد معناه عندما تتحول المساعدات أو البرامج أو الأنشطة، بقصد أو بغير قصد، إلى وسائل تفضي عمليًا إلى خلق واقع دائم يتعارض مع السياسة التشريعية التي اختارتها الدولة الليبية وعبرت عنها بوضوح في قوانينها النافذة.
وختاما فإن حماية السيادة الوطنية لا تتحقق بالشعارات، كما أن العمل الإنساني لا يكتسب المشروعية بمجرد وصفه بأنه عمل إنساني. فالدولة القانونية الحديثة تقوم على خضوع الجميع للقانون، أفرادًا ومنظمات وجهات محلية ودولية. ومن ثم فإن أي معالجة جادة لملف الهجرة يجب أن تنطلق من احترام التشريعات الليبية النافذة وتفعيلها، مع تحقيق التوازن بين الواجبات الإنسانية المشروعة ومتطلبات الأمن القومي والسيادة الوطنية، بما يمنع فرض وقائع ديموغرافية أو قانونية جديدة خارج الإرادة التشريعية للدولة الليبية
The post الهجرة غير المشروعة والتوطين في ليبيا بين مقتضيات السيادة الوطنية والاعتبارات الإنسانية: قراءة في ضوء القانونين رقم (19) لسنة 2010 ورقم (24) لسنة 2023 appeared first on عين ليبيا آخر أخبار ليبيا.

