Site icon bnlibya

بدل المكملات.. ماذا لو عالج الخبز «نقص الحديد»؟

قد يتحول الخبز، أحد أكثر الأغذية حضورًا على موائد الناس، إلى وسيلة جديدة لتعزيز الحصول على الحديد في النظام الغذائي، بعدما طوّر باحثون في المركز الفيدرالي الروسي للأبحاث في مجال التغذية والتكنولوجيا الحيوية وسلامة الأغذية خميرة خبز مبتكرة غنية بالحديد والنحاس والمنغنيز.

ويعتمد الابتكار على إثراء الخميرة نفسها بالعناصر الدقيقة بدل إضافة الحديد مباشرة إلى الخبز بعد إنتاجه. ويقول الباحثون إن تركيبة الخميرة الجديدة صُممت بحيث تحل محل الخميرة التقليدية بالكامل في صناعة الخبز، مع الحفاظ على خصائص المنتج قريبة من الخبز المعتاد من حيث المذاق والمظهر.

وتقول إيلينا سوكولوفا، الحاصلة على درجة الدكتوراه في العلوم البيولوجية، إن الباحثين استخدموا «خميرة مبتكرة مضافًا إليها عناصر دقيقة: الحديد والنحاس والمنغنيز»، موضحة أن هذه العناصر اختيرت «بنسب مثالية لاستبدال الخميرة التقليدية المستخدمة في الإنتاج بشكل كامل»، وفق وكالة سبوتنيك.

ويرى الباحثون أن القيمة الأساسية للابتكار تكمن في إمكانية استخدام الخبز الناتج ضمن برامج التغذية العلاجية والوقائية، خصوصًا البرامج المرتبطة بفقر الدم الناتج عن نقص الحديد، مع ارتباط الكمية المستهلكة بالتأثير الغذائي المتوقع.

وتأتي الفكرة في سياق أوسع من الاهتمام العلمي بتدعيم الأغذية الأساسية بالحديد، إذ تعتبر منظمة الصحة العالمية تدعيم الأغذية بالفيتامينات والمعادن تدخلًا قائمًا على الأدلة ويمكن أن يساعد في الوقاية من نقص المغذيات الدقيقة والحد منه. وتوصي المنظمة بالنظر في تدعيم دقيق القمح عندما يستهلكه عدد كبير من السكان بصورة منتظمة.

والخبز تحديدًا يمثل وسيلة جذابة لهذا النوع من التدعيم، لأنه غذاء أساسي يستهلكه الناس بصورة متكررة، ما يسمح بإيصال العناصر الغذائية إلى شريحة واسعة من السكان دون الحاجة إلى تغيير العادات الغذائية اليومية بصورة كبيرة.

وتدعم مجموعة من الدراسات المنهجية فكرة استخدام الدقيق والأغذية المدعمة بالحديد لتحسين مؤشرات الحديد في الجسم. فقد راجعت دراسة منهجية وتحليل تلوي نُشرا عام 2019 بيانات 52 مقالًا شملت 94 تجربة حول تدعيم أنواع مختلفة من الدقيق بالحديد، ووجد الباحثون في التجارب المضبوطة ارتفاعًا ملحوظًا في متوسط الهيموغلوبين والفيريتين، إلى جانب انخفاض معدلات فقر الدم ونقص الحديد وفقر الدم الناجم عن نقص الحديد.

وفي مراجعة منهجية أخرى شملت 60 تجربة عشوائية وشبه عشوائية، ارتبط تناول الأغذية المدعمة بالحديد بزيادة ملحوظة في الهيموغلوبين والفيريتين، إلى جانب انخفاض خطر الإصابة بفقر الدم ونقص الحديد. وأشارت الدراسة في الوقت نفسه إلى وجود تفاوت بين نتائج التجارب بحسب طبيعة التدخلات وجودتها.

كما تناولت مراجعة منهجية أقدم برامج تدعيم دقيق القمح بالحديد، ووجدت أدلة على انخفاض فقر الدم في بعض المجموعات وتحسن مؤشرات مخزون الحديد لدى بعض الفئات، لكنها وصفت الأدلة المتعلقة بتراجع انتشار فقر الدم بأنها محدودة، ما يبرز أهمية اختلاف النتائج بحسب البرنامج والسكان ومستوى الالتزام بالتدعيم.

وتشير منظمة الصحة العالمية أيضًا إلى أن تدعيم دقيق القمح بالحديد يمكن أن يساعد في الحد من فقر الدم على مستوى السكان، لكن نجاح برامج التدعيم يعتمد على عوامل عدة، من بينها كمية الحديد المضافة، ومدى توافره الحيوي، واستهلاك الدقيق المدعم، وقدرة الأنظمة الغذائية والإنتاجية على إيصال المنتج إلى الفئات المستهدفة.

وفي حالة الابتكار الروسي، لا تكمن الفكرة في إنتاج خبز مختلف جذريًا، وإنما في تغيير نقطة إضافة العناصر الغذائية. فبدلًا من التعامل مع الخبز بعد تصنيعه، استخدم الباحثون خميرة مصممة لتحتوي على الحديد والنحاس والمنغنيز، بحيث تدخل العناصر الدقيقة إلى عملية إنتاج الخبز من خلال مكون أساسي في الوصفة.

ويعد الحفاظ على طعم الخبز وشكله تحديًا رئيسيًا أمام أي محاولة لتدعيم الأغذية، لأن إضافة المعادن والفيتامينات يمكن أن تؤثر في اللون أو الرائحة أو المذاق أو القوام، وهي عوامل تحدد مدى تقبل المستهلك للمنتج.

ولهذا تعاون الباحثون مع معهد أبحاث صناعة المخبوزات لإنتاج دفعة تجريبية من الخبز واختبار خصائصها الحسية.

ووفق إيلينا سوكولوفا، كانت الخصائص الحسية للخبز الناتج شبه مطابقة للخبز التقليدي، مع ملاحظة أن اللب كان أغمق قليلًا، إلى جانب وجود مذاق حامض خفيف، لكنها أوضحت أن هذه الاختلافات لم تؤثر بصورة ملحوظة في الخصائص الرئيسية للمنتج.

وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة في مجال الأغذية الوظيفية، لأن نجاح المنتج لا يعتمد فقط على قيمته الغذائية، بل أيضًا على قدرة المستهلكين على إدخاله في نظامهم الغذائي من دون الشعور بأنهم أمام طعام مختلف تمامًا عن المنتجات التي اعتادوا تناولها.

وتتوافق هذه الفكرة مع توجهات بحثية أوسع حول تدعيم الخبز، إذ خلصت مراجعة منهجية للتجارب السريرية إلى أن عددًا من دراسات تدعيم الخبز بالفيتامينات والمعادن والعناصر الغذائية الأخرى أظهر فوائد صحية، مع التأكيد على أن جودة الأدلة تختلف بحسب نوع التدعيم والتدخل والفئة المستهدفة.

كما تدرس الأبحاث الحديثة العلاقة بين تخمير الخبز وتوافر الحديد الحيوي. وتشير مراجعة منهجية منشورة في 2026 إلى أن عمليات التخمير يمكن أن تقلل مركبات مثل الفيتات التي ترتبط بالمعادن وتؤثر في امتصاص الحديد، لكن الأدلة البشرية طويلة الأمد لا تزال غير متسقة، ما يعني أن الجمع بين التخمير والتدعيم بالحديد يحتاج إلى تقييم سريري أكثر قوة قبل استخلاص نتائج نهائية.

وتؤكد منظمة الصحة العالمية أن تدعيم الأغذية الأساسية ليس بديلًا عن معالجة جميع أسباب فقر الدم، إذ يمكن أن ترتبط الحالة أيضًا بنقص عناصر غذائية أخرى أو أمراض والتهابات ومشكلات صحية مختلفة. لذلك يعتمد التعامل مع فقر الدم على تحديد سببه والفئة المستهدفة وطبيعة التدخل الغذائي المناسب.

ويأمل الباحثون الروس في نقل الخبز الجديد من المرحلة التجريبية إلى الإنتاج بكميات كبيرة، مع تركيز أولي على استخدامه كغذاء علاجي ووقائي في المراكز الطبية.

وتتجاوز الفكرة بذلك مجرد إنتاج خبز غني بالمعادن، إذ يسعى الباحثون إلى تطوير أغذية وظيفية يمكن دمجها في النظام الغذائي المعتاد، بما يقلل الحاجة إلى تغيير العادات الغذائية من أجل الحصول على عناصر دقيقة إضافية.

ولا يتوقف المشروع عند الحديد والنحاس والمنغنيز، إذ يدرس الباحثون أيضًا تركيبات من العناصر الغذائية الدقيقة يمكن استخدامها في أطعمة مخصصة للوقاية من داء السكري من النوع الثاني وعلاجه.

وبينما يمثل الابتكار خطوة واعدة في مجال الأغذية الوظيفية، فإن الانتقال من الخبز التجريبي إلى استخدام علاجي أو وقائي واسع يتطلب تقييمات إضافية تحدد كمية العناصر التي تصل إلى المستهلك، ومدى توافرها الحيوي، وتأثير الاستهلاك المنتظم، فضلًا عن إثبات الفعالية والسلامة لدى الفئات المستهدفة.

وتشير الأدلة المتراكمة حول تدعيم الأغذية إلى أن الخبز والدقيق يمثلان بالفعل وسيلة مهمة لإيصال المغذيات الدقيقة إلى السكان، لكن نجاح أي منتج جديد يعتمد على الجمع بين القيمة الغذائية، والجرعة المناسبة، والسلامة، والقدرة على الإنتاج والتوزيع، وقبول المستهلك.

وفي حال نجحت المراحل المقبلة من التطوير والتقييم، يمكن أن يصبح الخبز المدعم بالخميرة الغنية بالعناصر الدقيقة نموذجًا جديدًا للأغذية اليومية المصممة لأداء وظيفة غذائية إضافية، بحيث يبقى المنتج مألوفًا للمستهلك، بينما تتغير قيمته الغذائية من الداخل.

The post بدل المكملات.. ماذا لو عالج الخبز «نقص الحديد»؟ appeared first on عين ليبيا | آخر أخبار ليبيا.

Exit mobile version