بولس: لا حل عسكري في السودان وواشنطن تدفع نحو «حكم مدني»

0
6

دخلت الحرب السودانية مرحلة متشابكة تجمع بين استمرار العمليات العسكرية في إقليم كردفان، وتحرك أميركي جديد للدفع نحو هدنة إنسانية تمهّد لوقف إطلاق النار، بالتزامن مع تصاعد مخاطر رحلة السودانيين الفارين من الحرب عبر ليبيا إلى أوروبا، وفق بيانات وتصريحات رسمية وأممية.

وأعلن الجيش السوداني، الأحد، إسقاط طائرة مسيّرة «معادية» من طراز «FH-95» في منطقة الكوكيتي بولاية شمال كردفان، وقال في بيان مقتضب إن دفاعاته الجوية أسقطت الطائرة خلال اليوم نفسه.

ولم يحدد الجيش الجهة التي أطلقت المسيّرة، بينما تشير تقارير سابقة إلى استخدام قوات الدعم السريع هذا الطراز في هجمات داخل السودان، في وقت لم يصدر عنه تعليق على الإعلان الأخير.

وكان الجيش السوداني قد أعلن خلال أغسطس إسقاط 3 طائرات مسيّرة من طراز «FH-95» في شمال كردفان، فيما أظهرت إعلانات سابقة إسقاط مسيّرات من الطراز نفسه في مناطق أخرى خلال يونيو ويوليو الماضيين. وتعد الطائرة صينية الصنع، ومصممة لمهام الاستطلاع والمراقبة والحرب الإلكترونية، مع قدرة على التحليق لأكثر من 12 ساعة.

وتشهد ولايات شمال كردفان وغرب كردفان وجنوب كردفان مواجهات بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، في وقت تقول السلطات السودانية ومنظمات حقوقية إن قوات الدعم السريع تستهدف منشآت مدنية، بينما تقول القوات إنها تعمل على «حماية المدنيين».

وفي موازاة التصعيد الميداني، تتحرك واشنطن لدفع مسار سياسي يبدأ بهدنة إنسانية.

وقال كبير مستشاري الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس إن الولايات المتحدة تعمل بالتنسيق مع شركائها الإقليميين والدوليين على مسار جديد لإنهاء الحرب في السودان، يبدأ بهدنة إنسانية لمدة 3 أشهر، قبل الانتقال إلى وقف إطلاق النار ثم عملية سياسية تقود إلى حكم مدني.

وأوضح بولس، في مقابلة مع برنامج «نبض السودان» على «سكاي نيوز عربية»، أن الخطة الأميركية تقوم على وقف القتال لأغراض إنسانية، وضمان وصول المساعدات وحماية المدنيين، ثم الانتقال إلى وقف دائم لإطلاق النار وعملية سياسية تنتهي بحكم مدني وإعادة إعمار البلاد.

وقال بولس إن واشنطن تواصل الضغط على طرفي النزاع عبر أدوات عدة، بينها العقوبات التي تستهدف مسؤولين وجماعات وشركات خارجية تقول الولايات المتحدة إنها تقدم دعما للأطراف المتحاربة، إلى جانب التحرك في ملفات الذهب وتدفقات الأسلحة.

وأضاف أن استمرار الدعم العسكري الخارجي يمثل أحد أبرز العوامل التي تعرقل إنهاء الحرب، قائلا إن هذا الدعم «لم ينخفض بل ازداد»، ومؤكدا أن واشنطن تعمل مع الأطراف والشركاء المعنيين للحد من تدفقه.

وأكد المسؤول الأميركي تمسك بلاده بوقف الدعم العسكري الخارجي لجميع أطراف الحرب، مع الحفاظ على مؤسسات الدولة ووحدة السودان ورفض أي مسار يؤدي إلى تقسيم البلاد.

وفي وقت سابق، جدد بولس دعوة واشنطن إلى هدنة إنسانية لمدة 90 يوما، وقال إن الولايات المتحدة قدمت 375 مليون دولار إلى مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية وبرنامج الأغذية العالمي للعمل على إنقاذ الأرواح في السودان.

وأشار بولس إلى أن استخدام الطائرات المسيّرة على نطاق واسع غيّر طبيعة العمليات العسكرية، معتبرا أن الحرب أصبحت بدرجة كبيرة تعتمد على المسيّرات، وهو ما يدفع واشنطن إلى السعي لتوسيع نطاق حظر الأسلحة المفروض على دارفور بموجب قرار مجلس الأمن رقم 1591 ليشمل السودان بأكمله.

وتناقش دول مجلس الأمن المقترح الأميركي في هذا الشأن، وسط مواقف متباينة بشأن نطاق الإجراءات والعقوبات.

وفي الملف السياسي، قال بولس إن واشنطن ترى أن الحرب في السودان لا تملك حلا عسكريا، وإن المسار المطلوب يجب أن يقود إلى انتقال سلمي لحكم مدني بعيدا عن سيطرة الأطراف المسلحة.

وأوضح أن الولايات المتحدة لا تعترف رسميا بالحكومة السودانية الحالية، لكنها تتعامل معها باعتبارها سلطة أمر واقع، في حين لا تعترف بأي حكومة موازية وتعارض تقسيم السودان.

وأكد دعم واشنطن لحوار سوداني واسع ضمن المسار الذي ترعاه الأطراف الإقليمية والدولية، مشددا على ضرورة أن تكون العملية السياسية جامعة لأكبر قدر ممكن من القوى والمكونات السودانية.

وفي ملف الأسلحة الكيميائية، قال بولس إن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب راجعت التقييم الذي توصلت إليه الإدارة الأميركية السابقة بشأن استخدام الجيش السوداني أسلحة كيميائية، وخلصت إلى النتيجة نفسها.

وأوضح أن التعامل مع الملف أصبح مرتبطا بالمسار الخاص بمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية، مؤكدا استعداد الولايات المتحدة لتقديم الدعم التقني، ومشيرا إلى أن الجيش السوداني «must address this matter with the [OPCW]»، وفق ما نقلته تقارير عن المقابلة.

وكانت تصريحات سابقة لبولس قد تضمنت إعلان واشنطن توصلها إلى أدلة على استخدام الجيش السوداني أسلحة كيميائية ضد المدنيين.

وفي الجانب الإنساني، قال بولس إن الولايات المتحدة قدمت أكثر من 3 مليارات دولار من المساعدات الإنسانية للسودان منذ اندلاع الحرب، وإن واشنطن تواصل التنسيق مع الأمم المتحدة وبرنامج الأغذية العالمي واللجنة الدولية للصليب الأحمر ومنظمات إغاثية أخرى.

وتتحرك واشنطن في هذا المسار بالتنسيق مع مصر والسعودية والإمارات، إلى جانب قطر وتركيا وشركاء أوروبيين، بحسب بولس، الذي قال إن البداية المطلوبة تتمثل في هدنة إنسانية، يليها وقف إطلاق النار ثم تسوية سياسية تنهي الحرب.

وتتزامن هذه التحركات مع أزمة نزوح واسعة، فيما تشير بيانات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إلى أن عدد السودانيين اللاجئين وطالبي اللجوء حول العالم اقترب من 3.8 ملايين شخص بنهاية 2025، بينهم نحو 552 ألفا في ليبيا.

وبالتوازي مع النزوح إلى دول الجوار، تصاعدت حركة السودانيين باتجاه أوروبا عبر مسارات غير نظامية، خصوصا انطلاقا من ليبيا.

وكشفت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، في تقرير بعنوان «حركة السودانيين إلى أوروبا: ملفات التعريف والمسارات والتحديات على طول الطريق»، عن تعرض سودانيين لانتهاكات خلال الرحلة، بينها الاحتجاز والتعذيب والاستغلال في العمل والاتجار بالبشر، خصوصا على طرق العبور في ليبيا والبحر المتوسط.

وذكرت المفوضية أن 35 مشاركا في نقاشات أجريت في اليونان، بينهم طفل غير مصحوب بذويه، قالوا إنهم احتجزوا في ليبيا لفترات تراوحت بين أسبوعين و6 أشهر، فيما تحدث مشاركون في نقاشات مماثلة بإيطاليا وإسبانيا عن تجارب مشابهة.

وأظهر التقرير أن الحرب غيّرت مسارات حركة السودانيين نحو أوروبا، مع تنامي استخدام المسار الليبي ـ اليوناني.

وبحسب بيانات المنظمة الدولية للهجرة للفترة بين يناير ونوفمبر 2025، وصل 65% من السودانيين الذين دخلوا أوروبا عبر البحر والبر إلى اليونان، مقابل 31% إلى إيطاليا و4% إلى إسبانيا. كما رصدت المنظمة تعرض المهاجرين لمخاطر، بينها العنف الجسدي والعمل غير المدفوع والاحتجاز والسرقة.

وسجلت الدول الأوروبية وصول 7,161 سودانيا في 2023، قبل أن ينخفض العدد إلى 4,094 في 2024، ثم يرتفع إلى نحو 14,154 في 2025، بحسب البيانات الواردة في تقرير المفوضية.

وارتفعت حصة السودانيين من إجمالي الوافدين غير النظاميين إلى أوروبا من نحو 2 إلى 3% خلال الفترة بين 2021 و2024، إلى 9% في 2025، ثم إلى 12% خلال الربع الأول من 2026.

وأصبحت اليونان بلد الوصول الرئيسي للسودانيين في 2025، بعدما سجلت وصول 9,110 سودانيين، بزيادة تقارب 6 أضعاف مقارنة بعام 2024.

واستمر هذا الاتجاه خلال الربع الأول من 2026، بالتزامن مع افتتاح ممر جديد بين ليبيا وجزيرة كريت، بينما أصبحت ليبيا خلال 2025 نقطة الانطلاق لنحو 84% من السودانيين الذين وصلوا إلى أوروبا، وفق التقرير.

وتشير بيانات المنظمة الدولية للهجرة إلى أن الممر الليبي ـ اليوناني أسهم في تنويع طرق وصول السودانيين إلى أوروبا، مع استمرار المخاطر على امتداد الرحلة. وتؤكد بيانات المنظمة أن استخدام هذا المسار شهد توسعا ملحوظا بعد فتح الممر بين ليبيا واليونان.

ويغلب الرجال البالغون على تركيبة السودانيين الوافدين إلى أوروبا، إذ شكلوا خلال الفترة من 2021 إلى 2025 ما بين 81% و88% من إجمالي الوافدين، بينما تراوحت نسبة الأطفال غير المصحوبين بذويهم أو المنفصلين عن أسرهم بين 6% و15%.

ويختلف هذا التوزيع عن أنماط اللجوء السوداني في دول الجوار، حيث تشكل النساء والأطفال ما بين 71% و86% من إجمالي اللاجئين وطالبي اللجوء السودانيين، باستثناء ليبيا.

واستند تقرير المفوضية إلى بيانات الوافدين ومقابلات مع 173 سودانيا في جنوب شرق أوروبا خلال الفترة من يناير 2025 إلى يوليو 2026، إلى جانب نقاشات جماعية مركزة مع سودانيين في اليونان وإيطاليا وإسبانيا.

ومع استمرار الحرب منذ أبريل 2023، تتقاطع المسارات العسكرية والسياسية والإنسانية في المشهد السوداني، من معارك المسيّرات في كردفان، إلى المحاولات الأميركية لفرض هدنة تفتح الطريق أمام وقف إطلاق النار، وصولا إلى موجات النزوح التي تدفع آلاف السودانيين إلى طرق محفوفة بالمخاطر بحثا عن الأمان في دول الجوار وأوروبا.

The post بولس: لا حل عسكري في السودان وواشنطن تدفع نحو «حكم مدني» appeared first on عين ليبيا | آخر أخبار ليبيا.