تقف ليبيا اليوم عند مفترق طرق تاريخي وحرج للغاية، يضع مستقبل الدولة برمتها على المحك؛ حيث جاء التوقيع مؤخراً على اتفاق لجنة (4+4) تحت رعاية الأمم المتحدة ليشكل محاولة لكسر حالة الانسداد السياسي، والدفع باتجاه حسم بنود الترشح للانتخابات الرئاسية والبرلمانية، وتحديد آلية إعادة تشكيل السلطة التنفيذية، واختيار رئيس جديد للمفوضية العليا للانتخابات. غير أن هذا المسار الإيجابي على الورق تصادَم بسرعة مع عقبات الواقع الميداني والسياسي المعقد؛ حيث توالت الاعتراضات والتحفظات من قِبل أطراف نافذة في مجلس الدولة ومجلس النواب، يرافقها تحفظ رئيس المجلس الرئاسي ونائبه عن مدينة الزاوية عبد الله اللافي، في مقابل موافقة وتأييد نائبه عن الجنوب موسى الكوني، وهو ما يعكس عمق التباين وعدم انسجام الأطراف التنفيذية والسياسية في الغرب الليبي حول المخرجات التوافقية.
تزداد الصورة تعقيداً مع تعالي أصوات المجموعات والقوى المسلحة النافذة في مصراتة وطرابلس بأسلوب يترجم رفضاً ميدانياً واضحاً لبنود الاتفاق؛ وهو اعتراض ينبع في جوهره—وفق قراءة تحليليّة واقعية—من محاولة إبعاد هذه الفصائل وعدم إشراكها بشكل مباشر في صياغة الصفقة وضمان مصالحها المستقبيلة، مما يشكل العقدة الإشكالية الأساسية المحيطة بأي اتفاق مع أطراف المنطقة الغربية التي تعاني من تعدد مراكز القرار وتغليب نفوذ السلاح الموازي على المؤسسة الرسمية. ويجري كل ذلك في وقت تتواصل فيه الصراعات الحادة على قوت الليبيين والسيطرة على العوائد الماليّة، وتعمق حالة التردي الاقتصادي والمعيشي التي يكتوي بنارها المواطن يومياً، أين أثبتت التجربة عملياً عدم قدرة أساليب إدارة الدولة الحالية على الاستمرار بهذا الشكل الهش والمنقسم، ليصبح خيار الحسم العسكري وإعادة ترتيب الأوراق بالقوة واحداً من السيناريوهات المطروحة بقوة لدى القيادة العامة للقوات المسلحة التي ترى في فرض الانضباط العسكري حلاً جذرياً لوقف العبث بالدولة ومؤسساتها.
لكن المضي نحو الخيار العسكري يتطلب قراءة دقيقة لحسابات الموافقة والغطاء الدولي والإقليمي؛ إذ إن المواقف الدولية، وفي مقدمتها واشنطن—التي تركز أولوية استراتيجيتها على ضمان تدفقات النفط ومكافحة الإرهاب واستقرار المنطقة—إلى جانب دول الجوار المباشر كـ مصر والجزائر وتونس، وكذلك دول العمق الأفريقي كـ تشاد والنيجر، تميل جميعها إلى الحذر وتفضل مسارات الحوار التوافقي خوفاً من كلفة الفوضى واضطراب الحدود الممتدة. ينضاف إلى ذلك خطر وجود أطراف وقوى تسعى جاهدة لترسيخ التمرد وزعزعة أمن واستقرار الجنوب الليبي لتصفية حسابات نفوذها. إن هذا المشهد الضبابي يضع البلاد أمام خيارين أحلاهما مر: إما الذهاب نحو صراع مسلح جديد، أو الانزلاق القسري نحو سيناريو الانفصال وتقرير المصير—لا سمح الله.
ولدرء هذه المخاطر وتجنب الكارثة الوطنية، يستوجب المشهد تبني خيار حواري جامع يبتعد عن النهج الإقصائي ويسعى جاداً لإشراك الأطراف والقيادات الوطنية المعتدلة غير المتطرفة في المنطقة الغربية؛ خاصة وأن طرح الشرق والجنوب تحت مظلة القيادة العامة ومجلس النواب واضح المعالم والمتطلبات، ويتمتع بمرجعية ومؤسسية وحيدة ومتماسكة سياسياً وعسكرياً. إن الحاجة باتت ملحة لإبرام اتفاق توافقي جامع يقتدي في جزئياته الإيجابية بـ “اتفاق الطائف” اللبناني من حيث إيقاف الصراع وإعادة ترميم هيكل الدولة، ولكن مع استيعاب وتدارك خطيئته التاريخية وتجنب تكرار النموذج الرواندي القائم على الانفجار الجذري؛ ذلك أن اتفاق الطائف اللبناني نجح في إنهاء الحرب، لكنه ارتكب خطأ كبيراً حين أبقى على السلاح الموازي لدى بعض القوى بحجة المقاومة، وهو ما أضحى عقبة داحضة أمام بناء دولة القانون وحال دون تمكين الجيش والشرطة من فرض السيادة الكاملة.
ونحن كليبيين نختلف تماماً عن الحالة اللبنانية؛ إذ لسنا من دول الطوق المواجهة لإسرائيل، ولا نملك مسوغاً إيديولوجياً أو جغرافياً لشرعنة وجود السلاح خارج القانون. ورغم أن الأطراف الدولية والإقليمية تتحكم بوضوح في خيوط كثيرة داخل المشهد الليبي، إلا أن القوة الميدانية والسياسية في الشرق والجنوب تظل متوحدة تحت كلمة واحدة وقيادة نظامية موحدة بالكامل مع مجلس النواب تشريعياً وتنفيذياً وسياسياً. وعليه، فإن المشكلة الجوهرية تظل محصورة في المنطقة الغربية وانقسامات مجلس الدولة وسطوة الفصائل المسلحة؛ مما يجعل التأسيس الحقيقي لقواعد اللعبة السياسية مشروطاً بعدم التكرار المجاني للأخطاء، وسحب الشرعية من السلاح الموازي، وتأسيس دولة المؤسسات، مع التأسف الشديد على الفرص والاتفاقيات الهدرة التي لم تحترم خصوصية وبناء الدولة الوطنية الجامعة.
The post بين الحرب والحل السياسي appeared first on عين ليبيا | آخر أخبار ليبيا.

