Site icon bnlibya

بين حشوة العصب وجداول التسويق.. كيف تقود الإخفاقات الإدارية شبكة الكهرباء الليبية إلى الظلام التام؟

تعيش شبكة الكهرباء الوطنية في ليبيا واحدة من أسوأ مراحل الخذلان المؤسسي والتخبط الإداري في تاريخها الحديث، حيث لم تعد الأزمة مجرد انقطاع في التيار أو ساعات طرح أحمال متزايدة تُطاق بالصبر، بل تحولت إلى ظاهرة انهيارات شاملة ومتكررة تُسقط البلاد في ظلام تام، وبطرق تعكس هشاشة الهيكل الإداري والفني للشركة العامة للكهرباء. إن ما يبعث على الذهول والحسرة في آن واحد، ليس فقط عجز المؤسسة عن مواكبة التوسع العمراني المضطرد والزيادة المهولة في طلب الطاقة السنوية، بل في الذهنية السائدة لدى أصحاب القرار في اختيار القيادات الكفيلة بانتشال هذا القطاع الحساس من الهاوية؛ فأن تُسند إدارة صرح تقني معقد، تعتمد حياته على استقرار الميكرو-ثانية وزاوية الطور والموازنة بين الإنتاج والاستهلاك، إلى طبيب أسنان، ثم تتجه الآراء والأخبار نحو استبداله بمرشح جديد يحمل مؤهلاً في إدارة الأعمال كحل سحري لإيقاف “البلاك آوت”، لهو أمر يختزل مدى الهرطقة والضحك على ذقون الشعب الليبي.

إن القضايا التي تواجه الشبكة الكهربائية اليوم ليست مشكلات تسويقية تحتاج خططاً ترويجية لإقناع التردد بالعودة إلى مستواه الطبيعي عند خمسين هرتز، كما أنها ليست مشكلة لثة أو نخر تحتاج “حشوة عصب” للمحولات، بل هي أزمة فنية بحتة تتعلق بتفاقم انخفاض التردد، وتذبذب الأحمال، واختلال منظومات التحكم وضبط مرحلات العزل. عندما يهبط التردد إلى مستويات حرجة تحت سبعة وأربعين ونصف هرتز، فإن المحطات تخرج من الخدمة تلو الأخرى تلقائياً لحماية غلاياتها وتوربيناتها، ولا ينقذ البلاد حينها إلا مهندس متمرس في الهندسة الكهربائية والإلكترونية، وتحديداً في تخصص القوى والآلات وتوليد الطاقة، يفهم تماماً ديناميكية الشبكة وكيفية إدارة التحكم المركزي لتفادي الدخول في ظاهرة “الإعادة السوداء” الشاملة التي تجعل إعادة تشغيل الشبكة أمراً معقداً يستغرق أياماً من المعاناة والخسائر المادية واللوجستية.

ولعل الغرابة تتجلى أكثر عند مراجعة سيناريوهات الصيف الماضي ودخول فصلي الخريف والشتاء، حيث اعتاد المواطن الليبي على تراجع الأحمال كحل مؤقت تفرضه الطبيعة وانخفاض درجات الحرارة وليس التخطيط الاستراتيجي، ولكن في الآونة الأخيرة وصل التدهور إلى مستويات غير مسبوقة بحدوث انقسام للشبكة وفصل المنطقة الشرقية عن الغربية والجنوبية، ليتكرر السقوط الشامل دون وضع أي حلول جذرية تُذكر. يستمر هذا الاستنزاف للإنتاجية الوطنية في ظل ضعف شديد لمنظومات الرقابة والمحاسبة، واستغلال واسع لمنظومة الدعم الحكومي لتهريب واستنزاف الوقود وموارد الشركة دون أدنى جدية في المعالجة. إن الإصرار على استبعاد الكفاءات الفنية المتخصصة والقيادات الهندسية العارفة بتفاصيل الوقاية والتحكم، والاستمرار في منح المناصب العليا في هذه المؤسسة الحيوية بناءً على المحاصصة والمجاملات أو المؤهلات البعيدة كل البعد عن التخصص، هو الدليل القاطع على الفشل العام للحكومات المتعاقبة ولإدارات الشركة المتعاقبة، ليصل الأمر إلى مهزلة حقيقية تجعل الشعب يترقب المستقبل بخوف من الظلام التام الدائم، متسائلاً إلى متى تستمر هذه الشخصيات غير المؤهلة في تصدر المشهد، وإلى متى تُدار شبكات الطاقة بعقلية عيادات الأسنان وجداول إكسل التسويقية؟

The post بين حشوة العصب وجداول التسويق.. كيف تقود الإخفاقات الإدارية شبكة الكهرباء الليبية إلى الظلام التام؟ appeared first on عين ليبيا | آخر أخبار ليبيا.

Exit mobile version