Site icon bnlibya

تغيير المحافظ مجرد «مسرحية».. من يستفيد من احتكار العملة الصعبة في السوق؟

في ظل تراجع قيمة الدينار الليبي وتصاعد الضغوط على سوق الصرف وارتفاع الأسعار، يتجدد الجدل بشأن استقالة محافظ مصرف ليبيا المركزي ناجي عيسى ومدى قدرة تغيير القيادة على معالجة الأزمة الاقتصادية، وسط تساؤلات عن أسباب تراجع الثقة في القطاع المصرفي، وعدالة توزيع النقد الأجنبي، وحقيقة الإنفاق العام والإيرادات المتاحة للدولة.

وفي هذا السياق، يرى مشرف الملف الاقتصادي والاجتماعي سابقًا بالمركز القومي للدراسات والبحوث العلمية، الدكتور محمد يوسف درميش، في تصريحات لشبكة «عين ليبيا»، أن استقالة المحافظ وتغيير الأشخاص لن يعالجا الأزمة ما دامت السياسات والأخطاء السابقة مستمرة، معتبرًا أن جذور المشكلة ترتبط بقرارات نقدية ومالية أحادية، وضعف إدارة الموارد، وغياب التنسيق بين مؤسسات الدولة، ومطالبًا بمراجعة السياسات المتبعة وتحقيق العدالة في توزيع الدولار وإعداد حسابات مالية دقيقة تعكس حقيقة إمكانات البلاد.

وقال درميش إن استقالة ناجي عيسى لا تعني، في حد ذاتها، حدوث تغيير في مسار الأزمة، معتبرًا أن القضية لا تتعلق بالأشخاص بقدر ارتباطها بالنهج المتبع في إدارة السياسة النقدية، ومشيرًا إلى أن المحافظ، بحسب تقييمه، لم يؤدِّ الدور المطلوب منه بصفته محافظًا للمصرف ورئيسًا لمجلس إدارته، وأنه اتبع النهج نفسه والأخطاء ذاتها التي اتبعها من سبقه.

وأضاف أن تغيير المسؤولين دون مراجعة السياسات والقرارات التي أدت إلى الاختلالات القائمة لن يحقق تحولًا حقيقيًا في الوضع الاقتصادي، مشددًا على ضرورة إعادة النظر في أدوات إدارة النقد الأجنبي، وآليات توزيع الموارد، وطريقة إعداد الحسابات العامة، ودور مؤسسات الدولة في ضبط الأسواق ومكافحة الاحتكار.

درميش يعيد جذور أزمة الدينار إلى قرارات بدأت عام 1999

وفي تفسيره للتراجع التاريخي في قيمة الدينار الليبي، أرجع درميش بداية مرحلة مهمة من هذا التراجع إلى الفترة الممتدة بين عامي 1999 و2002، قائلًا إن قيمة الدينار تغيرت خلالها من نحو 0.30 دينار مقابل الدولار إلى 1.20 دينار، معتبرًا أن هذا الإجراء زاد من حدة التشوهات الاقتصادية والتضخم، وأثر في فرص العمل، وعزز قوة الاحتكار، إلى جانب ما وصفه بخسائر لحقت بأصول الدولة المقومة بالدينار، وتراجع العائد على استثمارات المصارف، واستنزاف مدخرات المواطنين.

وأوضح أن القرارات الأحادية المتعلقة بتخفيض قيمة الدينار تكررت، بحسب قوله، خلال أعوام 2016 و2020 و2024 و2026، معتبرًا أن هذه الإجراءات أسهمت في تراكم المشكلات المالية والاقتصادية، وأثرت في مستويات الأسعار ودخول المواطنين والقوة الشرائية للعملة المحلية.

وربط درميش بين الأوضاع الحالية وما وصفه بقرارات عشوائية سابقة لم تخضع للدراسة الكافية، إلى جانب تداعيات جائحة كورونا والحرب الروسية الأوكرانية والتطورات المرتبطة بحرب الخليج، مشيرًا إلى أن تداخل هذه العوامل، مع غياب مؤسسات الدولة عن أداء أدوارها بالشكل المطلوب، أسهم في تعقيد الأزمة.

وشدد على ضرورة أن تضطلع المؤسسات العامة بمسؤولياتها القانونية، وأن تعمل على الحد من الاحتكار وفتح آفاق جديدة لتنويع مصادر الدخل القومي، مع تطوير قدرتها على التعامل مع المتغيرات الدولية والإقليمية والمحلية.

قرارات المصرف المركزي أضعفت الثقة بين المواطنين والمصارف

وفي ما يتعلق بالعلاقة بين المواطنين والقطاع المصرفي، قال درميش إن الثقة بين الطرفين تراجعت نتيجة قرارات وصفها بغير المدروسة، من بينها فرض رسوم على الإيداع والسحب، وتحديد سقوف شهرية للسحب لا تتناسب، بحسب رأيه، مع احتياجات المواطنين والتجار.

واعتبر أن هذه الإجراءات زادت صعوبة حصول الأفراد والأنشطة التجارية على السيولة اللازمة، وأسهمت في تعميق الفجوة بين احتياجات السوق والإمكانات المتاحة عبر القنوات المصرفية، داعيًا إلى مراجعة السياسات التي تؤثر في تعامل المواطنين مع المصارف والعمل على استعادة الثقة في النظام المصرفي.

وفي ملف العجز في النقد الأجنبي، شكك درميش في اكتمال الصورة المالية التي تستند إليها التقديرات المتداولة، مشيرًا إلى أن السنة المالية، وفق حديثه، لم تكن قد اكتملت عند إدلائه بتصريحاته، وأن القيود والحسابات الخاصة بالجهات التي تسهم في الدخل القومي لم تكن قد استكملت جميعها.

وأوضح أن هذه الجهات تشمل الموانئ والشركات الملاحية وعوائد تصدير السلع والخدمات بالعملة الأجنبية، إلى جانب استثمارات ومساهمات ومؤسسات الدولة بمختلف أنواعها، معتبرًا أن عدم إدراج جميع هذه الموارد ضمن صورة مالية متكاملة قد يؤدي إلى تقديرات لا تعكس كامل الإمكانات المتاحة للاقتصاد الليبي.

وانتقد درميش اعتماد المصرف المركزي، بحسب وصفه، على الإيرادات النفطية التي تصل عبر المصرف الليبي الخارجي في احتساب الموارد المتاحة، من دون استكمال تسجيل وتسوية جميع المصادر الأخرى محاسبيًا، داعيًا إلى عدم نشر بيانات ميزان المدفوعات والمقبوضات قبل التنسيق مع أدوات السياسة الاقتصادية والتجارية والمالية، حتى تستند الأرقام إلى حسابات دقيقة تعكس الوضع المالي للدولة.

وأكد أن ليبيا تمتلك، بحسب تقديره، موارد مالية وإمكانات متاحة تحتاج إلى حسن الإدارة والاستثمار، معتبرًا أن تقييم قدرتها على تمويل التزاماتها ينبغي أن يستند إلى بيانات مالية مكتملة ومراجعة، لا إلى مؤشرات جزئية.

درميش يقترح تخصيص 15 ألف دولار سنويًا لكل مواطن

وفي ما يتعلق بتوزيع النقد الأجنبي، رأى درميش أن مصرف ليبيا المركزي لم يؤدِّ دوره المطلوب في تحقيق العدالة في توزيع الدولار، معتبرًا أن سوق الاقتصاد الليبي تعاني من احتكار عدد محدود من المستفيدين، وأن العملة الأجنبية تحولت إلى سلعة يحصل عليها جزء محدود من المواطنين، وفق وصفه.

واقترح تخصيص ما لا يقل عن 15 ألف دولار سنويًا لكل مواطن، على أن تكون متاحة عبر آلية سهلة طوال العام، إلى جانب تخصيص 20 ألف دولار سنويًا للعلاج، و20 ألف دولار سنويًا للدراسة، معتبرًا أن تنظيم الوصول إلى العملة الأجنبية يمكن أن يحد من احتكارها ويقلص الاعتماد على السوق الموازية.

ودعا إلى تنسيق هذه الآلية مع وزارة الاقتصاد والتجارة وإدارتي التجارة الخارجية والداخلية، بما يضمن تنظيم الاعتمادات وتدفق السلع والخدمات، والحفاظ على جودتها وتوفير مخزون آمن يلبي احتياجات السوق.

ورأى أن تحقيق العدالة في توزيع النقد الأجنبي، بالتوازي مع تنظيم الاستيراد ومراقبة حركة السلع، من شأنه أن يحد من تغول السوق السوداء ويتيح وضع سعر صرف يتناسب مع دخول المواطنين وإمكانات الدولة ومصالحها الاقتصادية مع الخارج.

هل يعاني الاقتصاد الليبي من توسع في الإنفاق؟

وفي رده على الجدل بشأن توسع الإنفاق العام باعتباره أحد أسباب الضغط على الدينار، قال درميش إن الحكم على وجود توسع أو انكماش في الإنفاق لا يمكن أن يستند إلى الانطباعات أو المقارنات غير المكتملة، بل يتطلب مقارنة الإنفاق بين سنوات مختلفة وبأسس مالية قابلة للقياس.

وأشار إلى ضرورة مقارنة ما أُنفق خلال أعوام 2010 و2012 و2013 و2014 و2020 و2023 و2024 و2025، مع تحويل الأرقام إلى الدولار وفق منهجية واضحة، حتى تتاح إمكانية تقييم حجم الإنفاق واتجاهاته بصورة أكثر دقة.

وأضاف أن حسابات الدولة لم تُقفل بالكامل، بحسب قوله، متسائلًا عن كيفية إصدار أحكام نهائية بشأن توسع الإنفاق أو انكماشه في غياب حسابات سنوية مكتملة ومعتمدة.

وطالب بإعداد موازنة سنوية في بداية كل عام، تتضمن خطة مالية واضحة للسنة المعنية، وإقفال الحسابات في نهايتها وإصدار ميزانيات وقوائم وتقارير مالية وفق أصول الإدارة المالية، على أن تعتمد من مكتب مراجعة خارجي يتمتع بالمصداقية ومن بين المكاتب الدولية المعروفة.

واعتبر أن هذه الإجراءات تمثل شرطًا أساسيًا لمعرفة حقيقة الدين العام والمركز المالي للدولة، مؤكدًا أن غياب الحسابات الختامية والتقارير المدققة يجعل تقييم الوضع المالي غير مكتمل، ويحد من القدرة على اتخاذ قرارات تستند إلى بيانات دقيقة.

درميش: ليبيا تملك موارد مالية واستثمارية ضخمة

وفي تعليقه على التصريحات النيابية المتعلقة بقدرة الدولة على تمويل التزاماتها، قال درميش إن هذه التصريحات واقعية من وجهة نظره، معتبرًا أن ليبيا لا تعاني من الفقر في الموارد، بل تمتلك إمكانات مالية واستثمارية كبيرة يمكن توظيفها لتغطية احتياجاتها إذا أُديرت ضمن أطر مالية سليمة.

وأضاف أن وصف ليبيا بأنها دولة تعاني شح الموارد، بحسب تعبيره، لا يعكس حقيقة الإمكانات التي تمتلكها، مشددًا على أن المشكلة الأساسية تكمن في كيفية إدارة الأموال واستثمارها وتوجيهها وفق خطط مالية واضحة.

وربط درميش بين سوء إدارة الموارد والقرارات الأحادية المتعلقة بتخفيض قيمة الدينار وفرض الرسوم والضرائب، معتبرًا أن هذه الإجراءات زادت من التشوهات الاقتصادية والتضخم، وامتدت آثارها إلى المستوى العام للأسعار ودخول المواطنين، وأسهمت في زيادة حدة الفقر والحرمان.

وأكد أن الاستفادة من الإمكانات الليبية تتطلب إصلاحًا في إدارة الموارد، وشفافية في تسجيل الإيرادات والمصروفات، وتنسيقًا بين المؤسسات المعنية، بدلًا من اتخاذ قرارات منفردة لا تراعي، بحسب رأيه، مجمل آثارها الاقتصادية والاجتماعية.

غياب الرقابة يفاقم المضاربة وارتفاع الأسعار

وفي ما يتعلق بارتفاع الأسعار وتداعيات المضاربة، قال درميش إن غياب مؤسسات الدولة وأجهزتها عن أداء دورها في ضبط الأسواق ومكافحة المضاربة ينعكس سلبًا على المجتمع في مجالات متعددة، تشمل جودة السلع وأسعارها وصلاحيتها ومدى توافرها.

ودعا الجهات المختصة إلى تحمل مسؤولياتها القانونية في الرقابة على الأسواق ومنافذ التهريب، وضمان انسياب السلع والخدمات وفق معايير واضحة، معتبرًا أن ضعف الرقابة يفتح المجال أمام ممارسات تزيد الأعباء على المستهلكين وتؤثر في استقرار السوق.

وشدد على أن معالجة الأزمة لا تقتصر على الإجراءات النقدية وحدها، بل تتطلب دورًا فاعلًا من مؤسسات الدولة في تنظيم التجارة ومراقبة الأسعار ومكافحة الاحتكار، إلى جانب تعزيز التنسيق بين الجهات المالية والنقدية والاقتصادية.

درميش: ارتفاع الدولار سببه عدم العدالة في التوزيع وليس الإنفاق وحده

وفي خلاصة رؤيته لأسباب ارتفاع الدولار، رفض درميش اختزال الأزمة في الإنفاق العام، معتبرًا أن عدم العدالة في توزيع النقد الأجنبي يمثل أحد الأسباب الرئيسية وراء ارتفاع سعر العملة في السوق الموازية، وأن محدودية الوصول إلى الدولار دفعت إلى تركّز الاستفادة منه لدى عدد قليل من المتعاملين.

وقال إن الدولار أصبح، بحسب وصفه، سلعة خاصة يحصل عليها عدد محدود من الناس، مشيرًا إلى أن معالجة هذا الوضع تتطلب من الدولة أداء دورها في مختلف المؤسسات، وتحقيق العدالة في التوزيع، والحد من الاحتكار، وضبط الإيرادات والإنفاق وتوجيه الأموال إلى أوجه الصرف الصحيحة.

وأكد أن استعادة التوازن الاقتصادي تستوجب إصلاحًا مؤسسيًا وإداريًا يتجاوز تغيير الأشخاص، ويعالج أسباب تراجع الثقة والاختلالات النقدية والمالية، مع توفير بيانات مالية مكتملة، وتنظيم توزيع النقد الأجنبي، وتعزيز الرقابة على الأسواق.

وبحسب درميش، فإن استقرار الدينار لا يتحقق بمجرد تغيير محافظ المصرف المركزي، وإنما يتطلب مراجعة السياسات التي اتُّبعت خلال السنوات الماضية، وتوحيد عمل المؤسسات الاقتصادية والمالية والنقدية والتجارية، وإدارة موارد الدولة وفق أصول مالية واضحة تضمن الاستخدام الكفؤ للإمكانات المتاحة وتحمي القدرة الشرائية للمواطنين.

The post تغيير المحافظ مجرد «مسرحية».. من يستفيد من احتكار العملة الصعبة في السوق؟ appeared first on عين ليبيا | آخر أخبار ليبيا.

Exit mobile version