توحيد المرتبات بين العدالة الاجتماعية ومخاطر التضخم.. ماذا يقول خبراء الاقتصاد؟

0
5

حذر الخبير الاقتصادي الليبي، حسني بي، من تداعيات زيادة المرتبات دون توفير مصادر تمويل مستدامة، مشيراً إلى أن إصلاح منظومة دعم الطاقة والمحروقات يمكن أن يتيح موارد لتغطية الزيادة وتحسين القوة الشرائية للمواطنين، دون اللجوء إلى تمويل العجز بخلق نقود جديدة.

وقال حسني بي، في إجابات عن ثمانية أسئلة نشرتها صحيفة «عين ليبيا» في الأول من نوفمبر 2026، إن تراجع قيمة الدينار وارتفاع الأسعار وتآكل القوة الشرائية ترتبط بحجم الإنفاق العام ومكوناته ومدى توافقه مع الإيرادات الحقيقية، إلى جانب طريقة تمويل العجز المالي.

وأوضح أن توحيد أسس المرتبات يمثل خطوة مطلوبة لمعالجة التفاوت بين الموظفين الذين يؤدون أعمالاً متشابهة، لكنه لا يعني بالضرورة إقرار زيادة جماعية، مشدداً على ضرورة ربط الأجور بطبيعة العمل والكفاءة والمسؤولية والإنتاجية، مع ضمان حد أدنى مناسب للدخل.

وحذر من أن إقرار زيادة شاملة دون إيرادات حقيقية أو وفورات مقابلة قد يؤدي إلى ضغوط تضخمية جديدة، بما يضعف القيمة الشرائية للمرتبات بدلاً من تحسين مستوى معيشة الموظفين.

وقدّر حسني بي فاتورة المرتبات الحكومية بنحو 70 إلى 75 مليار دينار سنوياً، وفق نطاق التقديرات الذي يستند إليه، مشيراً إلى أن أي زيادة دائمة تترتب عليها التزامات متكررة على الخزانة العامة، في وقت تعتمد فيه الإيرادات الليبية بصورة شبه كاملة على النفط والغاز، وهما موردان يتأثران بالأسعار العالمية ومستويات الإنتاج والانقطاعات.

وطرح مثالاً حسابياً لزيادة فاتورة المرتبات بنسبة 20%، على أساس 75 مليار دينار، موضحاً أن ذلك يضيف نحو 15 مليار دينار سنوياً إلى الإنفاق العام، مع استمرار هذا الالتزام في السنوات التالية.

وأكد أن تأثير زيادة الأجور على الأسعار يتوقف على مصدر تمويلها، موضحاً أن تمويلها من إيرادات حقيقية إضافية أو من إعادة ترتيب الإنفاق يمكن أن يدعم القوة الشرائية دون ضغوط تضخمية كبيرة.

في المقابل، حذر من أن تمويل الزيادة عبر العجز وخلق النقود يرفع الطلب على النقد الأجنبي، في اقتصاد يعتمد بصورة واسعة على الاستيراد، بما قد يوسع الفجوة بين سعر الصرف الرسمي والموازي ويرفع تكلفة الواردات، الأمر الذي يؤدي إلى تآكل القيمة الفعلية للزيادة.

وشدد على ضرورة التمييز بين قدرة الدولة على دفع المرتبات بالدينار وقدرتها على حماية قيمتها الشرائية، موضحاً أن إصدار المزيد من العملة المحلية لا يوفر تلقائياً موارد دولارية أو سلعاً وخدمات إضافية.

ووضع حسني بي إصلاح دعم الطاقة والمحروقات في مقدمة البدائل التي يمكن أن توفر موارد لتحسين دخل المواطنين، مشيراً إلى أن التكلفة الاقتصادية والمالية لهذا البند قد تبلغ نحو 100 مليار دينار سنوياً أو أكثر، وفق منهجية التقييم، بما يشمل المحروقات المستوردة والنفط الخام المخصص للتكرير المحلي والغاز المستخدم في الكهرباء والطاقة.

وقال إن هذه التكلفة تعادل نحو 35% من إنفاق عام يقترب من 280 مليار دينار، وفق أحد السيناريوهات التقديرية، فيما قد تقترب نسبة الدعم من 40% من قيمة الإنتاج عند احتساب القيمة الاقتصادية للنفط والغاز المستخدمين محلياً.

وأوضح أن تقديرات الدعم تختلف باختلاف السنة وطريقة الحساب، لكنها تكشف حجم الإنفاق المخصص لهذا البند، وما يطرحه من تساؤلات بشأن كفاءة توزيع الموارد.

وأشار إلى أن جزءاً من الدعم يذهب إلى الاستهلاك المرتفع، فيما يستفيد كبار المستهلكين من حصة أكبر مقارنة بمحدودي الدخل، فضلاً عن تسرب كميات من المحروقات عبر التهريب والسرقات واستغلال فروق الأسعار بين ليبيا والدول المجاورة.

ودعا إلى الانتقال التدريجي من دعم السلعة إلى دعم المواطن، من خلال تعويضات نقدية مباشرة وعادلة، مع حماية الفئات محدودة الدخل والخدمات الأساسية وقطاعات النقل والإنتاج.

وقدم مثالاً حسابياً لتوضيح أثر إعادة هيكلة الدعم، قائلاً إن تحقيق وفر صافٍ ومستدام بنسبة 20% من تكلفة سنوية تقديرية تبلغ 100 مليار دينار يمكن أن يوفر 20 مليار دينار سنوياً، وهو مبلغ يتجاوز الزيادة الافتراضية البالغة 15 مليار دينار الناتجة عن رفع فاتورة المرتبات بنسبة 20%.

لكنه شدد على ضرورة احتساب التعويضات النقدية وتكاليف الانتقال والآثار الاقتصادية عند تقدير الوفورات، حتى لا يقتصر الأمر على تخفيض محاسبي في بند الدعم.

وحذر الخبير الاقتصادي من أن التوسع في الإنفاق الجاري دون موارد إضافية قد يضغط على مخصصات الاستثمار في البنية التحتية والتعليم والصحة والمياه والكهرباء، مشيراً إلى أن المرتبات تنشئ التزامات متكررة، بينما يمكن للإنفاق الاستثماري المدروس أن يسهم في بناء قدرات إنتاجية وفرص عمل وإيرادات مستقبلية.

وفي ما يتعلق بالسيولة المصرفية، أوضح أن أزمتها لا ترتبط بحجم المرتبات وحده، وإنما تتأثر أيضاً بالثقة في المصارف وتوزيع النقد بينها والطلب على العملة الورقية وانتظام المدفوعات.

كما حذر من بناء سياسة دائمة للأجور على افتراض استمرار إنتاج النفط دون انقطاع، موضحاً أن إغلاق الحقول أو موانئ التصدير يخفض الإيرادات الدولارية، بينما تستمر المرتبات والدعم والالتزامات الحكومية، ما يوسع فجوة التمويل ويزيد الضغوط على إدارة النقد الأجنبي.

ودعا إلى حماية إنتاج النفط وتصديره وبناء احتياطيات مالية وآليات للاستقرار، مع ضبط الإنفاق العام وعدم ربط الالتزامات الدائمة بإيرادات متقلبة.

خمس أولويات للإصلاح الاقتصادي

وأكد حسني بي أن إصلاح المرتبات لا يمكن فصله عن سياسة اقتصادية شاملة، وحدد خمس أولويات مترابطة، تشمل ضبط الإنفاق العام وحصر الالتزامات خارج الموازنة، وإصلاح دعم الطاقة والتحول التدريجي إلى التعويض المباشر، وتوحيد معايير الأجور وربطها بالكفاءة والإنتاجية.

وتشمل الأولويات أيضاً إصلاح سوق الصرف وتقليص الفجوة بين الأسعار الرسمية والموازية، إلى جانب إعادة هيكلة المؤسسات العامة ورفع كفاءة قطاعات النفط والغاز والكهرباء وتشجيع الاستثمار الخاص وتوفير فرص عمل خارج الجهاز الحكومي.

واعتبر أن النقاش الاقتصادي في ليبيا يركز غالباً على تراجع الدينار والأسعار والسيولة والمرتبات، بينما ينبغي أن ينصب الاهتمام على حجم إنفاق الدولة ومصادر إيراداتها وكيفية تمويل العجز.

واختتم بالتأكيد أن هدف الإصلاح يجب أن يكون زيادة الدخل الحقيقي للمواطن وحماية القوة الشرائية، لا رفع المرتبات اسمياً ثم تآكل قيمتها بفعل انخفاض الدينار وارتفاع الأسعار.

The post توحيد المرتبات بين العدالة الاجتماعية ومخاطر التضخم.. ماذا يقول خبراء الاقتصاد؟ appeared first on عين ليبيا | آخر أخبار ليبيا.