مع تصاعد الاحتجاجات الشعبية في عدد من المدن الليبية على خلفية استمرار انقطاع التيار الكهربائي، تتزايد التحذيرات من أن الأزمة لم تعد تقتصر على تراجع الخدمات، بل تحولت إلى تحدٍ اقتصادي ينعكس على الإنتاج والاستثمار ومستوى معيشة المواطنين، في ظل خسائر متزايدة تتحملها الدولة والقطاع الخاص والأسر.
وفي هذا السياق، أكد المستشار والخبير الاستراتيجي في التنمية الاقتصادية الدكتور خالد الكاديكي، في تصريح لـ«عين ليبيا»، أن تصاعد الاحتجاجات الشعبية بسبب انقطاع الكهرباء لا يعكس فقط حالة من الاستياء من تراجع الخدمات، بل يمثل مؤشراً على اتساع الضغوط الاقتصادية التي تواجه الأسر والقطاع الخاص، موضحاً أن الكهرباء ليست خدمة مستقلة، بل عنصر أساسي في الإنتاج والاستثمار والاستقرار الاجتماعي، وأي خلل فيها ينعكس مباشرة على الاقتصاد.
وأضاف الكاديكي أن الاحتجاجات تعكس بالفعل حجم الأثر الاقتصادي للأزمة، إذ إن استمرار الانقطاعات لساعات طويلة يؤثر في الحياة اليومية للمواطنين، ويرفع تكاليف المعيشة نتيجة الاعتماد على المولدات وشراء الوقود وصيانة الأجهزة الكهربائية المتضررة، كما يؤدي إلى تراجع إنتاجية العاملين والأنشطة الاقتصادية، الأمر الذي يجعل هذه الاحتجاجات تعبر عن ضغوط اقتصادية متراكمة، وليست مجرد مطالب خدمية.
وأوضح أن الانقطاعات المتكررة للكهرباء تترتب عليها خسائر اقتصادية كبيرة، تتمثل في انخفاض إنتاجية المصانع والشركات، وتوقف بعض خطوط الإنتاج وتأخير تنفيذ العقود، وزيادة الاعتماد على المولدات وما يرافق ذلك من ارتفاع في تكاليف التشغيل، إلى جانب تلف السلع الغذائية والأدوية التي تحتاج إلى التبريد، وتراجع نشاط المحال التجارية والخدمات الرقمية والمصرفية، فضلاً عن ارتفاع تكاليف الإنتاج، وهو ما ينعكس في نهاية المطاف على المستهلك من خلال زيادة الأسعار.
وأشار إلى أن الشركات الصغيرة والمتوسطة تتحمل العبء الأكبر، لأنها لا تمتلك القدرة المالية على توفير بدائل مستمرة للطاقة.
وفيما يتعلق بتأثير الأزمة على الاستثمار، شدد الكاديكي على أن استمرار أزمة الكهرباء يضعف بشكل كبير جاذبية السوق الليبية، موضحاً أن المستثمر يبحث عن بيئة مستقرة، وأن توفر الكهرباء يعد من أهم عناصر اتخاذ القرار الاستثماري.
وقال إن استمرار الأزمة يؤدي إلى ارتفاع تكلفة إنشاء وتشغيل المشاريع، وزيادة المخاطر التشغيلية، وتراجع تنافسية الاقتصاد الليبي مقارنة بدول الجوار، إضافة إلى إحجام بعض المستثمرين المحليين والأجانب عن تنفيذ مشاريع جديدة.
ورداً على التساؤلات بشأن استمرار الإنفاق الكبير على قطاع الكهرباء دون تحقيق الاستقرار المطلوب، أوضح الكاديكي أن المشكلة لا ترتبط بحجم الإنفاق بقدر ما ترتبط بكفاءة الإدارة، مشيراً إلى أن من أبرز أسباب استمرار الأزمة ضعف التخطيط طويل المدى، وتأخر تنفيذ المشاريع، وضعف أعمال الصيانة الوقائية، وارتفاع الفاقد الفني والتجاري في الشبكة، فضلاً عن الحاجة إلى تعزيز الشفافية والحوكمة والرقابة على الإنفاق.
وأكد أن زيادة المخصصات المالية وحدها لن تكون كافية ما لم ترافقها إصلاحات مؤسسية حقيقية.
وأشار إلى أن الانقطاعات خلال فصل الصيف تفرض ضغوطاً إضافية على الاقتصاد، إذ ترتفع الحاجة إلى التبريد، وهو ما يؤدي إلى زيادة تكاليف تشغيل المحال والمصانع، وارتفاع مصروفات الوقود للمولدات، وزيادة تكاليف حفظ الأغذية والأدوية، لتنتقل هذه الزيادات في النهاية إلى أسعار السلع والخدمات، بما يفاقم الضغوط التضخمية على الأسر الليبية.
وأكد الكاديكي أن الاحتجاجات الحالية تمثل مؤشراً واضحاً على تزايد الضغوط الاقتصادية، خاصة عندما تتزامن أزمة الكهرباء مع ارتفاع الأسعار وتراجع القوة الشرائية، ما يجعلها عاملاً مضاعفاً للأعباء الاقتصادية التي يتحملها المواطن، وهو ما يفسر اتساع رقعة الاحتجاجات وتصاعد المطالب الشعبية.
وفي تقييمه لتأثير استمرار الأزمة على ميزانية الدولة، أوضح أن استمرار الانقطاعات يفرض أعباء مالية إضافية تتمثل في زيادة الإنفاق على الصيانة الطارئة، وشراء معدات وقطع غيار بصورة عاجلة، واللجوء إلى حلول مؤقتة أعلى تكلفة من الاستثمار طويل الأجل، فضلاً عن الخسائر الاقتصادية غير المباشرة الناتجة عن انخفاض النشاط الاقتصادي والإنتاج، مؤكداً أن تكلفة عدم الإصلاح غالباً ما تكون أعلى من تكلفة تنفيذ إصلاحات هيكلية مستدامة.
وحول الحلول المطلوبة، دعا الكاديكي إلى تبني رؤية اقتصادية شاملة لمعالجة الأزمة، تقوم على إصلاح الإدارة والحوكمة في قطاع الكهرباء، وتسريع تنفيذ مشاريع التوليد والنقل والتوزيع، وتقليل الفاقد الفني والتجاري، وتشجيع استثمارات القطاع الخاص والشراكات بين القطاعين العام والخاص، إلى جانب التوسع في مشاريع الطاقة الشمسية والطاقة المتجددة، خاصة في المناطق البعيدة، واعتماد خطط صيانة وقائية بدلاً من التدخلات الطارئة، وتعزيز الشفافية والمساءلة لضمان كفاءة استخدام الموارد المالية.
واختتم الكاديكي تصريحه بالتأكيد على أن أزمة الكهرباء في ليبيا لم تعد أزمة خدمية فقط، بل أصبحت تحدياً اقتصادياً واستثمارياً يؤثر في النمو الاقتصادي، والتضخم، وفرص العمل، وجاذبية الاستثمار، مشدداً على أن معالجتها تتطلب إصلاحات إدارية ومؤسسية واستثمارية متكاملة، إلى جانب توفير التمويل، بما يضمن استدامة الخدمة وتحويل قطاع الكهرباء إلى ركيزة أساسية لدعم التنمية الاقتصادية.
The post جحيم الظلام وانفجار الشارع.. أسرار تكشفها «عين ليبيا» عن انقطاع الكهرباء والشلل الاقتصادي appeared first on عين ليبيا آخر أخبار ليبيا.
