تعيش أسواق النفط العالمية واحدة من أكثر المراحل اضطراباً في تاريخها الحديث، مع استمرار تداعيات حرب إيران وتصاعد التوترات في مضيق هرمز، ما أدى إلى إعادة تشكيل خريطة الرابحين والخاسرين بين الدول المنتجة والمستوردة للطاقة، في ظل اختلال غير مسبوق في سلاسل الإمداد العالمية.
وبحسب بيانات وكالة الطاقة الدولية، تراجعت كميات النفط والغاز والمنتجات المكررة العابرة عبر مضيق هرمز بشكل حاد في أوائل أبريل، لتصل إلى نحو 3.8 ملايين برميل يومياً، مقارنة بأكثر من 20 مليون برميل يومياً قبل اندلاع الأزمة، ما يعكس حجم الانكماش الكبير في حركة التجارة النفطية العالمية.
وأشارت البيانات إلى أن الخسائر في الإمدادات النفطية تجاوزت 13 مليون برميل يومياً، نتيجة تقليص الإنتاج وتضرر البنية التحتية للطاقة في المنطقة، مع تسجيل خسائر تراكمية ضخمة في الإمدادات تجاوزت 360 مليون برميل في مارس، ومرشحة للارتفاع في أبريل.
هذا الانكماش الحاد انعكس مباشرة على الأسعار، حيث بلغ خام “نورث سي ديتد” نحو 130 دولاراً للبرميل في منتصف أبريل، بزيادة تقارب 60 دولاراً عن مستوياته قبل الحرب، فيما سجل خام برنت 109.76 دولارات للبرميل، وبلغ خام غرب تكساس الوسيط 102.11 دولاراً.
وتتوقع إدارة معلومات الطاقة الأمريكية أن يبلغ متوسط سعر خام برنت 96 دولاراً في عام 2026، مع احتمال بلوغه ذروة عند 115 دولاراً في الربع الثاني، قبل أن يبدأ بالتراجع تدريجياً في حال استئناف حركة الملاحة في المضيق، وسط تحذيرات من أن إعادة التدفقات بشكل كامل قد تستغرق شهوراً.
في هذا السياق، يرى خبير إستراتيجيات الأسواق أحمد عسيري أن أسواق الطاقة تمر بـ”إحدى أسوأ الأزمات التاريخية”، مع إعادة تشكيل سلاسل الإمداد العالمية، وتحوّل المشترين نحو مصادر أكثر استقراراً لضمان استمرار الإمدادات بعيداً عن مناطق التوتر.
الرابحون من ارتفاع الأسعار
تشير الحسابات إلى أن الدول المصدرة للنفط ضمن منظمة الدول المصدرة للبترول منظمة الدول المصدرة للبترول (أوبك) تحقق أكبر مكاسب سعرية مباشرة، حيث ارتفعت قيمة صادراتها السنوية من نحو 666 مليار دولار إلى أكثر من تريليون دولار، بفارق يقارب 333 مليار دولار نتيجة ارتفاع الأسعار.
وتأتي السعودية في مقدمة المستفيدين، مع صافي صادرات يبلغ 7.42 ملايين برميل يومياً، ما يضيف نحو 107 مليارات دولار إلى قيمة صادراتها النفطية، مدعومة بقدرتها على التصدير عبر مسارات بديلة مثل ميناء ينبع على البحر الأحمر رغم الاضطرابات في الخليج.
وفي العراق والكويت، تظهر المكاسب الحسابية بوضوح، إذ يحقق العراق نحو 49.5 مليار دولار إضافية، والكويت 34.6 مليار دولار، رغم أن الاقتصادين يواجهان مخاطر انكماش حاد بسبب الاعتماد الكبير على مضيق هرمز في التصدير.
أما إيران، فتسجل مكاسب نظرية تقارب 28.6 مليار دولار، إلا أن هذه الأرقام تبقى مرتبطة بتأثيرات الحرب والعقوبات وتراجع البنية التحتية، ما يحد من انعكاسها الفعلي على الاقتصاد.
وفي شمال أفريقيا، تستفيد كل من الجزائر ونيجيريا وفنزويلا من ارتفاع الأسعار، حيث تضيف ليبيا وحدها نحو 15.2 مليار دولار إلى عائداتها النفطية، وفق التقديرات الحسابية.
ليبيا ضمن الرابحين
من بين أبرز المستفيدين في شمال أفريقيا، تأتي ليبيا التي حققت مكاسب حسابية تُقدّر بنحو 15.2 مليار دولار نتيجة ارتفاع أسعار النفط، مستفيدة من زيادة القيمة السوقية لصادراتها النفطية رغم التحديات الداخلية المرتبطة بالبنية التحتية والاستقرار.
ويعزز هذا الارتفاع من أهمية القطاع النفطي الليبي في معادلة الاقتصاد الوطني، حيث يشكل المصدر الرئيسي للدخل، ما يجعل أي تغير في الأسعار العالمية ذا تأثير مباشر وسريع على الإيرادات العامة.
روسيا وأمريكا.. خارج معادلة هرمز
تظهر روسيا كأحد أبرز المستفيدين من خارج الخليج، مع ارتفاع صادراتها النفطية إلى 271.2 مليار دولار، مدعومة بقدرتها على التصدير بعيداً عن مضيق هرمز، رغم استمرار تأثير العقوبات الغربية، وفق قناة الجزيرة.
وفي الولايات المتحدة، يضيف ارتفاع الأسعار نحو 40.3 مليار دولار إلى الميزان النفطي، لتصبح من أكبر المستفيدين، مع إنتاج يتجاوز 13.5 مليون برميل يومياً وصادرات تقارب 6 ملايين برميل يومياً، ما يعزز موقعها في السوق العالمية.
الخاسرون الكبار
في المقابل، تتحمل الاقتصادات المستوردة العبء الأكبر، حيث تتصدر الصين قائمة الخاسرين بخسائر تقدّر بـ179.4 مليار دولار سنوياً، تليها الهند بخسائر تقارب 69.5 مليار دولار، نتيجة ارتفاع فاتورة الاستيراد بشكل حاد.
وتسجل اليابان خسائر بنحو 40.7 مليار دولار، وكوريا الجنوبية 35.4 مليار دولار، بينما تتأثر اقتصادات أوروبا بشكل مباشر، إذ تخسر ألمانيا 25.5 مليار دولار، وفرنسا 18.3 مليار دولار، وإيطاليا 13.3 مليار دولار، وبريطانيا 9 مليارات دولار.
وتشير التقديرات إلى أن ارتفاع أسعار الطاقة يضغط على معدلات التضخم ويزيد العجز المالي في الاقتصادات الصناعية، مع توقعات بارتفاع التضخم في منطقة اليورو إلى ما فوق 2% مؤقتاً خلال 2026.
سيناريوهات مستقبلية
تضع المؤسسات المالية العالمية ثلاثة سيناريوهات رئيسية للأسعار، تبدأ من 80 إلى 90 دولاراً في حال عودة الملاحة سريعاً، وصولاً إلى 150 – 180 دولاراً إذا استمر إغلاق مضيق هرمز لأشهر إضافية.
وفي هذا السياق، تحذر وكالة الطاقة الدولية من أن الأزمة قد تمثل أكبر اضطراب في تاريخ سوق النفط، مع توقع انكماش الطلب العالمي لأول مرة بعد سنوات من النمو.
ويأتي هذا الاضطراب في ظل اعتماد عالمي كبير على مضيق هرمز كأحد أهم الممرات الاستراتيجية للطاقة، حيث يمر عبره نحو خُمس الإمدادات النفطية العالمية، ما يجعل أي تعطيل فيه كفيلاً بإحداث صدمات واسعة في الأسواق والاقتصادات الدولية.
The post حرب إيران تشعل أسواق النفط.. من الرابح والخاسر وماذا عن ليبيا؟ appeared first on عين ليبيا آخر أخبار ليبيا.

