لم تكن الأمطار الغزيرة التي شهدتها العاصمة طرابلس خلال اليومين الماضيين مجرد حالة جوية عابرة ، بل كانت اختباراً حقيقياً لقدرة مؤسسات الدولة على حماية المواطنين وصون ممتلكاتهم وضمان سلامتهم ، ففي الوقت الذي استبشر فيه الناس بنزول الغيث ، وجد كثيرون أنفسهم أمام مشاهد مؤلمة من الشوارع الغارقة والسيارات المتضررة والمحال والممتلكات التي اجتاحتها المياه ، والأرزاق التي أفنى أصحابها سنوات من أعمارهم في جمعها قبل أن تصبح مهددة أو تضيع في ساعات قليلة.
وإلى جانب الخسائر المادية ، فقد حملت هذه الأحداث ألماً إنسانياً أكبر مع ورود أنباء عن سقوط ضحايا ، وتعطل الحركة في عدد من الطرق وتأثر بعض المرافق العامة بما فيها بعض من المرافق الصحية ، وهي وقائع تستوجب منا جميعاً الوقوف أمام حجم المعاناة وتقديم واجب التضامن مع المتضررين والتساؤل بجدية عن أسباب تكرار هذه المشاهد ، وما إذا كانت الإجراءات المتخذة لحماية المدن والمواطنين تتناسب مع حجم المسؤولية الملقاة على عاتق مؤسسات الدولة.
إنني أتقدم بخالص التعازي والمواساة إلى أسر الضحايا وأعبّر عن تضامني الكامل مع كل مواطن فقد عزيزاً أو تضررت ممتلكاته أو تعطلت سبل عيشه بسبب هذه الظروف وأثمّن جهود فرق الإنقاذ والإسعاف والعاملين في الخدمات العامة وكل من بادر إلى مساعدة المواطنين في هذه المحنة ، لكن واجب التضامن الإنساني لا ينبغي أن يحجب عنا واجب المصارحة الوطنية ، فبعد إنقاذ الأرواح واحتواء الأضرار ، يجب أن تبدأ مرحلة المساءلة والتقييم والإصلاح حتى لا تتحول المعاناة إلى مشهد يتكرر مع كل موسم أمطار ، ثم ينتهي بانتهاء الأزمة بينما تبقى أسبابها قائمة ، فالفساد لا يُقاس بالأموال المهدرة وحدها، لأننا عندما نتحدث عن مكافحة الفساد، فإننا لا نتحدث عن الرشوة أو الاستيلاء على المال العام أو التلاعب بالعقود فقط ، بل نتحدث أيضاً عن كل ممارسة تؤدي إلى إهدار الموارد العامة ، وتعطيل مصالح المواطنين ، وإضعاف قدرة مؤسسات الدولة على أداء واجباتها ، لان الفساد قد يظهر في مشروع لا يُنفذ وفق المواصفات ، أو عقد لا يخضع للرقابة الكافية ، أو أعمال صيانة لا تحقق الغرض الذي خُصصت له ، أو منظومة إدارية تفتقر إلى الشفافية والمحاسبة ، وقد تكون النتيجة شبكة تصريف مياه غير قادرة على استيعاب الأمطار ، أو طريقاً يتحول إلى مصدر خطر ، أو مرفقاً عاماً يعجز عن الاستمرار في تقديم خدماته عند أول اختبار حقيقي.
ومع ذلك،، فإن الإنصاف يقتضي التأكيد أن وقوع السيول أو الفيضانات لا يثبت بمفرده وجود فساد أو إهمال متعمد فالأسباب الفنية والمناخية متعددة ، ولا يجوز توجيه اتهامات جزافية إلى أفراد أو جهات دون أدلة ، لكن تكرار الأضرار يفرض إجراء تحقيقات فنية وإدارية ومالية مستقلة للكشف عن مواطن الخلل وتحديد المسؤوليات والتحقق من مدى سلامة التخطيط والتنفيذ والصيانة والإنفاق العام.
إن السؤال الذي ينبغي أن تطرحه الدولة اليوم ليس فقط كم بلغت قيمة الخسائر ؟ بل أيضاً هل أُنفقت الأموال المخصصة للبنية التحتية على النحو الصحيح؟ وهل نُفذت المشروعات وفق المواصفات المعتمدة ؟ وهل خضعت أعمال الصيانة والرقابة للمتابعة اللازمة ؟ وهل جرى التعامل بجدية مع التحذيرات والمخاطر المعروفة مسبقاً؟.
هذه الأسئلة ليست اتهامات ، بل حقوق مشروعة للمواطنين ، وواجبات أصيلة على المؤسسات العامة ، لأن المواطن الليبي لا ينبغي أن يدفع ثمن الإخفاق مرتين.
فالمواطن الذي يعمل ويكدّ لتأمين قوت أسرته ، ثم يفقد سيارته أو بضاعته أو مصدر رزقه نتيجة الأضرار الناجمة عن السيول ، يجد نفسه أمام خسارة تتجاوز قيمة الممتلكات ، فهو يواجه تكاليف الإصلاح وتعطل العمل والتزامات الأسرة ، وربما فقدان مصدر دخله الوحيد.
لذلك،، من غير المقبول أخلاقياً ووطنياً أن يُترك المتضرر وحده في مواجهة هذه الأعباء بينما تظل أسباب القصور المحتملة دون معالجة أو تتوزع المسؤوليات بين الجهات المختلفة دون نتيجة واضحة.
إن حماية المال العام ليست غاية منفصلة عن حماية أرزاق الناس بل إنهما وجهان لمسؤولية واحدة ، فكل دينار يُنفق في غير موضعه وكل مشروع لا يحقق الغرض منه وكل خلل يمكن إصلاحه ويُترك دون معالجة ، قد تكون له تكلفة مباشرة أو غير مباشرة يدفعها المواطن من أمنه وماله واستقراره.
ومن هنا ،، فإن مكافحة الفساد ليست شعاراً سياسياً يُرفع في المناسبات ، وإنما سياسة عامة تُقاس بقدرة الدولة على منع الضرر قبل وقوعه ومحاسبة المقصرين وفق القانون واسترداد الحقوق وضمان عدم تكرار الإخفاقات.
ما الذي يجب أن يحدث الآن؟
إن التعامل الجاد مع ما شهدته طرابلس يقتضي الانتقال من الاستجابة الطارئة إلى الإصلاح المؤسسي من خلال خطوات واضحة ومحددة اطرحها على حضراتكم كالآتي:
أولاً: إجراء تقييم فني مستقل للأضرار وأسبابها
يجب فحص شبكات تصريف مياه الأمطار والطرق والمناطق الأكثر عرضة للغرق والمرافق العامة التي تأثرت بالسيول مع تحديد أوجه القصور الفنية وأولويات المعالجة ونشر نتائج التقييم للرأي العام.
ثانياً: مراجعة العقود والمشروعات ذات الصلة
ينبغي إخضاع مشروعات البنية التحتية والصيانة والتصريف التي تستدعي المراجعة لتدقيق فني ومالي وقانوني للتحقق من جودة التنفيذ ومدى الالتزام بالمواصفات وسلامة إجراءات التعاقد والصرف دون استباق نتائج التحقيق أو توجيه اتهامات غير مثبتة.
ثالثاً: ضمان الشفافية في الإنفاق العام
من حق المواطنين معرفة حجم الأموال التي خُصصت للمشروعات المعنية ، وما نُفذ منها والجهات المشرفة عليها ونتائج أعمال الرقابة والتقييم ، مع إتاحة المعلومات بما يضمن المساءلة ويحمي المال العام.
رابعاً: وضع خطة عاجلة لجبر أضرار المتضررين
أدعو الجهات المختصة إلى حصر الأضرار وفق آلية معلنة وموثوقة وتحديد الفئات الأشد تضرراً ، والنظر في تقديم مساعدات عاجلة ودعم مناسب لأصحاب مصادر الدخل التي تضررت ، وفق معايير عادلة وإجراءات تمنع المحاباة أو الاستغلال.
خامساً: اعتماد خطة وطنية للوقاية من الفيضانات
لا يجوز أن تظل معالجة مياه الأمطار مرتبطة بردود الفعل بعد وقوع الكارثة ، المطلوب خطة تتضمن صيانة دورية لشبكات التصريف ، وتحديث الدراسات الفنية ، ومعالجة النقاط الحرجة ، وتحديد مسؤوليات الجهات المنفذة ، ووضع جدول زمني واضح للتنفيذ ، مع رقابة مستقلة على النتائج.
سادساً: ربط المسؤولية بالمحاسبة
كل من يثبت تورطه في فساد أو إهمال أو مخالفة للقانون يجب أن يخضع للمساءلة وفق الإجراءات القانونية والضمانات الواجبة ، بصرف النظر عن موقعه أو نفوذه وفي المقابل ، ينبغي حماية الموظفين والعاملين الذين أدوا واجباتهم بمهنية ، وعدم تحميلهم مسؤوليات لا تقع ضمن اختصاصاتهم.
كما أنه من واجبنا التذكير بأن مكافحة الفساد مسؤولية وطنية تتجاوز الخلافات السياسية لان بلادنا الحبيبة بما تواجهه من انقسامات سياسية ومؤسسية وتحديات اقتصادية ، لم تعد تحتمل مزيداً من إهدار الموارد أو تراجع الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة.
ومن هذا المنبر الحر ،، ومن واقع مسؤوليتي الوطنية وإيماني بأهمية الوساطة في احتواء النزاعات وبناء التوافق ، أؤكد أن مكافحة الفساد ينبغي أن تكون قضية جامعة تتجاوز الاصطفافات السياسية والمصالح الضيقة ، فسلامة المواطن وحماية ممتلكاته وصيانة المال العام وضمان كفاءة الخدمات الأساسية ، ليست قضايا تخص طرفاً سياسياً دون آخر ، بل هي حقوق ومصالح مشتركة لجميع الليبيين ، كما إن بناء السلام لا يقتصر على وقف إطلاق النار أو التوصل إلى تفاهمات بين الأطراف المتنازعة فقط ، بل يتطلب أيضاً بناء الثقة بين المواطن والدولة وتحقيق العدالة في توزيع الموارد وتعزيز الشفافية وترسيخ مبدأ أن المسؤولية العامة تكليف لخدمة الناس وليست امتيازاً للإفلات من المحاسبة.
ومن هذا المنطلق ، يمكن للوساطة الوطنية أن تؤدي دوراً مهماً في تقريب وجهات النظر، بين المؤسسات المعنية والسلطات المحلية وممثلي المجتمع المدني والمتضررين، من أجل الاتفاق على أولويات الإصلاح ، ومتابعة تنفيذ الالتزامات ، وتحويل المطالب المشروعة إلى إجراءات عملية قابلة للقياس، فالوساطة ليست بديلاً عن القانون ، ولا وسيلة لتجاوز المساءلة، وإنما أداة لبناء التوافق حول الحلول ، ومنع تحول الأزمات الخدمية إلى نزاعات اجتماعية وسياسية ، وضمان مشاركة المواطنين في تحديد احتياجاتهم ومراقبة الاستجابة لها.
رسالتي إلى مؤسسات الدولة
إن ما شهدته طرابلس يجب ألا يُختزل في صور متداولة أو تصريحات مؤقتة أو وعود تُنسى بعد انحسار المياه ، بل ينبغي أن يكون نقطة انطلاق لمراجعة جادة لسياسات التخطيط وإدارة البنية التحتية ، والرقابة على المشروعات العامة ، والاستعداد للكوارث ، لذا ، أطالب الجهات المختصة بتحمل مسؤولياتها ، والإعلان عن الإجراءات المتخذة ، وتحديد آجال واضحة لمعالجة الأضرار ، وإطلاع المواطنين على نتائج التقييم والتحقيقات التي تُجرى بشأن أوجه القصور المحتملة.
كما أدعو مؤسسات الرقابة والمحاسبة إلى القيام بدورها باستقلالية ومهنية ، وأدعو القوى السياسية إلى التعامل مع هذه القضية باعتبارها أولوية وطنية ، بعيداً عن توظيف معاناة الناس في الصراعات أو تبادل الاتهامات دون أدلة.
إن كرامة المواطن الليبي تبدأ من شعوره بأن حياته وممتلكاته ليست أموراً هامشية ، وأن المال العام يُدار لصالحه ، وأن المؤسسات التي تعمل باسمه تخضع للمساءلة، وأن القانون يحميه دون تمييز.
ختاماً
لا نريد أن نعتاد الكارثة فالأمطار نعمة من نعم الله ولا ينبغي أن تتحول آثارها إلى معاناة متكررة بسبب قصور يمكن تداركه أو خلل يمكن إصلاحه ، وما حدث خلال اليومين الماضيين يذكّرنا بكارثة مدينتنا الحبية درنة وغيرها من المدن الليبية التي أهلكتها الفيضانات نتيجة عدم الاستعداد لموسم الشتاء مما يعكس هشاشة الدولة وضعفها ، فقوة الدول لا تُقاس بما تملكه من موارد فحسب، بل بقدرتها على حماية الإنسان ، وإدارة الأزمات ، والتعلم من الأخطاء ، ومحاسبة المسؤولين عن التجاوزات المثبتة.
ومن موقعي كوسيط في فض المنازعات ووقف إطلاق النار ،، أؤكد أن السلام الحقيقي لا ينفصل عن العدالة وأن الاستقرار لا يتحقق بالشعارات وحدها ، بل بمؤسسات نزيهة وفعالة وخدمات تحترم كرامة المواطن ، ونظام رقابي يضمن ألا تضيع حقوق الناس بين الإهمال وتضارب المسؤوليات.
كما إننا ندعم كل جهد وطني جاد يسعى إلى الإصلاح ، وندعو إلى تشكيل موقف وطني جامع يجعل من حماية المال العام ومكافحة الفساد أولوية لا تقبل المساومة ،
فأرزاق الليبيين ليست أرقاماً في تقارير ، وحقوقهم ليست وعوداً مؤجلة ، وحياتهم ليست ثمناً يُدفع نتيجة الإخفاق أو سوء الإدارة ، نريد دولةً تحمي مواطنيها قبل وقوع الكارثة ، وتنصفهم بعد وقوعها ، وتحاسب من يثبت تقصيره ، وتمنع تكرار المعاناة ، فالفساد ليس قدراً والإهمال ليس أمراً طبيعياً ، وحماية الإنسان والمال العام مسؤولية وطنية لا يجوز التهاون فيها.
The post حين تتحول الأمطار إلى كارثة.. وحماية أرزاق الليبيين مسؤولية وطنية appeared first on عين ليبيا | آخر أخبار ليبيا.
