Site icon bnlibya

حين تتكلم القبيلة وتصمت الدولة

حين يعلو صوت القبيلة فوق صوت القانون وتتحول موازين القوة من شرعية الدولة إلى سطوة النفوذ القبلي فإننا لا نكون أمام خلل عابر بل أمام لحظة انحراف خطير في مسار الدولة نفسها فالدولة التي تزاحمها الولاءات القبلية على سلطانها وتنازعها الشرعية خارج مؤسساتها إنما تفقد تدريجيا جوهرها الذي قامت عليه سيادة القانون وعدالة الميزان ووحدة الانتماء.

ليست المشكلة في القبيلة كوعاء اجتماعي ضارب في عمق التاريخ بل في تحولها من رابطة تضامن إلى أداة حكم ومن سند للدولة إلى بديل عنها.

عند هذه النقطة يبدأ التآكل الصامت تتراجع هيبة المؤسسات وتفرغ القوانين من معناها ويعاد تعريف الحق لا بوصفه استحقاقا بل بوصفه امتيازا يمنح لمن يملك القوة أو القرب.

وحين تقدم الولاءات الضيقة على المواطنة يتشقق الوعي الجمعي وتتفتت الهوية الوطنية إلى هويات متنازعة كل منها يطلب نصيبه خارج إطار العدالة الجامعة.

هناك لا تعود الدولة ساحة تنافس شريف بل تتحول الى ميدان صراع حيث لا يقاس النجاح بالكفاءة بل بالانتماء ولا يختار الأصلح بل الأقرب.

وفي هذا المناخ المختل يدفن مبدأ الرجل المناسب في المكان المناسب وتستبدل معايير الجدارة بمنطق المحاباة فتقصى العقول وتهاجر الكفاءات ويفتح الباب واسعا أمام الفساد المقنع بالنفوذ القبلي والمكوناتي وهنا لا تكون الخسارة إدارية فحسب بل وجودية تمس روح الدولة وغايتها.

إن أخطر ما في هذا المسار أنه لا يعلن انهياره دفعة واحدة بل يتسلل ببطء كتشقق خفي في جدار صلب حتى إذا اشتد انهار البناء على من فيه.

فالدول لا تهزم فقط من أعدائها بل قد تسقط حين تعجز عن ضبط توازنها الداخلي وتسمح لبدائلها أن تنمو في أحشائها.

ولذلك فان الحكمة السياسية لا تكمن في إقصاء البنى الاجتماعية بل في احتوائها ضمن إطار الدولة بحيث تظل خاضعة للقانون لا حاكمة عليه.

فالدولة التي تعي هذا التوازن تحفظ وحدتها وتصون عدالتها وتؤسس لمستقبل يستحقه أبناؤها.

أما الدولة التي تتنازل عن هذا المبدأ فأنها لا تفقد سلطتها فحسب بل تزرع بيدها بذور فشلها وتفتح الطريق طوعا أو كرها نحو التفكك ونهب مقدراتها.

ولهذا نقول من هم في سدة الحكم إن مسؤوليتكم ليست إدارة اللحظة بل صيانة الدولة من عوامل التآكل الصامت فالتاريخ لا يرحم من يساوم على هيبة القانون ولا يعذر من يسمح بتغول النفوذ على حساب المؤسسات.

إن الحفاظ على الدولة يبدأ من تثبيت مبدأ واحد لا بديل له لا سلطة تعلو فوق سلطة القانون ولا ولاء يسبق ولاء الوطن… حفظ الله الوطن شعبا وجيشا وأرضا.

تحياتي واحترامي للجميع

The post حين تتكلم القبيلة وتصمت الدولة appeared first on عين ليبيا آخر أخبار ليبيا.