في خطوة وُصفت بأنها من أبرز التحركات الاقتصادية خلال السنوات الأخيرة، عاد ملف توحيد الإنفاق العام في ليبيا إلى الواجهة بعد توقيع الاتفاق التنموي الموحد واعتماد جداول الإنفاق العامة، في محاولة لإنهاء أكثر من عقد من الانقسام المالي الذي انعكس بشكل مباشر على أداء الاقتصاد ومستوى معيشة المواطنين، وبينما يترقب الشارع الليبي انعكاسات هذا التطور، تتباين الآراء حولن قدرته على إحداث تحول حقيقي في إدارة المالية العامة، ومعالجة التشوهات الاقتصادية المتراكمة، وفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الاستقرار والإصلاح الاقتصادي في البلاد.
وفي هذا السياق، اعتبر محمد يوسف درميش، مشرف الملف الاقتصادي والاجتماعي سابقًا بالمركز القومي للدراسات والبحوث العلمية، أن الاتفاق على توحيد الإنفاق العام واعتماد موازنة سنوية يمثل خطوة إيجابية في مسار إصلاح الإدارة المالية في ليبيا بعد سنوات طويلة من الانقسام.
وفي تصريحات خاصة لشبكة عين ليبيا، قال درميش إن: “توحيد الإنفاق والاتفاق على موازنة سنوية كخطة مالية للدولة الليبية خطوة في الاتجاه الصحيح لأن الموازنة أداة من أدوات الرقابة وترشيد الإنفاق”.
وأضاف أن هذا التفاهم قد يسهم في معالجة أحد أبرز مظاهر الانقسام المالي، موضحًا: “هذا الاتفاق نقطة تحول جديدة للحد من ازدواجية الإنفاق وضعف الرقابة”.
وأشار درميش إلى أن التحديات الاقتصادية في ليبيا أعمق من مجرد إجراءات مالية آنية، مؤكدًا أن: “التشوهات في الاقتصاد الليبي كنخفاض مستوى دخل الفرد وأزمة الإسكان وانخفاض فرص العمل والتضخم ليست وليدة اللحظة، تحتاج إلى خطة للإصلاح الاقتصادي، ولكن الاتفاق على خطة مالية يقلل من الإهدار ويرشد الإنفاق الحكومي”.
وبشأن التحديات المحتملة لتنفيذ الاتفاق، أوضح أن نجاحه يعتمد أساسًا على الالتزام بأدوات السياسة الاقتصادية، قائلاً: “لا توجد تحديات تواجه الإنفاق إلا احترام كافة أدوات السياسة الاقتصادية المالية والنقدية والتجارية، هذا الإجراء وتنفيذه وفق القانون المالي للدولة”.
وانتقد درميش أداء المصرف المركزي في إدارة ملف سعر الصرف، مشيرًا إلى أن: “للأسف الشديد البنك المركزي بعيد كل البعد عن الواقع والحالة الاجتماعية للناس، فهو يضع سعر صرف لا يتماشى مع دخول المواطنين ولا يتعامل مع السوق السوداء كعدو للاقتصاد الوطني ويضع حدًا له، بل يرضخ له ويصدر قرارات تخدم مصالح السوق، تخسر فيها الدولة عشرات المليارات من أصولها المقومة بالدينار ويستنزف فيها مدخرات الناس”.
وأضلف: “ما على البنك المركزي الآن إعادة النظر في سعر الصرف ووضع سعر يتماشى مع مستوى دخل الفرد والعدالة في توزيع الاعتمادات وتنظيمها بالتنسيق مع السياسة التجارية، فلا يستطيع البنك المركزي القيام بتقوية الدينار الليبي إلا من خلال تبني خطة في إدارة أزمة مع أدوات السياسة الاقتصادية التجارية والمالية ومتابعة الأحداث وكبح احتكار القلة والسوق السوداء”.
وفيما يتعلق بملف التضخم، شدد على أن الإنفاق العام ليس العامل الرئيسي وراء ارتفاع الأسعار، موضحًا: “الإنفاق العام ليس هو سبب التضخم، سبب التضخم الإجراءات الخاطئة التي قام بها البنك المركزي في العشرات من السنوات الماضية وسنوات 1999-2002، والمتمثل في تخفيض قيمة الدينار وفرض رسوم وضرائب بدون الأخذ في عين الاعتبار عواقب وتداعيات هذا الإجراء”.
ويرى درميش أن الاستقرار المالي يمكن أن يعزز ثقة المؤسسات والأسواق، لكنه أشار إلى وجود عقبات هيكلية في الاقتصاد الليبي، قائلاً: “الاستقرار المالي والاقتصادي يعزز ثقة المؤسسات المحلية والدولية صحيح، ولكن في ليبيا نوع النشاط الاقتصادي ونوع سوق هذا النشاط احتكار قلة قد يكون عائقًا أمام المؤسسات الدولية والمحلية وكذلك التدني في مستوى الأداء الحكومي وعدم وجود الاستقرار”.
وأكد أن تحسين بيئة الاستثمار يتطلب إصلاحات مؤسسية واسعة، موضحًا: “وبطبيعة الحال توفير بيئة خصبة لبيئة المال والأعمال والقضاء على الاحتكار وتنظيم التجارة يحتاج إلى إدارة عامة كفؤة وتوفير سوق أوراق مالية وبنوك متطورة، وهذا لا يوجد في البيئة الليبية ويحتاج إلى إدارة كفؤة واستقرار وإرادة سياسية”.
وفي سياق متصل، لفت إلى أهمية الدور الدولي في دعم الاستقرار الاقتصادي في ظل الانقسامات الحالية، قائلاً: “وبطبيعة الحال الظروف التي تمر بها ليبيا الآن والانقسامات تحتاج إلى تدخل دولي لمساندة أدوات الدولة على العمل الصحيح وفق الدستور والقانون”.
كما شدد على أن توحيد المؤسسات الاقتصادية قد ينعكس إيجابًا على حياة المواطنين، مضيفًا: “وتوحيد المؤسسات الذي له دور كبير في تخفيف العبء على معيشة المواطن والتخفيف عليه في ضغوط الحياة”.
واختتم درميش تصريحاته بالتأكيد على ضرورة التحرك السريع لإدارة الأزمة الاقتصادية، مشيرًا إلى أن: “الخطوات العاجلة التي يجب اتخاذها هي وضع خطة لإدارة الأزمة وإدارة هذه الأزمة تحت إشراف أدوات السياسة الاقتصادية التجارية والمالية والنقدية لمتابعة الأحداث كل ساعة بساعة وكل يوم بيومه لوضع حل للمشاكل العالقة، وهذا الاتفاق يعتبر نواة الانطلاق نحو إصلاح أشمل”.
The post خبير اقتصادي لـ«عين ليبيا»: الاتفاق المالي بداية إصلاح لكن الأزمة أعمق من مجرد موازنة موحدة appeared first on عين ليبيا آخر أخبار ليبيا.

