خبير اقتصادي: ليبيا لا تعاني نقص الموارد وأزمة الدينار تبدأ من اختلال المالية العامة

0
7

أكد الخبير الاقتصادي حسني بي أن الخيارات المتاحة أمام مجلس إدارة مصرف ليبيا المركزي محدودة، في ظل اختلال مزمن بين إيرادات الدولة ونفقاتها، مشيرًا إلى أن الأزمة الاقتصادية في ليبيا لا ترتبط بنقص الموارد، وإنما بطريقة إدارة الإنفاق وتعدد مراكز اتخاذ القرار والالتزامات المالية.

وأوضح بي أن التحدي الحقيقي لا يتعلق بهوية الشخص الذي يتولى منصب المحافظ، وإنما بقدرة المصرف المركزي على إدارة اقتصاد تتجاوز فيه الالتزامات المالية الموارد المستدامة، بينما يُطلب منه حماية الدينار الليبي، وكبح التضخم، وتوفير النقد الأجنبي، والحفاظ على الاحتياطيات.

وشدد على أن السياسة النقدية لا تستطيع معالجة اختلال مالي مستمر إلى أجل غير محدود، داعيًا إلى اعتماد قاعدة تربط الإنفاق العام بالإيرادات المستدامة، بحيث لا يتجاوز الإنفاق بالدينار حجم الإيرادات، باستثناء العجز المؤقت والممول بوضوح، على ألا تتجاوز نسبته 5% من الإيرادات السنوية.

وأشار إلى أن الالتزام بهذه القاعدة يقع على عاتق السلطات التشريعية والتنفيذية في غرب البلاد وشرقها وجنوبها، وليس المصرف المركزي وحده.

ولفت إلى أن ليبيا شهدت اختلالات مالية متكررة منذ ثمانينيات القرن الماضي، وتجددت بعد عام 2013، وتفاقمت منذ عام 2023، موضحًا أن المشكلة لا تكمن في وجود عجز مؤقت، وإنما في تحوله إلى حالة مستمرة يجري تمويلها من خلال التوسع النقدي أو استنزاف الأصول الأجنبية.

وفيما يتعلق بالمؤشرات المالية، أشار بي إلى أن بيانات الأشهر التسعة الأولى من عام 2026، الصادرة عن مصرف ليبيا المركزي، أظهرت إيرادات بنحو 114.6 مليار دينار، مقابل إنفاق مسجل بلغ 88.6 مليار دينار، بفائض محاسبي يقارب 26 مليار دينار، وفق نطاق البيانات المعلنة.

وفي المقابل، أظهرت حسابات النقد الأجنبي إيرادات نفطية وإتاوات بنحو 17.6 مليار دولار، مقابل استخدامات والتزامات بلغت 22.3 مليار دولار، بفجوة حسابية تقارب 4.7 مليار دولار.

وتطرح هذه الأرقام تساؤلات بشأن ظهور فائض في الحسابات المقومة بالدينار، مقابل فجوة في حسابات النقد الأجنبي، إلا أن المقارنة لا تعني وجود تناقض حسابي مباشر، نظرًا لاختلاف نطاق العمليات والعملة المستخدمة وآليات تسجيل الإيرادات والالتزامات.

وأوضح بي أن تحويل الإيرادات النفطية من الدولار إلى الدينار لا يؤدي إلى زيادة الموارد الدولارية، مشددًا على ضرورة توحيد الفترة الزمنية ونطاق الحسابات وأسس التصنيف والاحتساب قبل إجراء المقارنات بين الإنفاق المسجل بالدينار والاستخدامات والالتزامات بالدولار.

كما دعا إلى توضيح ما إذا كانت البيانات الدولارية تشمل المدفوعات الفعلية فقط أو الالتزامات المستحقة والمستقبلية أيضًا، وما إذا كانت بيانات الإنفاق بالدينار تغطي جميع الجهات الحكومية وأوجه الإنفاق الموازي.

وبحسب تقديراته، يمكن أن يصل إجمالي الإنفاق السنوي في ليبيا إلى نحو 170 مليار دينار، منها قرابة 125 مليار دينار مرتبطة بسلطات طرابلس، و45 مليار دينار للإنفاق التنموي والموازي، مع التأكيد على أن هذه الأرقام تقديرات تحليلية تحتاج إلى مراجعة من خلال حسابات موحدة.

وأضاف أن العبء الاقتصادي والمالي الإجمالي يمكن أن يتجاوز 270 مليار دينار عند احتساب تكاليف المحروقات المستوردة والمنتجة محليًا، والغاز المستخدم في توليد الكهرباء، والدعم الضمني، مع ضرورة استبعاد الازدواجية بين البنود المختلفة.

وأكد أن هذا التقدير لا يمثل بالضرورة إنفاقًا نقديًا مباشرًا أو قيمة نهائية معتمدة، وإنما يعكس نطاقًا أوسع للأعباء الاقتصادية والمالية التي تتحملها الدولة.

ودعا بي مجلس إدارة مصرف ليبيا المركزي إلى المطالبة بإعداد حساب وطني موحد وشامل لجميع الإيرادات والنفقات والالتزامات، بصرف النظر عن الجهات المسؤولة عن الإنفاق أو مصادر التمويل.

وطرح الخبير الاقتصادي أربعة مسارات رئيسية لمعالجة الاختلالات المالية والنقدية، يبدأ أولها باستخدام الاحتياطيات الأجنبية بصورة مؤقتة لتغطية جزء من العجز، مع وضع سقف زمني لا يتجاوز ثلاث سنوات لهذه المرحلة الانتقالية، وتحديد حدود السحب وربط استخدام الأصول الأجنبية بإصلاحات قابلة للقياس.

وحذر من أن الاعتماد المستمر على الاحتياطيات دون معالجة أسباب الاختلال المالي يعني استهلاك أصول تمثل ثروة للأجيال القادمة، بدلًا من توظيفها ضمن سياسة اقتصادية مستدامة.

ويتمثل المسار الثاني في زيادة الإنتاج والإيرادات الحقيقية، من خلال رفع إنتاج النفط والغاز، وتقليل الفاقد وحرق الغاز، وضمان تحصيل الإيرادات وتوريدها إلى الخزانة العامة، إلى جانب تنمية الإيرادات غير النفطية وإصلاح المؤسسات العامة، خصوصًا في قطاعي النفط والكهرباء، وفق قواعد تجارية ومحاسبية تتسم بالشفافية.

وأشار إلى أن زيادة الإيرادات وحدها لن تحقق الاستقرار المالي إذا استمر الإنفاق في الارتفاع بالمعدلات نفسها.

أما المسار الثالث فيتعلق بإصلاح منظومة الدعم، من خلال الانتقال التدريجي من دعم السلع إلى التحويلات النقدية المباشرة للمواطنين، موضحًا أن الدعم السعري الحالي يشجع على الهدر والتهريب، ويمنح أصحاب الاستهلاك الأكبر استفادة أكبر.

وشدد على أن إصلاح الدعم لا يعني إلغاء الحماية الاجتماعية عن المواطنين، وإنما استبدال آليات الدعم الحالية بتحويلات نقدية مباشرة، على أن تسبق هذه التحويلات أي تعديلات للأسعار، مع توفير حماية مناسبة للقوة الشرائية.

ويرى بي أن إصلاح الدعم وضبط الإنفاق يمكن أن يستهدفا خفض المصروفات العامة بنسبة تصل إلى 20%.

وباحتساب إنفاق سنوي تقديري يبلغ 170 مليار دينار، فإن خفض المصروفات بنسبة 20% يعني وفرًا إجماليًا مستهدفًا يصل إلى 34 مليار دينار سنويًا، قبل خصم التعويضات النقدية وتكاليف تنفيذ الإصلاح.

وأوضح أن هذا الرقم يمثل تقديرًا حسابيًا للوفر الإجمالي المستهدف، وليس توقعًا مؤكدًا لصافي الوفورات الناتجة عن الإصلاح.

ويتمثل المسار الرابع في اعتماد سياسة أكثر مرونة واستدامة لسعر الصرف، باعتبارها من المسؤوليات المباشرة للمصرف المركزي، في ظل اعتماد ليبيا على الإيرادات النفطية بالدولار، مقابل التزامات الإنفاق العام المقومة بالدينار.

وأشار إلى أن سعر الصرف يؤثر في قدرة الدولة على تحويل مواردها من النقد الأجنبي إلى موارد محلية تغطي الالتزامات المالية.

وفي هذا السياق، اقترح قاعدة احترازية تستهدف تغطية الإيرادات المستدامة ما لا يقل عن 93% من إجمالي الإنفاق العام الموحد، مع تمويل منضبط للفجوة المتبقية.

وبحسب هذه المعادلة، فإن إنفاقًا سنويًا يبلغ 170 مليار دينار يتطلب إيرادات تعادل 158.1 مليار دينار لتغطية نسبة 93% منه.

ولشرح العلاقة بين الإيرادات الدولارية والإنفاق بالدينار، قدم بي مثالًا حسابيًا يفترض توفر 20 مليار دولار سنويًا، من دون احتساب الإيرادات الأخرى المقومة بالدينار، موضحًا أن تحويل هذه الحصيلة إلى 158.1 مليار دينار يعادل سعر تحويل حسابيًا يبلغ 7.91 دينار للدولار.

وفي حال تراجعت الحصيلة إلى 18 مليار دولار، يرتفع سعر التحويل الحسابي اللازم للوصول إلى القيمة نفسها إلى نحو 8.78 دينار للدولار.

وأكد أن هذه الأرقام ليست أسعار صرف مقترحة أو تقديرات للقيمة العادلة للدينار، وإنما أمثلة حسابية لتوضيح العلاقة بين الإيرادات الدولارية والإنفاق المقوم بالعملة المحلية، ولا تشمل جميع مصادر الإيرادات الأخرى أو الالتزامات الخارجية.

وحذر من أن تخفيض قيمة الدينار ليس خيارًا بلا تكلفة، إذ يؤدي إلى ارتفاع تكلفة الواردات والضغط على القوة الشرائية للمواطنين، لكنه أشار إلى إمكانية مساهمته، ضمن برنامج إصلاح شامل، في تقليص الفجوة بين السعر الرسمي والموازي والحد من الريع الذي يستفيد منه المضاربون وأصحاب الامتيازات.

وشدد على أن الهدف من سياسة الصرف ليس رفع سعر الدولار لتمويل الإنفاق غير المنضبط، وإنما توحيد سوق الصرف تدريجيًا، وتقليص المضاربة، واستعادة الثقة بالدينار الليبي.

وفيما يتعلق بالإجراءات العاجلة، دعا بي مجلس إدارة مصرف ليبيا المركزي إلى إعلان برنامج عمل خلال أول 100 يوم، يرتكز على ست أولويات تشمل الشفافية، والانضباط النقدي، وإصلاح سوق الصرف، وحماية الاحتياطيات، وإصلاح القطاع المصرفي، وتعزيز الاستقلالية والمساءلة.

وتتضمن أولوية الشفافية نشر حساب موحد وشامل للإيرادات والإنفاق والالتزامات العامة، بما يشمل الإنفاق الموازي وتكاليف الطاقة، مع توضيح أسس التصنيف والاحتساب.

أما الانضباط النقدي فيتطلب وقف تمويل الإنفاق غير المنضبط من خلال خلق النقود أو التوسع غير المستدام في الائتمان الحكومي.

وفي ملف سوق الصرف، دعا إلى توفير النقد الأجنبي عبر آلية شفافة ومنتظمة، والعمل على تقليص الفجوة بين السعر الرسمي والموازي، بالتوازي مع وضع ضوابط واضحة لاستخدام الأصول الأجنبية والتمييز بين الاحتياطيات السائلة والأصول الأخرى.

كما شدد على ضرورة إصلاح القطاع المصرفي من خلال تحسين السيولة، وتطوير وسائل الدفع الإلكتروني، وتعزيز الرقابة المصرفية، واستعادة ثقة المودعين.

وفيما يتعلق بالاستقلالية والمساءلة، دعا إلى إعلان ما يستطيع المصرف المركزي تحقيقه ضمن صلاحياته، وتحديد الملفات التي تتطلب قرارات من السلطات المالية والتنفيذية، مع وضع أهداف واضحة وقابلة للقياس.

وأكد بي أن المصرف المركزي لا يملك أدوات إنتاج النفط أو خفض فاتورة المرتبات أو إلغاء الإنفاق الموازي أو إصلاح منظومة الدعم من خلال قرارات نقدية، كما لا يستطيع الدفاع بصورة مستمرة عن سعر صرف لا تتناسب معه الموارد والظروف الاقتصادية.

لكنه شدد على ضرورة رفض إخفاء الاختلالات المالية من خلال التوسع النقدي أو استنزاف الاحتياطيات، وتوضيح التكلفة الحقيقية لكل خيار أمام الرأي العام.

واعتبر أن السوق الموازية ليست السبب الجذري لأزمة الدينار، وإنما ترتبط بدرجة كبيرة بالاختلالات المالية والنقدية، والقيود المفروضة على النقد الأجنبي، والفجوة بين العرض والطلب، موضحًا أن إغلاقها بقرار إداري لا يعالج الأسباب التي أدت إلى نشأتها.

واختتم بي بالتأكيد على أن ليبيا لا تعاني نقصًا في الموارد، وإنما تواجه تحديًا في إدارة هذه الموارد بطريقة تضمن الاستقرار النقدي، حتى خلال فترات ارتفاع إيرادات النفط.

وأوضح أن قوة الدينار لا تقاس بحجم الاحتياطيات الأجنبية وحده، وإنما بقدرة الدولة على تحقيق التوازن بين الإيرادات والإنفاق، وعرض النقود والطلب عليها، وموارد النقد الأجنبي واستخداماته.

ووجه رسالة إلى مجلس إدارة المصرف ال

The post خبير اقتصادي: ليبيا لا تعاني نقص الموارد وأزمة الدينار تبدأ من اختلال المالية العامة appeared first on عين ليبيا | آخر أخبار ليبيا.