خبير اقتصادي يطرح السؤال الأصعب في الاقتصاد الليبي: لماذا يصبح الريع أكثر ربحًا من الإنتاج؟

0
7

قال الخبير الاقتصادي حسني بي إن النقاش بشأن أزمة الاقتصاد الليبي ينشغل في كثير من الأحيان بالنتائج الظاهرة للاختلالات، من المضارب والمهرب والتاجر إلى السوق الموازية وارتفاع الأسعار، وصولًا إلى المواطن الذي يحاول حماية دخله في بيئة اقتصادية مضطربة، بينما يغيب سؤال أكثر عمقًا يتعلق بمصدر الحوافز التي تدفع هذه السلوكيات.

وأوضح بي أن السؤال الأساسي لا ينبغي أن يقتصر على معرفة من يمارس المضاربة أو التهريب، وإنما يمتد إلى البحث في الأسباب التي تجعل بعض هذه الأنشطة أكثر ربحية وأقل مخاطرة من العمل والإنتاج.

وأشار إلى أن النظر إلى السلوك الاقتصادي من هذه الزاوية لا يعني تبرير المخالفات أو إسقاط مسؤولية الأفراد عن أفعالهم، وإنما يضع هذه الأفعال داخل البيئة الاقتصادية التي تحكم القرارات، باعتبار أن الأسواق تستجيب للحوافز، وأن السياسات العامة تستطيع إما تقليص هذه الحوافز أو توسيع نطاقها.

وفي سوق الصرف، يرى بي أن إعلان سعر رسمي للدولار لا يكفي وحده لتحقيق الاستقرار الاقتصادي، موضحًا أن ظهور فارق بين السعر الرسمي والسعر الموازي يخلق قيمة اقتصادية لهذا الفارق، ويمنح من يستطيع الوصول إلى النقد الأجنبي بالسعر الأقل فرصة لتحقيق ريع.

ويشير صندوق النقد الدولي، في أحدث تقييم له للاقتصاد الليبي، إلى استمرار الفجوة بين سعر الصرف الرسمي والموازي رغم تقلصها مقارنة بمستويات سابقة، ويربط استمرارها بوجود طلب زائد على النقد الأجنبي.

ويرى الصندوق أن تقارب سعر الصرف الرسمي مع مستوى يتوافق مع الأساسيات الاقتصادية يمكن أن يقلل حوافز السعي وراء الريع، ويساعد على تحقيق توازن أفضل بين عرض النقد الأجنبي والطلب عليه، لكنه يشدد في الوقت نفسه على أن إصلاح سعر الصرف لا يمكن أن يحل محل ضبط المالية العامة.

وفي المقابل، لا يرى بي أن السوق الموازية تمثل سوقًا مثالية أو أن السعر الذي تنتجه يصلح معيارًا مطلقًا، إذ تتأثر هذه السوق بالمضاربة والمخاطر ونقص الشفافية.

لكنه يلفت إلى أن السوق الموازية لا تعمل بمعزل عن الاقتصاد الليبي، فارتفاع الطلب على العملة الأجنبية بوتيرة تتجاوز المعروض، بالتزامن مع توسع الإنفاق والسيولة واستمرار الاختلالات المالية، يوفر تفسيرًا اقتصاديًا لارتفاع السعر الموازي، بدل التعامل معه كظاهرة منفصلة عن السياسات العامة.

وفي السياق نفسه، يرى صندوق النقد الدولي أن الإجراءات النقدية والإدارية وحدها لا تكفي لمواجهة آثار العجز المالي الكبير، وأن معالجة الاختلالات في المالية العامة تظل عنصرًا أساسيًا لاستعادة الاستقرار الاقتصادي.

وينطبق منطق الحوافز ذاته، بحسب بي، على منظومة دعم الطاقة، إذ يؤدي بيع الوقود أو الطاقة بأسعار تقل كثيرًا عن تكلفتها وقيمتها الاقتصادية إلى نشوء فارق سعري يمكن أن يتحول إلى حافز للتهريب والهدر وإعادة البيع.

وفي تقريره بشأن إصلاح دعم الطاقة في ليبيا، أشار صندوق النقد الدولي إلى ارتباط منظومة الدعم بانتشار التهريب وتحويل الموارد بعيدًا عن قطاعات وخدمات أكثر إنتاجية.

وبحسب أحدث تقييم للصندوق في 2026، يصل دعم الطاقة في ليبيا إلى نحو 20% من الناتج المحلي الإجمالي، بينما تقترب فاتورة الأجور من 30% من الناتج، وهي مستويات يصنفها الصندوق ضمن الأعلى عالميًا.

وفي تقريره لعام 2025، قدّر الصندوق دعم الطاقة بنحو 25% من الناتج المحلي الإجمالي و43% من الإنفاق الجاري، وهو اختلاف يعكس تغير السنة والمنهجية المستخدمة في تقدير العبء المالي للدعم.

وبناءً على ذلك، يرى بي أن مواجهة هذه الظاهرة عبر زيادة الرقابة الأمنية وحدها لا تعالج أصل المشكلة، لأن الأجهزة الأمنية تستطيع مواجهة الجريمة، لكنها لا تلغي الحافز الاقتصادي الذي يجعل النشاط المخالف مربحًا.

ومن هنا يطرح بي الانتقال من دعم السلعة إلى دعم المواطن بصورة مباشرة وأكثر استهدافًا، مع التأكيد على أن الإصلاح لا ينبغي أن يبدأ برفع الأسعار وترك المواطن في انتظار تعويض مستقبلي غير مضمون.

ويعتبر أن الترتيب الأكثر منطقية لأي إصلاح في هذا المجال هو توفير الحماية المالية للمواطن أولًا، أو بالتزامن مع الإصلاح، ثم تعديل منظومة دعم الأسعار بصورة تدريجية ووفق آليات واضحة.

ويرى أن ليبيا تمتلك بالفعل بنية يمكن البناء عليها لتوسيع التحويلات النقدية المباشرة، من خلال النظام المصرفي وبرامج التحويلات الاجتماعية القائمة، إلا أن نجاح هذا المسار يحتاج إلى قاعدة بيانات موثوقة وآلية شفافة للتحويل والاستهداف والرقابة.

وبحسب هذا التصور، فإن قدرة الدولة على تحويل دعم محدد إلى حسابات المستحقين تتيح إعادة تصميم منظومة الدعم تدريجيًا على أساس المستفيد، بدل استمرار دعم السلعة الذي يستفيد منه كل من يستهلكها أو يستطيع الوصول إليها، بصرف النظر عن مستوى دخله.

ولا تتوقف مشكلة الحوافز عند سوق الصرف ودعم الطاقة، إذ يرى بي أنها تظهر أيضًا بوضوح في سوق العمل.

ووفق بيانات صندوق النقد الدولي، بلغت فاتورة أجور الحكومة نحو 30% من الناتج المحلي الإجمالي في 2024، وهي من أعلى النسب عالميًا. كما أظهر تحليل الصندوق لسوق العمل أن نحو 86% من قوة العمل الرسمية في ليبيا تعمل في القطاع العام، مقابل نحو 14% في القطاع الخاص.

ويربط صندوق النقد بين ارتفاع الأجور والمزايا في القطاع العام وبين محدودية قدرة القطاع الخاص على استقطاب العمالة الماهرة بأجور تنافسية.

ويرى بي أن المشكلة هنا لا تكمن في رغبة المواطن في الحصول على وظيفة حكومية بحد ذاتها، وإنما في البيئة الاقتصادية التي تجعل الوظيفة العامة أكثر جاذبية واستقرارًا من المخاطرة بإقامة مشروع خاص أو البحث عن فرصة إنتاجية.

ومع تحول الوظيفة العامة إلى قناة رئيسية لتوزيع الدخل، يصبح انتظار الحصول عليها خيارًا اقتصاديًا مفهومًا بالنسبة إلى شريحة واسعة من المواطنين، حتى لو ترتب على ذلك عبء متزايد على الدولة على المدى الطويل.

ويخلص بي إلى أن هذه العوامل مجتمعة تسهم في إعادة إنتاج اقتصاد الريع، إذ يخلق فارق سعر الصرف فرصة للمراجحة، بينما يوفر فارق أسعار الوقود والطاقة حافزًا للتهريب وإعادة البيع، ويضيف الإنفاق العام الواسع ضغوطًا على السيولة وسوق النقد الأجنبي، في وقت يؤدي تضخم القطاع العام إلى إضعاف قدرة القطاع الخاص على المنافسة على العمالة ورأس المال.

وفي مواجهة هذه الاختلالات، تأتي المعالجة في كثير من الأحيان عبر زيادة الرقابة والإجراءات الإدارية والحملات الأمنية وتشديد العقوبات، لكن بي يرى أن التعامل مع النتائج من دون تغيير مصدر الحافز يترك المجال مفتوحًا أمام إعادة إنتاج المشكلة.

ويؤكد أن المطلوب لا يتمثل في تعويم أعمى للدينار، ولا في رفع مفاجئ لأسعار الطاقة من دون حماية اجتماعية، ولا في ترك السوق من دون رقابة أو دولة، وإنما في إصلاح منظومة الحوافز التي توجه السلوك الاقتصادي.

ويضع ضمن مسار الإصلاح ضبط الإنفاق العام، ومنع تمويل العجز بوسائل تزيد الضغوط النقدية، والعمل نحو سعر صرف موحد أقرب إلى التوازن الاقتصادي، وتقليص الفجوة بين السعر الرسمي والموازي، وإعادة تصميم دعم الطاقة بصورة أكثر استهدافًا للمواطنين، إلى جانب إصلاح منظومة الأجور وتوجيه الإنفاق نحو الاستثمار والإنتاج وتهيئة بيئة تسمح للقطاع الخاص بالنمو.

وتتقاطع هذه المحاور مع ما يورده صندوق النقد الدولي في تقييماته للاقتصاد الليبي، إذ يضع ضبط المالية العامة ضمن العناصر الأساسية لاستعادة الاستقرار، ويدعو إلى إصلاح دعم الطاقة والأجور وتقليل التشوهات في سوق الصرف وتعزيز دور القطاع الخاص وتنويع الاقتصاد بعيدًا عن الاعتماد المفرط على النفط.

ويختصر بي الفكرة في قاعدة اقتصادية مفادها أن الإنسان يميل في قراراته إلى النشاط الذي يوفر عائدًا أعلى مع مستوى مخاطرة أقل.

وبناءً على ذلك، إذا أصبح تحقيق الربح من فارق سعر الدولار أو الوقود المدعوم أو الوصول إلى الإنفاق الحكومي أسرع وأسهل من إنشاء مصنع أو مزرعة أو شركة إنتاجية، فإن الاقتصاد سيواصل إنتاج سلوكيات تبحث عن الريع، حتى مع ارتفاع الخطاب الداعي إلى زيادة الإنتاج.

ويقول بي إن مواجهة المضارب بعد خلق هامش الربح الذي يدفعه إلى المضاربة، وملاحقة المهرب بعد توفير سلعة بفارق سعري واسع، ولوم المواطن لمجرد استجابته للحوافز التي صنعتها السياسات الاقتصادية، كلها معالجات تركز على النتائج أكثر من الأسباب.

ويخلص إلى أن تغيير الحوافز هو المدخل الأساسي لتغيير السلوك، بينما يؤدي الإبقاء على التشوهات الاقتصادية ثم محاولة مطاردة نتائجها عبر الشرطة والقرارات الإدارية إلى استمرار المشكلة في صورة جديدة.

ومن هذا المنطلق، يطرح بي السؤال الأوسع: لماذا يضارب الليبي؟ ولماذا يهرب الوقود؟ ولماذا يفضل الوظيفة الحكومية؟

ويرى أن الإجابة الأكثر أهمية تتعلق بما يجعل هذه الخيارات أكثر ربحًا وأقل مخاطرة من الإنتاج، معتبرًا أن تغيير هذه المعادلة يمكن أن يفتح الطريق أمام تحول أعمق في بنية الاقتصاد الليبي.

The post خبير اقتصادي يطرح السؤال الأصعب في الاقتصاد الليبي: لماذا يصبح الريع أكثر ربحًا من الإنتاج؟ appeared first on عين ليبيا | آخر أخبار ليبيا.