خبير قانوني يكشف لـ«عين ليبيا» التفاصيل.. ما الذي يوقف تنفيذ أحكام الإعدام؟

0
7

أثار تنفيذ أحكام بالإعدام بحق عدد من المواطنين الليبيين في شرق البلاد، على خلفية قضايا وُصفت بالإرهابية والجنائية، موجة من الجدل والتساؤلات حول قانونية الإجراءات التي سبقت تنفيذها، ومدى سلامة الاختصاص القضائي الذي صدرت عنه تلك الأحكام، في ظل استمرار الانقسام المؤسسي والقضائي في ليبيا.

وفي ظل الجدل القانوني والدستوري حول اختصاص القضاء العسكري بمحاكمة المدنيين وتنفيذ أحكام الإعدام بحقهم، وما يرافق ذلك من انقسام مؤسسي وقضائي في ليبيا، يطرح أستاذ القانون العام المساعد بالأكاديمية الليبية للدراسات العليا، مجدي الشبعاني، جملة من التحفظات القانونية المرتبطة بالاختصاص وضمانات المحاكمة والحق في الحياة.

وقال الشبعاني إن الأصل أن الاختصاص القضائي يسبق البحث في الإدانة والعقوبة؛ فلا تكفي جسامة الجريمة المنسوبة إلى المتهم، بل يجب أن تصدر الإدانة عن محكمة مختصة قانونًا ومستقلة ومحايدة، وبعد محاكمة تستوفي ضمانات الدفاع والطعن والمراجعة.

وأوضح أن القانون رقم (11) لسنة 2013 حصر اختصاص المحاكم العسكرية في الجرائم المنصوص عليها في قانون العقوبات العسكري التي يرتكبها الخاضعون له، وهم العسكريون النظاميون والأسرى العسكريون، كما أوجب إحالة الوقائع والدعاوى الخارجة عن هذا النطاق إلى النيابة العامة أو المحاكم العادية المختصة.

وأضاف أن التوسع الذي جاء به القانون رقم (4) لسنة 2017، وأخضع المدنيين للقضاء العسكري في جرائم الإرهاب والجرائم المرتكبة ضد الدولة، فقد قضت الدائرة الدستورية بالمحكمة العليا بعدم دستوريته، ومن ثم فإن تنفيذ حكم إعدام بحق مدني استنادًا إلى هذا التوسع يثير شبهة دستورية وقانونية بالغة الخطورة تتعلق بالقاضي الطبيعي والاختصاص الولائي وسلامة المحاكمة.

وشدد الشبعاني على أن ذلك لا يعني تبرئة المتهمين أو التقليل من جسامة الجرائم المنسوبة إليهم، وإنما يعني أن محاسبتهم يجب أن تتم أمام القضاء العادي المختص وفي إطار محاكمة عادلة؛ فالعدالة للضحايا لا تتحقق بإهدار ضمانات المتهمين، بل بحكم مشروع يصمد قانونًا ولا تحيط به شبهة البطلان.

وفي ما يتعلق بحكم المحكمة العليا، أوضح الشبعاني أن الحكم المقصود هو الصادر في الطعن الدستوري رقم (22/71ق) بتاريخ 2 نوفمبر 2025، وليس في أبريل 2024، مشيرًا إلى أن المبدأ القانوني المستخلص منه نُشر على موقع المحكمة العليا لاحقًا، وهو ما قد يكون سببًا في اختلاط التواريخ.

وبيّن أن الحكم قضى بعدم دستورية القانون رقم (4) لسنة 2017 فيما تضمنه من إسناد محاكمة المدنيين في جرائم الإرهاب والجرائم ضد شخصية الدولة إلى المحاكم العسكرية.

وأشار إلى أن الأحكام التي صدرت بعد هذا الحكم استنادًا إلى النص المقضي بعدم دستوريته تكون قد افتقدت الأساس القانوني الذي انعقد بموجبه اختصاص القضاء العسكري بمحاكمة المدنيين، بما يشكل مخالفة مباشرة لحكم المحكمة العليا.

أما الأحكام التي صدرت قبل الحكم الدستوري ولم تُنفذ إلا بعده، فأكد أنه لا يجوز التعامل معها آليًا؛ فمن جهة، لا يصح القول إن كل حكم سابق قد زال تلقائيًا، خاصة إذا كان حائزًا لقوة الأمر المقضي، ومن جهة أخرى، لا يجوز تنفيذ عقوبة الإعدام بعد سقوط السند الدستوري للاختصاص دون وقف التنفيذ وإعادة فحص الملف قضائيًا وتحديد أثر الحكم الدستوري عليه.

ولفت إلى أن الإعدام عقوبة نهائية يستحيل تدارك آثارها، ولذلك كان يتعين تغليب الاحتياط للحق في الحياة وإخضاع الأحكام لمراجعة قضائية دقيقة قبل تنفيذها.

وفي هذا السياق، أكد الشبعاني أن صدور الحكم لا يكفي لتنفيذ عقوبة الإعدام، بل يجب أولًا التأكد من أنه صادر عن محكمة مختصة ولائيًا ونوعيًا ومكانيًا، ومشكلة وفق القانون، وأن المحكوم عليه تمتع بمحاكمة عادلة، وبحق الدفاع والاستعانة بمحامٍ والاطلاع على الأدلة ومناقشتها، وأن الحكم لم يُبنَ على اعترافات منتزعة بالإكراه أو التعذيب.

وأضاف أنه يجب استنفاد طرق الطعن والمراجعة المقررة قانونًا، والفصل في القضية من المحكمة العليا، واستيفاء التصديق اللازم وصدور أمر قانوني مكتوب بالتنفيذ من جهة مختصة.

وأوضح أن المادة (93) من قانون الإجراءات الجنائية العسكرية تنص على عدم تنفيذ عقوبة الإعدام إلا بعد الفصل في القضية من المحكمة العليا والتصديق على الحكم، كما تنص فقرتها الرابعة على أن تنفيذ العقوبة في المدنيين يكون وفق قانون الإجراءات الجنائية.

غير أنه شدد على أن هذه الفقرة لا تُعد سندًا لاختصاص القضاء العسكري بمحاكمة المدنيين؛ فهي تنظم كيفية تنفيذ العقوبة إذا صدر بها حكم، ولا تنشئ ولاية قضائية للمحاكم العسكرية، لأن الاختصاص لا يُستمد من نصوص التنفيذ، بل من النصوص المنظمة لولاية المحكمة.

كما أكد ضرورة التحقق من احترام حق المحكوم عليه في طلب العفو أو استبدال العقوبة، وإخطار أسرته ومحاميه، وحضور الجهات التي يوجب القانون حضورها أثناء التنفيذ. ودوليًا، أوضح أن المادة السادسة من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية لا تجيز تنفيذ الإعدام إلا بناءً على حكم نهائي صادر عن محكمة مختصة وبعد محاكمة مستوفية لضمانات العدالة.

وفي ظل الانقسام المؤسسي والقضائي، أوضح الشبعاني أن التحقق من أن المحكمة التي أصدرت أحكام الإعدام كانت صاحبة الاختصاص القانوني الكامل يكون بالاطلاع على الملف القضائي كاملًا، ولا تكفي بشأنه البيانات الإعلامية العامة.

وبيّن أن ذلك يشمل التحقق من قرار الاتهام والإحالة، وصفة المتهم وقت ارتكاب الجريمة، والنص الذي انعقد بموجبه الاختصاص، وتاريخ بدء الإجراءات، وتشكيل المحكمة، ومحاضر الجلسات، وحضور الدفاع، والأحكام الصادرة في مختلف درجات التقاضي، وما انتهت إليه المحكمة العليا، وقرار التصديق، والأمر الصادر بالتنفيذ.

وأضاف أنه يجب التأكد من أن المحكمة تتبع هيكلًا قضائيًا منشأً وفق التشريعات النافذة، وأن أعضاءها معينون ومكلفون بصورة قانونية، وأن اختصاصها لم يُبنَ على القانون رقم (4) لسنة 2017 بعد القضاء بعدم دستوريته.

وشدد على أن السيطرة الواقعية أو الاعتراف بالمحكمة داخل نطاق جغرافي معين لا تكفي لإضفاء المشروعية عليها؛ فالاختصاص مصدره الدستور والقانون، وليس موازين القوة أو الانقسام السياسي.

وفي ما يترتب على صدور حكم الإعدام عن جهة قضائية غير مختصة، أكد الشبعاني أن الاختصاص الولائي من النظام العام، ويجب على المحكمة أن تتحقق منه من تلقاء نفسها. فإذا ثبت أن جهة قضائية عسكرية حاكمت مدنيًا في واقعة لا تدخل في ولايتها، فإن الحكم يكون مصابًا بعيب جوهري يمس أصل الولاية القضائية، وليس مجرد مخالفة شكلية بسيطة.

وأوضح أن ذلك قد يترتب عليه بطلان الحكم، وقد يبلغ العيب حد الانعدام إذا تجردت الجهة التي أصدرته من أصل الولاية، ويظل تحديد وصف العيب وأثره من اختصاص القضاء بعد فحص ملف القضية وظروفها.

وأكد أنه قبل التنفيذ، يجب وقف الحكم وسلوك طرق الطعن أو الإشكال في التنفيذ أو غيرها من الإجراءات التي يقررها القانون. أما إذا نُفذ الإعدام بالفعل، فإن التنفيذ لا يصبح مشروعًا لمجرد وقوعه، وقد تترتب عليه مسؤولية الدولة عن الحرمان غير المشروع أو التعسفي من الحياة، مع حق أسرة الضحية في التحقيق والإنصاف والتعويض.

وأشار إلى أنه قد تثور كذلك مسؤوليات جنائية أو تأديبية أو مدنية في مواجهة من أصدر أمر التنفيذ أو صدّق عليه أو باشره، لكن المسؤولية الشخصية لا تُفترض تلقائيًا، بل تتطلب تحقيقًا مستقلًا يحدد اختصاص كل شخص ومدى علمه بعدم المشروعية والقصد والخطأ والعلاقة السببية.

ولفت إلى أن وجود أمر بالتنفيذ لا يعفي من المسؤولية بصورة مطلقة إذا ثبت أن عدم مشروعيته كان ظاهرًا ومعلومًا، كما لا تكفي المشاركة المادية وحدها لإسناد المسؤولية دون تحديد العلم والقصد والاختصاص.

وحول تأثير الظروف السياسية والأمنية والانقسام بين المؤسسات في سلامة المحاكمات، أكد الشبعاني أن التأثير بالغ الخطورة؛ لأن المحاكمة العادلة لا تقوم بالنصوص وحدها، بل تحتاج إلى بيئة تسمح للقاضي بأن يحكم دون خوف، وللمحامي بأن يدافع دون تهديد، وللشاهد بأن يدلي بشهادته بحرية، وللمتهم بأن يتواصل مع دفاعه ويطعن في الأدلة المقدمة ضده.

وأوضح أنه في ظل الانقسام وانتشار السلاح وتعدد جهات الاحتجاز، قد تتعرض المحاكم والنيابات لضغوط مباشرة أو غير مباشرة، وقد يتعذر تنفيذ أوامر الإفراج أو إحضار المتهمين، أو تُجرى المحاكمات في بيئة أمنية مغلقة لا تسمح بالرقابة العامة.

وأضاف أن الخطورة تزداد في قضايا الإرهاب؛ لأن خطورة الوصف الجنائي قد تُستخدم لتبرير السرية والاستعجال أو التضييق على الدفاع. غير أن جسامة الجريمة لا تُضعف ضمانات المحاكمة العادلة، بل تجعل الالتزام بها أكثر ضرورة، خاصة عندما تكون العقوبة المقررة هي الإعدام.

وحذر الشبعاني من أن احتمال تحول عقوبة الإعدام في ظل الانقسام الحالي إلى أداة للانتقام أو تصفية الخصومات السياسية قائم كلما ضعفت وحدة القضاء وغابت الشفافية وخضعت جهات التحقيق والاحتجاز لتأثير أطراف سياسية أو عسكرية.

وأضاف أن عقوبة الإعدام قد تتحول من أداة للعدالة إلى وسيلة للانتقام إذا استُخدمت انتقائيًا ضد خصوم طرف معين، أو صدرت في محاكمات سرية، أو استندت إلى اعترافات منتزعة بالإكراه، أو نُفذت دون مراجعة قضائية مستقلة.

وبيّن أن من أهم ضمانات منع ذلك حصر محاكمة المدنيين أمام القضاء العادي، ووقف تنفيذ أحكام الإعدام إلى حين مراجعة ملفاتها، ونشر الأحكام وأسبابها، وتمكين المحامين والأسر من الحصول على المستندات، وإخضاع أماكن الاحتجاز للرقابة القضائية، وحماية القضاة والمحامين والشهود.

كما شدد على ضرورة إخضاع كل حكم بالإعدام لمراجعة قضائية تلقائية وشاملة، وتوحيد الإشراف القضائي والنيابي على كامل البلاد، وتمكين المجلس الأعلى للقضاء والتفتيش القضائي ومكتب النائب العام من ممارسة اختصاصاتهم دون عوائق جغرافية أو سياسية.

وفي ما يتعلق بانعكاسات تنفيذ أحكام الإعدام على المصالحة الوطنية وسيادة القانون، أكد الشبعاني أن تنفيذ أحكام الإعدام في حق مدنيين بناءً على أحكام عسكرية، في ظل حكم دستوري ينفي مشروعية السند الذي أقام هذا الاختصاص، يبعث برسالة سلبية وخطيرة مفادها أن الانقسام لم يعد سياسيًا ومؤسسيًا فقط، بل امتد إلى الحق في الحياة وإلى تحديد من يملك سلطة المحاكمة والعقاب.

وأشار إلى أن ذلك يقوض الثقة في القضاء، ويعمق شعور بعض المناطق أو المكونات بأنها مستهدفة بعدالة انتقائية، ويضر بمسار المصالحة الوطنية. فالمصالحة لا تُبنى على أحكام متنازع في مشروعيتها، ولا على توظيف القضاء لإضفاء غطاء قانوني على نتائج الصراع.

وأكد أن المطلوب قانونيًا هو وقف تنفيذ جميع أحكام الإعدام الصادرة عن القضاء العسكري بحق مدنيين، وحصر ملفاتهم ومراجعتها بصورة مستقلة، وإحالة القضايا التي ما زالت منظورة إلى القضاء العادي المختص، والتحقيق في الأحكام التي نُفذت بالفعل، والتحفظ على ملفاتها ومحاضرها وأوامر التصديق والتنفيذ، ونشر نتائج التحقيق بشفافية.

وختم الشبعاني بالتأكيد على أن مكافحة الإرهاب وإنصاف ضحايا الاغتيالات لا يتعارضان مع سيادة القانون، وإنما يتحققان من خلالها، مشددًا على أن العدالة التي تحتاجها ليبيا ليست عدالة الشرق أو الغرب، ولا عدالة المنتصر على المهزوم، بل عدالة وطنية واحدة، يصدرها قاضٍ مختص ومستقل، وتخضع لها جميع السلطات والأطراف دون استثناء.

The post خبير قانوني يكشف لـ«عين ليبيا» التفاصيل.. ما الذي يوقف تنفيذ أحكام الإعدام؟ appeared first on عين ليبيا | آخر أخبار ليبيا.