دروس من السيرة النبوية في مواجهة التعصب الرياضي وترسيخ المواطنة

0
11

أعاد المقطع الذي نشره جهاز الأمن الداخلي بشأن الأحداث التي صاحبت مباراة نادي الاتحاد والسويحلي، وما تلاها من أعمال شغب واعتداء على الممتلكات العامة واستهداف لبعض مؤسسات الدولة، طرح أسئلة جوهرية تتجاوز حدود الرياضة ونتائج المباريات، لتلامس قضية أعمق تتعلق بطبيعة الانتماء في المجتمع وحدود العلاقة بين المواطن والدولة.

فالمشكلة الحقيقية لا تكمن في خلاف رياضي أو حالة احتقان جماهيري عابرة، وإنما في قابلية بعض الأفراد أو الجماعات لتحويل الانتماءات الجزئية إلى عصبيات متصارعة تتقدم على الانتماء الوطني الجامع، وتدفع أصحابها إلى النظر إلى مؤسسات الدولة ومرافقها العامة باعتبارها أهدافًا مشروعة للغضب والانتقام كلما اشتدت الانفعالات أو تصاعدت الخلافات.

وتزداد خطورة هذه الظاهرة عندما تتداخل المواقع العامة مع الانتماءات الرياضية بصورة تجعل بعض مؤسسات الدولة تُستدرج، ولو بصورة غير مباشرة، إلى دائرة الاستقطاب الجماهيري، فحين يتولى بعض المسؤولين العموميين أو القيادات الأمنية والعسكرية أو التنفيذية مواقع قيادية أو رمزية داخل الأندية الرياضية، قد ينشأ لدى بعض الجماهير خلط بين النادي ومؤسسات الدولة، وبين المسؤول بصفته الرياضية والمسؤول بصفته العامة، وعند وقوع الأزمات أو تصاعد التوترات الرياضية، قد تنتقل مشاعر الغضب من النادي أو إدارته إلى الجهة الرسمية التي ينتمي إليها ذلك المسؤول، فتتحول الخصومة الرياضية إلى موقف عدائي تجاه مؤسسات يفترض أن تبقى على مسافة واحدة من جميع المواطنين. ولهذا فإن من المناسب التفكير في وضع ضوابط تنظيمية تكفل الفصل بين الوظائف العامة العليا والإدارة الرياضية أثناء شغل المناصب العامة، حمايةً لمؤسسات الدولة من أن تُزج في صراعات لا علاقة لها بمهامها واختصاصاتها، وصونًا لحيادها وهيبتها أمام الجميع.

ولعل من أبلغ ما يُستحضر في هذا السياق ما وقع في غزوة بني المصطلق، حين نشب خلاف فردي بين رجل من المهاجرين ورجل من الأنصار، فتحول الأمر سريعًا إلى نداءات جماعية: “يا للمهاجرين” و”يا للأنصار”، وهنا أدرك النبي صلى الله عليه وسلم الخطر الكامن وراء هذه الشعارات، فلم ينظر إلى الحادثة باعتبارها مجرد مشادة عابرة، بل رأى فيها بذور فتنة يمكن أن تمزق الجماعة وتعيد إحياء العصبيات التي جاء الإسلام لإبطالها، فقال كلمته الخالدة: “دعوها فإنها منتنة”.

وفي خضم هذه الأجواء استغل عبد الله بن أُبيّ بن سلول، رأس النفاق، الحادثة لإثارة الفرقة بين المسلمين، فقال مقولته المشهورة التي سجلها القرآن الكريم: ﴿لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾ [المنافقون: 8]، قاصدًا بالأعز نفسه وقومه، وبالأذل رسول الله صلى الله عليه وسلم والمهاجرين، في نموذج واضح لكيفية استثمار العصبيات والانفعالات العابرة لإشعال الانقسام والطعن في وحدة الجماعة.

ولم تكن المشكلة في المهاجرين أو الأنصار أنفسهم، فهما من أشرف الجماعات التي حملت رسالة الإسلام، وإنما في تحويل الانتماء المشروع إلى أداة للاستقطاب والصراع. فالانتماءات بطبيعتها ليست خطأ، سواء كانت رياضية أو اجتماعية أو جهوية أو قبلية، لكنها تتحول إلى خطر عندما تصبح معيارًا للولاء والعداء، أو عندما تتقدم على الانتماء للوطن والقانون والمصلحة العامة.

وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قد واجه في بدايات الدولة الإسلامية محاولة لتحويل خلاف فردي إلى صراع بين مكونين من مكونات المجتمع، فإن بعض الوقائع المعاصرة تكشف عن مستوى أخطر من ذلك؛ إذ لم يعد الأمر مقتصرًا على التعصب لفريق أو مدينة أو جهة، بل تحول في بعض الحالات إلى اعتداء على مؤسسات الدولة ذاتها وإتلاف الممتلكات العامة التي يملكها جميع المواطنين. وعندما تصبح المنافسة الرياضية مبررًا لحرق المرافق العامة أو مهاجمة المنشآت الحكومية، فإن القضية تخرج من دائرة التشجيع والانفعال إلى دائرة المساس بالنظام العام والأمن المجتمعي وهيبة الدولة.

ولا يقتصر الأمر على الاعتداء على المباني أو المرافق العامة، بل امتد في مناسبات مختلفة إلى استهداف آليات وسيارات تابعة للشرطة والجيش والأجهزة الأمنية، وهي مشاهد تكررت في أكثر من مناسبة وأصبحت للأسف جزءًا من ذاكرة الأزمات الليبية. والخطورة هنا لا تكمن فقط في قيمة الخسائر المادية، وإنما في الرسالة السلبية التي يحملها هذا السلوك؛ إذ إن هذه المركبات لم تُشترَ من أموال أشخاص أو جهات خاصة، بل من المال العام الذي يساهم فيه جميع الليبيين، وهي مخصصة أساسًا لحماية المجتمع وحفظ الأمن وتنفيذ القانون. ولذلك فإن إحراقها أو الاعتداء عليها لا يُعد انتقامًا من خصم أو جهة معينة، بل يمثل اعتداءً على مقدرات المجتمع نفسه وإضعافًا للأدوات التي يعتمد عليها المواطن في حماية أمنه واستقراره.

كما أن السيرة النبوية تقدم درسًا آخر لا يقل أهمية في إدارة الأزمات العامة ومنع استغلالها للإضرار بوحدة المجتمع أو هيبة الدولة. فعندما طلب عمر بن الخطاب رضي الله عنه الإذن بقتل عبد الله بن أُبيّ بن سلول بعد أن أظهر نفاقه وتحريضه، لم ينظر النبي صلى الله عليه وسلم إلى الواقعة بمعزل عن آثارها ومآلاتها، وإنما نظر إلى ما قد يستغله أصحاب الفتن من تأويلات ورسائل مضللة، فقال: «دعه، لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه». وفي ذلك تأكيد على أن حسن إدارة الشأن العام لا يقتصر على صحة القرار في ذاته، بل يشمل كذلك تقدير انعكاساته على وحدة المجتمع وصورة الدولة ومنع استغلال الأحداث لإذكاء الانقسام أو توجيه الغضب الشعبي نحو مؤسسات يفترض أن تبقى محل ثقة الجميع واحترامهم.

ومن الزاوية القانونية، فإن حماية الممتلكات العامة ليست مجرد واجب يقع على عاتق الأجهزة الأمنية أو السلطات المختصة، بل هي مسؤولية جماعية تتصل بمفهوم المواطنة ذاته. فالمرفق العام والمدرسة والجامعة والوزارة والشارع والميدان ليست ملكًا لحكومة أو مسؤول أو جهاز معين، وإنما هي ملك للمجتمع بأسره، وتمثل جزءًا من الذمة العامة للدولة التي يساهم المواطنون جميعًا في إنشائها وتمويلها وصيانتها. ومن ثم فإن الاعتداء عليها لا يُعد احتجاجًا على الدولة بقدر ما يمثل اعتداءً على الحقوق المشتركة للمجتمع كله.

كما أن ما كشفته هذه الوقائع يفرض ضرورة مراجعة جادة لدور المؤسسات التربوية والثقافية والإعلامية والرياضية في ترسيخ قيم المواطنة واحترام القانون. فمكافحة التعصب لا تبدأ عند وقوع الأحداث، وإنما تبدأ ببناء وعي يجعل المواطن يدرك أن انتماءه الرياضي يجب أن يظل في إطار المنافسة الشريفة، وأن ولاءه الأعلى ينبغي أن يكون للوطن وسيادة القانون.

إن الدولة الحديثة لا تقوم على العصبيات، وإنما تقوم على رابطة المواطنة التي تجعل الجميع متساوين أمام القانون مهما اختلفت أنديتهم أو مناطقهم أو توجهاتهم. وكلما ضعفت هذه الرابطة، تمددت الولاءات الضيقة وحلت محلها الانفعالات والغرائز الجماعية التي تهدد السلم الاجتماعي والاستقرار العام.

ولعل أخطر ما تكشفه مثل هذه الأحداث ليس حجم الأضرار المادية التي قد تنجم عنها، وإنما ما تعكسه من خلل في ترتيب الأولويات وفي فهم العلاقة بين الفرد والدولة. فحين يصل الأمر إلى حرق مؤسسة عامة أو استهداف مرفق وطني أو إحراق سيارة شرطة أو آلية عسكرية بسبب مباراة كرة قدم أو نتيجة رياضية، فإن الأزمة لم تعد أزمة رياضية، بل أصبحت أزمة وعي وانتماء ومفهوم للدولة نفسها.

ولهذا فإن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في ملاحقة المخالفين أو معاقبة المتورطين، رغم أهمية ذلك، وإنما في بناء ثقافة عامة ترفض العصبية وتُعلي من قيمة المواطنة وتحترم القانون وتؤمن بأن الدولة ليست خصمًا للمواطن، بل الإطار الجامع الذي يحفظ حقوق الجميع ويضمن استقرار المجتمع.

لقد آن الأوان للانتقال من منطق “نحن وهم” إلى منطق “نحن الليبيين جميعًا”، ومن ثقافة التعصب إلى ثقافة المواطنة، ومن الانفعال المؤقت إلى المسؤولية الوطنية الدائمة. فليبيا لا تنتصر عندما يفوز نادٍ ويخسر آخر، ولا عندما تغلب عصبيةٌ عصبيةً أخرى، وإنما تنتصر عندما ينتصر القانون على الفوضى، والمواطنة على التعصب، والدولة على منطق الغلبة والانقسام.

The post دروس من السيرة النبوية في مواجهة التعصب الرياضي وترسيخ المواطنة appeared first on عين ليبيا آخر أخبار ليبيا.