في أجواءٍ إيمانيةٍ مهيبةٍ داخل مشعر منى، يواصل ضيوف الرحمن أداء مناسك الحج في أول أيام التشريق، حيث تتردد التكبيرات في أرجاء المكان، بينما تتشكل لوحةٌ روحانيةٌ متكاملةٌ مع مشهد رمي الجمرات الثلاث: الصغرى ثم الوسطى ثم الكبرى.
ووفق ما نقلته “الجزيرة” عن مشاهداتٍ ميدانيةٍ وأفكارٍ تنظيميةٍ مدعومةٍ بتقارير وكالة الأنباء السعودية (واس)، تتزامن هذه اللحظات مع إدارةٍ دقيقةٍ لحركة الحشود، في واحدةٍ من أكثر المراحل تعقيدًا خلال موسم الحج، مع استمرار تدفق الحجاج نحو منشأة الجمرات في مشعر منى.
وتتحول “رحلة الحصيات” إلى محورٍ رئيسيٍّ في هذه المرحلة، حيث يسير الحجاج ضمن مساراتٍ منظمةٍ وفق جداول تفويجٍ محكمةٍ تهدف إلى منع الازدحام وضمان الانسيابية داخل المشاعر المقدسة. وتُستخدم بنيةٌ تحتيةٌ متقدمةٌ تشمل 11 مبنى للسلالم الكهربائية و10 أنفاقٍ حيويةٍ داخل منشأة الجمرات، بما يعزز الحركة بين الطوابق والمسارات المختلفة.
كما تشمل المنظومة التشغيلية تجهيز 340 سلّمًا كهربائيًا، وتفعيل 682 كاميرا مراقبةٍ مرتبطةٍ بغرف العمليات لمتابعة الكثافات البشرية بشكلٍ لحظي، إضافةً إلى تخصيص 228 عربة غولف لدعم التنقلات اللوجستية والحالات الطارئة داخل المنشأة.
وفي جانب السلامة، تضم المنشأة 456 وحدة تكييف عالية القدرة، وأكثر من 74 ألف وحدة إنارة موزعة على المسارات، إلى جانب 295 صندوق حريق، و1,078 طفاية يدوية، وأكثر من 3,350 رشاش إطفاءٍ آلي، في إطار منظومةٍ متكاملةٍ لرفع مستوى الأمان.
ويمثل رمي الجمرات أحد واجبات الحج، حيث يرمي الحاج سبع حصيات عند كل جمرة، مستحضرًا قصة نبي الله إبراهيم عليه السلام عند مواجهته لوساوس الشيطان، وسط أجواءٍ تختلط فيها الروحانية بالتنظيم الميداني واسع النطاق.
وفي أيام التشريق، يبيت الحجاج في منى، ويرمون الجمرات في اليوم الحادي عشر، ثم الثاني عشر، ولمن يتأخر في اليوم الثالث عشر، بعد الزوال وحتى غروب الشمس. ويبلغ إجمالي الرمي 21 حصاة يوميًا، بسبع حصيات لكل جمرة وفق ترتيبٍ محددٍ يبدأ بالصغرى ثم الوسطى ثم الكبرى.
ويتيح النظام التنظيمي وسائل نقل متعددة تشمل قطار المشاعر، والحافلات، ومسارات المشاة، إضافةً إلى عربات مخصصة لكبار السن، ضمن تسهيلاتٍ تهدف إلى تقليل الجهد البدني وتيسير أداء المناسك. كما يُسمح بالتوكيل في الرمي لمن يعجز صحيًا عن أداء النسك.
وتشير التقارير إلى أن خيار “التعجّل” يشكّل مسارًا مهمًا داخل إدارة الحشود، حيث يغادر عدد كبير من الحجاج بعد اليوم الثاني عشر من ذي الحجة عقب إتمام رمي الجمرات، ما يفتح مرحلة جديدة من تنظيم التفويج نحو مكة أو منافذ المغادرة أو المدينة المنورة.
ويستند هذا الخيار إلى رخصةٍ شرعيةٍ وردت في القرآن الكريم: فمن تعجّل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه، ما يمنح الحاج حرية الاختيار بين التعجّل أو البقاء حتى اليوم الثالث عشر.
كما ترتبط هذه الحركة بعوامل تنظيميةٍ تتعلق بجداول الرحلات والنقل والإيواء، إضافةً إلى اعتباراتٍ شخصيةٍ لدى بعض الحجاج المرتبطة بالعودة إلى أعمالهم بعد عطلة العيد، وتجنّب ذروة الازدحام داخل المشاعر.
وينقسم الحجاج بعد انتهاء المناسك إلى مسارين رئيسيين، الأول يتجه مباشرة إلى الحرم المكي لأداء طواف الوداع ثم المغادرة، والثاني ينتقل عبر حافلات النقابة العامة للسيارات إلى المدينة المنورة لمن لم يزر المسجد النبوي قبل الحج، لقضاء أيامٍ هناك قبل السفر النهائي.
هذا وتُعد مرحلة أيام التشريق من أكثر مراحل الحج كثافةً من حيث إدارة الحشود، إذ تتقاطع فيها المناسك مع خطط النقل والتفويج، ما يجعلها اختبارًا رئيسيًا للمنظومة التشغيلية في المشاعر المقدسة التي تعتمد على تقنيات مراقبةٍ وتنسيقٍ ميدانيٍّ واسع النطاق لضمان انسيابية الحركة.
The post رحلة المتعجلين في الحج.. وداع مبكر لـ«أطهر البقاع» appeared first on عين ليبيا آخر أخبار ليبيا.

