المقدمة
إن نظرة بعمق وواقعية لما جري من صراعات في سوريا والعراق ، والسياسة التي اتبعتها روسيا في ضرب أي مشروع لنقل الغاز منافس لها ، كل ذلك يجعلنا نتوقع بوضوح مواقع حروب ومعارك المستقبل ، أينما وجد النفط والغاز ، وجدت الصراعات وتفجرت الحروب ، إن ما حدث في سوريا والتدخل العسكري الروسي في عام 2015م يمكن أن يصل إلى منطقتنا في شمال إفريقيا والمغرب العربي ، ثروات هائلة من النفط والغاز في ليبيا والجزائر ، والقرب الجغرافي من أوروبا ميزة إستراتيجية كبرى يسيل لها لعاب الطامعين ، وما نقصده هنا ان تصبح افريقيا منطقة صراع بين روسيا والغرب وليبيا ودول شمال افريقيا لن تكون بعيدة عن هذا الصراع باعتبارها تمثل دول عبور لأنابيب الغاز.1
1 – خط نابوكو “مشروع أوروبي لم يبصر النور”
روسيا كأكبر مصدر للغاز الطبيعي في العالم تمكنت من فرض عنصر تهديد إضافي على دول غرب أوروبا ودول حلف شمال الأطلسي؛ بسبب اعتماد تلك الدول على الغاز الروسي، إذ تستورد الدول الأوروبية نحو 80% من الغاز الطبيعي من روسيا لوحدها، عبر خط الأنابيب الشمالي المعروف باسم “نورث ستريم” الذي يربط بين حقول الغاز الطبيعي في شمال روسيا وألمانيا عبر بحر البلطيق، فيما تحصل باقي الدول الأوروبية على الغاز الروسي من خلال أنابيب الغاز الممتدة من روسيا وعبر أوكرانيا إلى الدول الأوروبية. سعت الدول الأوروبية إلى تنويع مصادرها للحصول على الغاز الطبيعي، والتقليل من اعتمادها على الغاز الروسي إلى حده الأدنى، لتتحرر من التهديد الروسي بقطع موارد الدول الأوروبية من الغاز الطبيعي في حال وقوع صراع شامل مع روسيا.
هذا ما دفع الدول الأوروبية لتترجم رغبتها بالتخلص من الاعتماد على الغاز الروسي، بتدشين مشروع لنقل الغاز الطبيعي من بحر قزوين عبر أذربيجان، وعلى طول امتداد الأراضي التركية مروراً برومانيا وبلغاريا والمجر، ووصولاً إلى الحدود النمساوية، وذلك بتمويل أوروبي مشترك وبدعم أمريكي، إذ أطلق عليه اسم “خط أنابيب نابوكو.
خريطة مسار خط نابوكو
أدرك الروس بأن تنويع مصادر الغاز الطبيعي والاستغناء عن الغاز الروسي، بات هدفاً استراتيجياً للأوروبيين والأمريكيين، إذ لم يبق أمام الأوروبيين من خيارات سوى الحصول على الغاز الإيراني بعد رفع العقوبات الاقتصادية عنها، والحصول على الغاز القطري الطبيعي عبر مد أنبوب عبر السعودية وربطه بأنبوب الغاز العربي الذي أنشئ في عام 2003م ليتم نقل الغاز المصري من العريش إلى الأردن وسوريا وربطه بمشروع “نابوكو” لتصدير الغاز إلى أوروبا، والخيار الثاني هو الحصول على الغاز القطري المسال ونقله بالسفن إلى الموانئ الأوروبية.
خريطة تبين حقائق وأرقام عن خط نابوكو
المصدر: عمر البشير الترابي، روسيا وتركيا في سوريا. ألغاز الغاز والنفوذ وحروب الوكالة، المجلة/النسخة العربية.
ردت روسيا على مشروع خط الأنابيب الأوروبي بتدشين خط أنابيب روسي منافس، أطلقت عليه اسم “ساوث ستريم”؛ لنقل الغاز من الحقول الروسية الجنوبية عبر البحر الأسود مروراً بالأراضي البلغارية ورومانيا والمجر، ووصولاً إلى الحدود النمساوية، وبذلك تكون روسيا قد جعلت مشروع خط الإمدادات الأوروبي “نابوكو” غير ذي جدوى اقتصادية تذكر، وتجاوزت المسافة دون الحاجة لمرور خطوط الغاز عبر الأراضي التركية.
وكان لروسيا رد سريع ومتواز على مشروع خط نابوكو، فوقعت اتفاقية مع كازخستان وتركمانستان لإنشاء خط إمداد على طول ساحل بحر قزوين في مايو عام 2007م يصل إلى الأراضي الروسية، محبطة بذلك الخطط الأوروبية.
لمواجهة الإستراتيجية الأمريكية بنت روسيا أيضاً إستراتيجية مضادة طويلة الأمد، تهدف لتطويق الخط الأميركي – الأوروبي لنقل غاز قزوين إلى أوروبا عبر تجفيف منابعه وقطع خطوط عبوره جغرافياً، بالاعتماد على ثلاثة محاور (قانونية- اقتصادية- عسكرية) وهي:
القانونية: تعريف حوض قزوين على أنه بحيرة متجددة بمياه أنهار الفولجا، وبناء على ذلك فالقانون الدولي يعطيها الحق بتقاسم مياهه وثرواته بالتساوي بين الدول المحيطة به، ما جعل من المستحيل، ليس فقط إنشاء خط أنابيب الغاز عبر حوض قزوين، بل حتى تطوير تركمانستان أو أذربيجان لأية حقول غاز على سواحله في ظل هذا التعريف، إلى أن يتم الاعتراف به كبحر.
الاقتصادية: في خطوة صنفت في خانة “الأسلوب الاحتكاري” أقدمت روسيا على شراء كامل الغاز المنتج في أواسط آسيا وبالتالي ضمان بيعه عن طريقها وعبر أنابيبها العابرة للقارات، فإضافة إلى كونها تمتلك أكبر احتياطي للغاز في العالم حيث تمتلك 47 % وتعتبر المنتج الأكبر لهذه السلعة الإستراتيجية 29 % دخلت روسيا في عقود شراء غاز طويلة المدى من معظم حكومات الدول المفترض منها ضخ الغاز في خط أنابيب نابوكو، فقامت روسيا بشراء أكثر من 50 مليار متر مكعب في عقود طويلة الأجل من تركمنستان التي تنتج نحو 80 مليار متر مكعب سنوياً، مع التزام معلن “أنه حتى ولو بعد تطوير حقولها الغازية ووجود فائض في الغاز المنتج عن تلبية تعهداتها لروسيا والصين فلن تبيع الغاز لخط أنابيب نابوكو.
وارتبطت أذربيجان مع روسيا بعقود بيع طويلة المدى، حيث وقع البلدان في حزيران 2009م، اتفاقاً لشراء حصة كبيرة من الغاز الأذري، من دون تعهد الأخيرة ببيع الغاز لمشروع نابوكو إذا وجد فائضا لديها. وأقدمت روسيا كذلك على شراء كامل إنتاج أوزباكستان من الغاز التي تمتلك منه احتياطي قدره 1.8 مليار متر مكعب، في عقد طويل الأجل ينتهي في عام 2018م. وبالتالي فإن محدودية الغاز المتاح للتصدير عبر نابوكو لم يعد يعول عليه مما زاد من الغموض في الجهة التي يعتمد عليها في ملء أنبوب غاز نابوكو.
العسكرية: حرب الخمسة أيام في أوسيتيا الجنوبية 2008م والخوف الجورجي من العبث مع موسكو بعد تلك التجربة، وضم روسيا لجزيرة القرم عام 2013م بعد الأزمة الأوكرانية، كانتا رسائل قوة لكافة الدول السوفيتية السابقة وبخاصة الأوراسية منها والتي كانت تعول عليها واشنطن لملء خط نابوكو. الأمر الذي حدا بدول أوراسيا للاستسلام للقوة الصلبة الروسية والدخول معها في اتحاد اقتصادي هو الاتحاد الأوراسي مطلع عام 2015م، وبذلك يكون بوتين قد قطع الطريق ليس على الطموحات الأوروبية والأمريكية فقط في منطقة قزوين بل وعلى الطموحات الإيرانية للتمدد في تلك المنطقة.
ومن خلال النظر إلى الصراع في سوريا ، نجد أن التمسك الروسي بنظام الأسد يحقق مكاسب إستراتيجية، تتلخص في قطع الطريق على مشروع نقل الغاز القطري إلى أوروبا عبر الأراضي السورية، ومنع تركيا من الحصول على أية منافع اقتصادية من مرور الغاز القطري عبر أراضيها إلى أوروبا، كما يسمح بقاء الأسد بوصول الغاز الإيراني إلى الموانئ السورية على البحر الأبيض المتوسط، إذ تسعى روسيا لإبرام عقود مع إيران طويلة الأمد، تتمكن من خلالها روسيا من تصدير الغاز الإيراني إلى أوروبا، على غرار العقود التي أبرمتها مع تركمنستان وأذربيجان للحصول على إنتاجها من الغاز بأسعار زهيدة، وإعادة تصديرها بالأسعار العالمية للدول الأوروبية.
من جهة أخرى كان حلفاء روسيا في الشرق الأوسط يتحركون بقوة بالتوازي مع التحركات الروسية ، وقعت إيران اتفاقية مع العراق وسوريا لإنشاء ما أسمته “خط الأنابيب الإسلامي”، يتم من خلاله نقل الغاز الإيراني من ميناء عسلوجة المطل على حقل غاز الشمال، وهو أكبر حقل غاز في العالم، تتقاسمه إيران مع دولة قطر في مياه الخليج العربي، مروراً بالأراضي العراقية ووصولاً إلى سوريا، إذ أكدت إيران بأن “الأنبوب الإسلامي” سيؤمن كمية 20 مليار م3 من الغاز الطبيعي سنوياً للدول الأوروبية، وهو ما لا يملك خط “نابوكو” تأمينه لأوروبا.
إن الدور الجيو سياسي لغاز روسيا واستثماراتها في قطاع الطاقة شكّل نفوذًا عالميًا، وصل إلى أوروبا، وشمال إفريقيا (ليبيا، الجزائر) فتخوّف منه المنافسون والمستهلِكون على حدٍ سواء، معتبرين أن الارتهان للغاز الروسي لا يقل تهديداً عن التمدد الجغرافي أو التهديد العسكري ، هناك مشروعات روسية لمد خط من نيجيريا إلى النيجر ثم الجزائر ومنها إلى أوروبا، كما قامت شركة غاز بروم الروسية بالاستحواذ على نصف حصة شركة إيني الإيطالية في ليبيا، وبدأت بالاستثمار في السودان.
كل ذلك ينذر بحروب غاز جديدة في شمال إفريقيا على غرار ما جرى في المشرق العربي، وليبيا الغنية بالنفط والغاز ستكون احد أهم ساحات تلك الحروب القادمة.
2- حروب الغاز في المشرق العربي.. هل سيتكرر السيناريو في ليبيا المضطربة؟
إن استعراضنا لما جرى من حروب وصراعات على موارد واحتياطيات الغاز في المشرق العربي، ووقوفنا على كثير من الحقائق، يجعلنا نتوقع أن يتكرر نفس السيناريو في ليبيا.
أينما وجد الغاز سيكون هناك صراعات بين الدول الكبرى، وصراعات إقليمية، وفي حالة ليبيا حيث تعاني الدولة من ضعف السلطة السياسية والانهيار الكبير، بسبب الانقسام السياسي والصراعات بين الفرقاء الليبيين، فإن هذه الأوضاع ملائمة لأن تكون الأرض الليبية ساحة للصراعات والحروب بين الكبار. ولنرى ماذا يقول الإيطاليون: “للحفاظ على غازنا ونفطنا والبقية الباقية من نفوذنا الإقليمي لا يمكننا انتظار الفيتو الروسي على مشروع الانتخابات الليبية (الفرنسي) في الأمم المتحدة “. صحيفة ilgiornale الإيطالية.
هذه تصريحات قوية لصحيفة إيطالية تؤكد بأن الصراع على أشده بين إيطاليا وفرنسا على النفوذ والمصالح الاقتصادية في ليبيا، والغاز هو من أهم دوافع ومحركات الصراع، كما أن الصراع من المتوقع أن يأخذ أبعاد أكثر خطورة حين تدخل إلى حلبته أطراف أخرى لديها مصالح.
إن تتبعنا لاكتشافات حقول الغاز التي تمت في ليبيا، والاتفاقيات الموقعة بين ليبيا وعدد من الدول الأوروبية، وتركيا والولايات المتحدة الأمريكية وإن كانت تبشر بعصر ذهبي لصناعة النفط والغاز في ليبيا وكذلك بعض المشروعات الطموحة لنقل الغاز عبر ليبيا من قلب إفريقيا إلى ساحل البحر المتوسط إلى أوروبا، كل ذلك يجعلنا نكاد نجزم بأن حروب الغاز سوف تدق طبولها على الأرض الليبية، وإن الضمان الوحيد لمنع اكتواء ليبيا بنيران تلك الحروب هو نجاح العملية السياسية المتعثرة، وهو أمر صعب في ظل الانقسامات بين الليبيين، وعدم جدية الدول الكبرى في حل الصراع الليبي. وهنا فإن النخبة الليبية مطالبة بالإجابة على سؤال مهم: ماذا أعددنا نحن الليبيين للسيناريو الأسوأ؟.
تؤكد كثير من الدراسات والاكتشافات مؤخراً بأن ليبيا تعوم على بحيرة من النفط والغاز، في عام 2007م إيطاليا من خلال شركة إيني فازت بعقود ضخمة لاستثمار الغاز بمنطقة مليته التي تحوي على مخزون من الغاز يكفي أوروبا لمدة ثلاثين عاما.
خريطة توضح خط الغاز من مليتة إلى إيطاليا
كما اكتشفت توتال الفرنسية قبل سنوات حقل الغاز الطبيعي العملاق في ليبيا (NC7) في حوض غدامس، فاشترت توتال من المؤسسة الوطنية للنفط حقوق الامتياز في حقل الغاز بقيمة 140 مليون يورو، ووقع بروتوكول الاتفاق في أغسطس من عام 2009م رئيس توتال كريستوف دو مارجيري، والرئيس السابق للشركة الوطنية الليبية للنفط شكري غانم،لكن هذا الاتفاق يعيق اتفاق الشراكة بين توتال و قطر غاز الذي وقع في عام 2006م بعد أن اشترطت ليبيا عدم دخول شريك ثالث في الاتفاقية.
ومازالت الاكتشافات مستمرة حيث أعلنت المؤسسة الوطنية للنفط عن تسجيل ستة اكتشافات نفطية جديدة خلال العام 2025م باحتياطي قابل للاسترداد يبلغ 168.1 مليون برميل من النفط، إضافة إلى 52 مليارًا و19 مليون قدم مكعب من الغاز، ما يعكس توسعًا لافتًا في نشاط الاستكشاف خلال العام الجاري ، وبحسب جدول نشرته المؤسسة عبر صفحتها الرسمية على «فيسبوك»، فقد نجح نصف الآبار المكتشفة في الاختبارات الأولية، فيما لا تزال بئر واحدة قيد الاختبار، في حين جرى تعليق العمل في بئرين آخرين إلى حين استكمال الدراسات الفنية.
قال وزير النفط والغاز خليفة عبد الصادق: “إن ليبيا ستكون جزءا مهما من حل أزمة الطاقة الأوروبية، مشيراً إلى أن السوق الأوروبية تُعد (الأقرب والأكثر وعدا) بالنسبة للبلاد، وأشار عبد الصادق إلى أن ليبيا تمتلك واحدا من أكبر مخزونات الغاز في المنطقة، حيث تُقدّر المصادر التقليدية بنحو 70 تريليون قدم مكعب، فيما تجاوزت تقديرات المصادر غير التقليدية وفق منظمة الطاقة العالمية 129 تريليون قدم مكعب، وقد تصل إلى 200 تريليون قدم مكعب”.
وكما يقول الفرنسي ديغول: “إذا أردت أن تعرف حقيقة الموقف الاستراتيجي فعليك بأن تبسط خرائط الجغرافيا”.
وهنا السؤال المهم.. ماذا تقول خرائط الجغرافيا؟.
إن خرائط الجغرافيا تقول: “إن الأوروبيين وفي ظل استراتيجياتهم للتخلص من التبعية للغاز الروسي سوف يركزون بشكل كبير على الغاز الليبي، المشروعات القائمة في دول المنطقة لنقل الغاز من إفريقيا إلى أوروبا مثل مشروع المغرب، ومشروعات الغاز الجزائري، لن تنظر لها روسيا بعين الرضا، ولا احد اليوم يستطيع أن يرسم خرائط صراعات النفط والغاز الجديدة في شمال إفريقيا ومسارات أنابيب الطاقة، إن روسيا لن تترك أي فرصة أمامها للاستئثار بالغاز الليبي، وتطويق أوروبا من الضفة الجنوبية للبحر المتوسط ومنع وصول الغاز لها، وستفعل كل ما في وسعها لإجهاضه، إن سياسة روسيا لتطويق أوروبا انطلاقا من ليبيا ودول شمال إفريقيا، وان كانت تمثل تحدي كبير لروسيا خاصة وانه أمامها لكي تفعل ذلك أن تواجه الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها الأوروبيين، إلا أن الحروب والأزمات والصراعات التي تعاني منها ليبيا ودول المنطقة تعطي فرصة سانحة لروسيا بان تستخدم أدواتها كافة من القوة العسكرية إلى أساليب القوة الناعمة لمنع أي مشروع منافس لها في المنطقة، الرهان الحقيقي لإنقاذ ليبيا وجيرانها من حروب النفط والغاز المتوقعة هو تضامن ووحدة دول شمال إفريقيا والتزامها باتفاقيات أمنية للدفاع عن وجودها، وخلق فضاءات للتعاون والشراكة الاقتصادية، مع الجوار الإفريقي هنا نؤكد بان احد أهم أسلحة الدولة الليبية لمواجهة السيناريوهات المحتملة هو إحياء وتفعيل تجمع دول الساحل والصحراء برؤية جديدة.
3- مشروعات متنافسة
يؤكد الواقع بأنه توجد 3 مشروعات متنافسة، وعلى الرغم من أن المشروع الليبي أكثر جدوى من الناحية الاقتصادية إذا يعتبر أقل مسافة لنقل الغاز إلا أن ذلك لا يمنع دخول ليبيا إلى حلبة الصراع مع الجزائر والمغرب وسنحاول هنا سرد تفاصيل كل مشروع للوقوف على الحقائق.
أ -المشروع الليبي
لا تملك النيجر احتياطيات كبيرة من النفط والغاز، إلا أن أهميتها في مجال الطاقة تكمن في أنها دولة عبور وفق مشروعات متنافسة لدول عديدة لنقل الغاز من نيجيريا إلى أوروبا، مثال ذلك المشروع الجزائري، والمشروع الليبي، وأيضا دخلت ليبيا إلى حلبة الصراع المحتدم في النيجر.
في يونيو 2023م كشف الناطق باسم حكومة الوحدة الوطنية الموقتة محمد حمودة في مؤتمر صحفي أن الحكومة منحت الإذن لوزارة النفط والغاز لإجراء الدراسات الفنية والاقتصادية لجدوى إنشاء مشروع أنبوب غاز من نيجيريا عبر النيجر أو تشاد إلى أوروبا عبر ليبيا.
وبعدها أعلن وزير النفط والغاز محمد عون أن وزارته قدمت دراسة للحكومة بشأن خط الغاز النيجيري المقترح إلى أوروبا. وحسمت الدراسة الأولية لصالح عبور الأنبوب من النيجر بدل تشاد، وأوضح عون أنه ستجرى دراسة معمقة في غضون ستة أشهر.
في سبتمبر 2023م بدأت مباحثات استكشافية حول جدوى هذا المشروع بين مسؤولين ليبيين ونيجيريين، وذلك على هامش اجتماع منظمة منتجي البترول الأفارقة ، وتحدثت بعض الفرضيات عن إمكانية ربط خط أنابيب أجاوكوتا-كادونا كانو في نيجيريا بعد إنجازه بخط غرين ستريم انطلاقا من حقل الوفاء الليبي على الحدود مع الجزائر.
في سبتمبر 2024م أكدت الحكومة النيجيرية إجراء محادثات مع ليبيا بشأن مشروع بناء خط أنابيب للغاز بين البلدين، وكان قد التقى وزير النفط والغاز في نيجيريا إيكبيريكبي إيكبو وزير النفط المكلف في حكومة الوحدة الوطنية الموقتة خليفة عبد الصادق على هامش معرض ومؤتمر غازتك 2024 الذي انعقد في هيوستن بالولايات المتحدة. وقال إيكبو: “إن خط أنابيب الغاز المحتمل سيبدأ من نيجيريا إلى ليبيا، وإن اللقاء الاستراتيجي بينه وبين وزير النفط الليبي يهدف إلى تعزيز التعاون في مجال الطاقة بين البلدين “.
ويرى محللون بأن مشروع الأنبوب النيجيري الليبي يواجه عدة تحديات تقنية ومالية وأمنية تتمثل في تمركز المرتزقة الروس بالجنوب على الطريق التي يفترض أن يمر عبرها الأنبوب، الأمر الذي يجعل المشروع في يد الكرملين بقبول أو رفض عبوره. لذا نرى من الأهمية قراءة الواقع جيدا في النيجر وفهم ومتابعة وقائع الصراع بين الجزائر والمغرب حول نقل غاز نيجيريا إلى أوروبا، ولا شك بأن وجود إرادة ليبية لإنشاء خط غاز نيجيريا – ليبيا وعبر النيجر سيجعل ليبيا طرف ثالث في الصراع الجزائري – المغربي.
ب – المشروع الجزائري لنقل الغاز إلى أوروبا
ويعد خط أنابيب الغاز العابر للصحراء والذي ظهر كمشروع عام 2002م الأهم بين برامج التعاون التي تربط الجزائر بالنيجر، والتي قد يعصف بها أي انهيار للوضع السياسي والأمني في هذا البلد الأفريقي. ورغم إطلاقه قبل عقدين، ازدادت أهمية المشروع خلال الأشهر الماضية، محققا زخما إعلاميا وسياسيا، بسبب حرب أوكرانيا ولجوء قارة أوروبا إلى البحث عن مصادر جديدة للطاقة لتعويض الغاز الروسي.
وأمام هذا الاهتمام الأوروبي بالمشروع تحركت السلطات في كل من الجزائر ونيجيريا والنيجر لوضع خارطة طريق جديدة من أجل تسريع إنجازه. ونهاية شهر يوليو تموز 2022م أعلنت الدول الثلاث توقيع مذكرة تفاهم بين وزرائها للطاقة بالعاصمة الجزائرية، تقضي بمباشرة إجراءات تجسيد المشروع.
وحسب تقديرات أولية تقدر موازنة المشروع بـ13 مليار دولار، ويبلغ طول أنابيب الغاز حوالي 4181 كيلومتراً، منها 1040 كيلومتراً من حقول الغاز جنوب نيجيريا إلى حدودها الشمالية، ثم 841 كيلومتراً داخل أراضي النيجر إلى الحدود الجزائرية، علما أن شبكة النقل داخل الأراضي الجزائرية جاهزة بحكم وجود أنابيب تربط جنوبها بشمالها، وتقطع البحر الأبيض المتوسط شرقا نحو إيطاليا وغربا نحو إسبانيا.
ونيجيريا التي تملك أكبر احتياطي مؤكد من الغاز في إفريقيا بحجم 200 تريليون قدم مكعب، تعول على الأنبوب لنقل 30 مليار متر مكعب من غازها سنويًا نحو أوروبا ، وقبل أشهر أعلنت شركة النفط الحكومية بنيجيريا أن نسبة أشغال الإنجاز لأنبوب يربط جنوب البلاد بشمالها بلغت 70%، من أجل مروره لاحقا عبر أراضي النيجر وصولا إلى الحدود الجزائرية. وقبل وقوع الانقلاب العسكري في النيجر كان عجز هذه الدولة عن توفير موازنة لإنجاز خط الأنابيب المار عبر أراضيها على مسافة 841 كلم أحد أهم التحديات، وسط حديث عن اللجوء إلى تمويل المشروع من مصادر خارجية أهمها البنك الأفريقي للتنمية.
كما كان التهديد الإرهابي من بين التحديات التي تواجه المشروع سواء شمال نيجيريا أو عبر أراضي النيجر بسبب النشاط الكبير لجماعات إرهابية مثل بوكو حرام وكذا داعش وأخرى مرتبطة بتنظيم القاعدة.
خريطة مسار خط الغاز الجزائري من نيجيريا إلى أوروبا
المصدر: موقع المعرفة
ترى الجزائر جارتها الجنوبية امتدادا لأمنها القومي، فضلا عن أن مشاريع ضخمة بين البلدين قد يعصف بها أي انهيار للوضع الأمني هناك. وأثناء مقابلة تلفزيونية قال الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون في رده على سؤال بشأن موقف بلاده من أزمة النيجر، قال تبون: “إن الجزائر مع العودة إلى الشرعية الدستورية في النيجر وهي على استعداد لمساعدة النيجريين بما استطاعت إذا ما طلبوا ذلك من اجل لم شملهم”، مؤكدا “رفضه التام والقطعي للتدخل العسكري في هذا البلد”. وحذر من أن أي تدخل عسكري لا ينجر عنه إلا المشاكل، مستدلا بما جرى في ليبيا وسوريا، حيث لا تزال “المشاكل مطروحة والأمور متشعبة” وأن أي استخدام للقوة يؤدي إلى “إشعال الساحل بأكمله”.
هواجس أمنية واقتصادية
والجزائر ترتبط مع النيجر بحدود برية طولها 1000 كلم، وتعد البلد الوحيد الذي عقدت معه اتفاقية لتسيير دوريات عسكرية حدودية مشتركة، لمواجهة “التهديدات الأمنية”. وكان الإعلان عن اتفاقية مراقبة الحدود في أبريل نيسان الماضي، أي قبل قرابة أربعة أشهر عن العملية الانقلابية. ويقول أستاذ العلوم السياسية بجامعة الجزائر توفيق بوقاعدة: “إنه إلى جانب الهواجس الأمنية من انهيار الوضع في النيجر، فإن الجزائر لديها مصالح استراتيجية في جارتها الجنوبية التي تعد من أهم نقاط الارتكاز بالنسبة إليها لتوسيع نفوذها في القارة الإفريقية “.
وأوضح في حديثه لـ”العين الإخبارية”، أن البلدين لديهما اتفاقيات ومذكرات تفاهم حول مشروع الطريق العابر للصحراء بين الجزائر ونيجيريا وخط الألياف البصرية العابر للنيجر أيضا، والمشروع الأهم وهو خط أنبوب الغاز بين الجزائر ونيجيريا والمار عبر النيجر ويصل حتى أوروبا.
ويقول المسؤولون في الجزائر إن هذه المشاريع هي أكثر من مجرد برامج اقتصادية للتنمية، وإنما هي أيضا مخططات لدعم الاندماج الإقليمي بين دول شمال غرب القارة الإفريقية.ولنرى ماذا فعلت الجزائر في سبيل إنجاح مشروعاتها الاستراتيجية في إفريقيا والتي من أهمها الأنبوب الناقل للغاز من نيجيريا نحو أوروبا وقد أعطت الجزائر أهمية لعلاقاتها مع النيجر باعتبارها دولة عبور لخط الغاز، والمشروعات، هي:
1- طريق الوحدة
في عام 1962، حيث سادت الروح الثورية ضد الاستعمار وسمت أشواق الوحدة بين بلدان القارة الأفريقية، شكّلت الجزائر ونيجيريا، وتونس، ومالي والنيجر وتشاد “لجنة ربط الطريق العابر للصحراء”، وكان يسمى حينها “طريق الوحدة الأفريقية”، على مسافة 9900 كيلومتر. ولظروف سياسية واقتصادية عاشتها دول المجموعة، ظل المشروع يتقدم ببطء على مدار 6 عقود كاملة، قبل أن يتحرك بقوة من جانب الجزائر خلال العشريّتَين الأخيرتين بفضل البحبوحة المالية النفطية.
وأعلنت الجزائر مؤخرا عن استلام الطريق في يونيو/حزيران الجاري، حيث يمثل الشق الرابط بينها وبين لاغوس العمود الفقري للمشروع بمسافة 4500 كيلومتر، مرورا بالنيجر.
وكشفت الحكومة الجزائرية، والتي أنفقت على حصتها 2.6 مليار دولار، أن الطريق سيكون مضاعفا بخط أنابيب تسمح بتصدير الغاز النيجيري عبر موانئ الجزائر نحو أوروبا خصيصا، ونحو سائر دول العالم بصفة عامة، هذا بالإضافة إلى إنجاز خط للألياف البصرية يربطها بنيجيريا، مع تحويله تدريجيا إلى طريق سيار.
وبالنسبة لأجزاء المشروع عبر أراضي البلدان الخمسة الأخرى، فهي بطول 295 كيلومترا في تونس، و1688 كيلومترا في مالي، و2597 كيلومترا في النيجر، و1299 كيلومترا في نيجيريا، و643 كيلومترا في تشاد.
وبذلك يعتبر الطريق العابر للصحراء أكبر مشروع مهيكل في أفريقيا، يربط 6 بلدان موزعة على 3 من المجموعات الاقتصادية الثماني للقارة، تراهن من خلاله على مضاعفة المبادلات التجارية برا وتخفيض تكاليف النقل، بحسب خبراء. ويتوقع الخبراء أن يفتح آفاقا جديدة لكل من تشاد ومالي والنيجر لولوج الموانئ التونسية والجزائرية بإمكانيات كبيرة، خاصة مع التشغيل القريب لميناء الحمدانية في الجزائر.
أ – شريان اقتصادي
وعن أهميته لدول المجموعة، أكد رضا تير، رئيس المجلس الوطني الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، وهو أعلى هيئة حكومية استشارية تتبع لرئاسة الجمهورية في الجزائر، أن الطريق العابر للصحراء مشروع جيوإستراتيجي سيجعل من بلادنا البوابة الشمالية الرئيسية نحو السوق الأفريقية مستقبلا، خاصة بعد استكمال إنجاز مشروع الميناء العملاق التي ستنطلق به الأشغال قريبا بمنطقة شرشال.
كما وصف الطريق في محوره الرئيسي بين العاصمة الجزائرية ولاغوس، بمثابة المشروع الحلم، من أجل تحقيق الاندماج الإقليمي والتكامل الاقتصادي، ولا سيما بين دول المغرب العربي ومنطقة الساحل وتجمّع دول غرب أفريقيا، في ظل تحديات تهدد أمن واستقرار الإقليم. ومن أجل ذلك تسعى الجزائر، يضيف رئيس المجلس، إلى ترقية هذا الطريق من مجرد منشأة طُرقية إلى شريان اقتصادي حقيقي، خاصة مع دخول اتفاقية التبادل الحر بين الدول الأفريقية حيز التنفيذ، بعدما صادق عليها مجلس الوزراء برئاسة عبدالمجيد تبون.
ب – آليات التعاون
كشف المسؤول الجزائري في تصريح للجزيرة نت أن بلاده حثت سفراء الدول المعنية، خلال شهر مارس 2021م ، على ضرورة الإسراع في وضع اتفاقية إستراتيجية تحدد آلية التعاون ونظام لإدارة مستدامة مشتركة لهذا المشروع الحيوي. وركز على ضرورة إنشاء منتدى اقتصادي ومجلس أعمال مختلط يجمع سنويا رجال الأعمال والقادة السياسيين للدول الست، من أجل التطرق للقضايا الاقتصادية والتجارية الرئيسية في المنطقة، بغرض تعزيز التشاور والتعاون فيما بينها، بخصوص التحديات والرهانات التي تواجهها المنطقة.
وأوضح أن الطريق سيُربط قريبا بطريق الحرير الصيني عبر ميناء شرشال الجزائري، والذي يعد من المحطات الرئيسة ضمن مبادرة الحزام، ما يجعله مستقبلا منطقة عبور للسلع الأوروبية الموجهة نحو السوق الأفريقية، باعتبار أن النقل البري يعد أقل تكلفة من البحري للوصول إلى دول أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، على حد تعبيره.
ج – مشروع سياسي.
من جهة أخرى، يرى محمد حميدوش، الخبير لدى البنك الدولي، أن فكرة الطريق العابر للصحراء سياسية بالدرجة الأولى أكثر مما هي اقتصادية، بهدف فك العزلة عن دول الساحل وتعزيز التجارة بين شمال وجنوب الصحراء، حيث تمثل هذه الدول الست 27% من الناتج المحلي الإجمالي للقارة الأفريقية بمجموع 25% من سكانها.
لكن سيبقى من الضروري إنشاء أنظمة قانونية خاصة بهذه الدول، حصرها في قانون التجارة الدولية والضرائب والرسوم الجمركية، وأنظمة أمنية للمسافرين وبضائعهم عبر كل الطريق، بما في ذلك تدفقات الهجرة، كما يقول حميدوش.
أما ضمان التسيير المستدام للطريق، بحسب الخبير، فيمكن أن تحتويه هيئة الإدارة وطريقة التمويل، وينجر عنهما مؤسسة ذات طابع اقتصادي وتغطية أشغال الصيانة والتسيير من طرف أصحاب المركبات، مع متوسط سعر لكل كيلومتر (ما يعادل تقريبا 7 سنتات -من الدولار- للمركبات الخفيفة، مقارنة بـ21 سنتا للمركبة الثقيلة).
ويقترح توجيه المبلغ المحصّل بما يمثل 12% للخدمات و19% للجباية و35% لتحديث الشبكة و10% كأرباح، والبقية هي ضمن الاستغلال. وفي حال استمرار تمويل الطريق إداريا، أي عن طريق الضرائب بشكل غير مباشر، ويكون مجانيا للمقيمين وللأجانب العابرين، فإن تكلفته، والكلام للخبير حميدوش، تعادل لكل مواطن جزائري 65 دولارا أميركيا لإنجازه، بالإضافة إلى 50 دولارا سنويا لإدارته، أو 240 دولارا كضريبة لكل مؤسسة اقتصادية مستخدمة أو غير مستخدمة للطريق، مع العلم أن المعايير المعروفة هو أن يتم تمويل شبكة الطرق بنسبة 20% بواسطة المركبات الأجنبية.
وبما أن الطابع السياسي هو الذي يسيطر في إدارة الطريق، بسبب غياب المعرفة الحقيقية لأسواق التجارة الخارجية لهذه الدول، فإن الجزائر قد تراهن على تسييره وصيانته من خلال الجباية.
وبالتالي عندما تتحسن المداخيل البترولية تتم صيانة الطريق، وفي حالة العكس أو بروز أولويات أخرى للإنفاق فمآله الانقطاع، خاصة في أقصى الجنوب، على حد تعبير خبير البنك الدولي. ويقول حاكم ولاية عين قزام فيصل عمروش في حديثه ليورونيوز: “إن طريق الصحراء سيكون شريان اقتصاد للجزائر في إطار التجارة الحرة. وسيحقق منافع اقتصادية ومزايا اجتماعية لجميع السكان الذين يتطلعون لهذا المشروع”.
ويعد الشطر الجنوبي لطريق الوحدة الأفريقية امتدادا للطريق الوطني المسمى “رقم واحد” في الجزائر، والذي ينطلق من الجزائر العاصمة مرورا بولايات الهضاب المرتفعة، وصولا إلى الصحراء مثل ولاية تمنراست التي تعد مكان التقاء تاريخي لقوافل البدو، باعتبارها مركزًا تجاريًا للدول الجنوب المجاورة وتبعد عن عاصمة البلاد 1900 كيلومتر.
طريق الوحدة الإفريقية والبلدان التي يمر عليها
المصدر: يورونيوز
ويقول مدير الأشغال العمومية نوردين غلال، إن ولاية تمنراست تعتبر مفترق طرق لجميع الجنسيات والحضارات الأفريقية، يقول: “وقد ازدادت معاملات المقايضة في السنوات الأخيرة بشكل ملحوظ…يتم تعديل ومراجعة قائمة المنتجات المصدرة والمستوردة من سنة إلى أخرى، حسب احتياجات بلدنا والدول المجاورة “.
للتعامل مع هذا التدفق الهائل للشاحنات المحملة بالسلع العابرة للحدود الجزائرية-المالية والجزائرية-والنيجيرية، يتم تحديث الطرق الحالية وتوسيعها من أجل زيادة قدرتها على استيعاب وسائل النقل تلك، وذلك بعد الدراسات الجيوتقنية التي تأخذ في الحسبان الظروف الصعبة للصحراء، لضمان المرور الآمن للشاحنات.
ويعتبر سائق شاحنات البضائع لوزري عبد الرزاق الذي يستعمل الطريق الوطني رقم 1 بشكل دوري، أن المشروع يعد الشريان الرئيسي بين أوروبا وشمال إفريقيا وبدونه لن نتمكن من العيش على حد قوله.
ونهاية عام 2022، صرح سليم جعلال الأمين العام لوزارة الأشغال العامة الجزائرية، أنه “تم إنجاز هذا الطريق في شقه المتواجد بالجزائر بصفة شبه كلية (لم يتبق منه إلا 7 كلم قرب حدود النيجر) ولابد الآن من المرور إلى مرحلة التسيير الاقتصادي للمشروع من أجل تنقل الأشخاص والتبادلات التجارية بين الدول الـ6 التي يمر بها الطريق”، كما نقلت عنه وكالة الأنباء الرسمية.
ومطلع العام الجاري، أشار تقرير نشره البنك الافريقي للتنمية، أن إنجاز الطريق العابر للصحراء في النيجر يسير بشكل جيد مع تهيئة 1890 كيلومتر من إجمالي طول يبلغ حوالي 1950 كيلومترًا، أي ما يعادل 97٪ من الأشغال.
ويتكفل البنك بتمويل الجزء الأكبر من تكلفة الطريق العابر للصحراء في جزئه المار بالنيجر، بحصة بلغت 119.32 مليون دولار أمريكي أي 68.14٪ من التكلفة الإجمالية لهذا الجزء والتي تبلغ 175.10 مليون دولار.
وشهر يونيو 2022م أكد الأمين العام للجنة الاتصال للطريق العابر للصحراء، محمد عيادي أن وزراء الأشغال العامة للدول الأعضاء في المشروع اتفقوا في اجتماع لهم بالجزائر على ضرورة تسريع عملية إنشاء رواق اقتصادي، كثمرة تثمين مشروع الطريق العابر للصحراء.
وقال عيادي خلال مؤتمر صحفي على هامش الدورة الـ73 للجنة الاتصال للطريق العابر للصحراء بالعاصمة الجزائرية، إن هذا الاتفاق يأتي على إثر دراسة انجزها مكتب الأمم المتحدة للتجارة والتنمية والتي أوصت بإنشاء رواق اقتصادي عبر آلية إقليمية تضمن تنسيق “فعال” بين البلدان الأعضاء من أجل تثمين الطريق العابر للصحراء. وأضاف أن هذا التثمين ينبغي أن يمر عبر تسهيل العبور والنقل والتجارة وتوفير الاستثمارات، كل ذلك من خلال تجسيد منطقة التبادل الحر القارية الإفريقية.
2- كابل الألياف البصرية.. ربط مستقبل المنطقة
والمشروع الثالث الذي يربط الجزائر بالنيجر ونيجيريا ويرتبط أيضا بالطريق العابر للصحراء، هو كابل الألياف البصرية، إذ شهدت العاصمة الجزائرية في يوليو 2022م عقد الدورة الأولى للدول المعنية به من أجل الإسراع في إنجاز هذا الخط، الذي تم إطلاقه عام 2017 في إطار مبادرة الاتحاد الإفريقي للشراكة الجديدة من أجل تنمية أفريقيا (نيباد) وهدفه تحقيق الاندماج الإفريقي، وتطوير الاقتصاد الرقمي للمنطقة، وذلك بمد كابل للألياف انطلاقا من الجزائر إلى أبوجا مرورا بدولة النيجر ويافرع غربا نحو مالي ونوريتانيا وشرقا نحو تشاد. وشارك في الاجتماع وزراء الاتصالات لكل من الجزائر، تشاد، موريتانيا، النيجر، نيجيريا ومالي.
وهذا الخط الذي يمتد على آلاف الكيلومترات هدفه ربط هذه الدول بشبكة الألياف البصرية لضمان استفادة سكان المنطقة من بديل لخدمات الإنترنت عبر الساتل من خلال الربط بكابل بحري أوروبي يعبر الجزائر نحو أفريقيا. وأعلنت الجزائر قبل أشهر إنهاء مشروع ربط شمالها بجنوبها بكابل الألياف البصرية على مسافة 2500 كلم، فيما يتواصل المشروع بكل من النيجر وتشاد ونيجيريا وحتى موريتانيا، إذ حصلت بعض هذه الدول غلى دعم مالي من الاتحاد الأوروبي والبنك الإفريقي للتنمية لتجسيد المشروع.
3- مشروع كفرا النفطي
في سبتمبر 2024م أكد وزير الطاقة والمناجم، محمد عرقاب بالجزائر العاصمة، أنه اتفق مع نظيره النيجري، صحابي عومارو، على تسريع وتيرة المشروع النفطي الذي تديره شركة “سوناطراك” برقعة كفرا (شمال النيجر). وأوضح السيد عرقاب في تصريح للصحافة عقب لقائه مع وزير البترول النيجري، بمقر الوزارة، أنه “تم الاتفاق على وضع جدول زمني محدد لتطوير هذا الحقل، وتسريع الوتيرة ليدخل مرحلة الإنتاج الفعلي.
وأضاف أن هذا “الحقل الهام” الذي تشرف عليه سوناطراك يسجل “نتائج جد مشجعة”، حيث تم الانتقال إلى المرحلة الثانية من هذا المشروع وهي “تكملة الاستكشاف للبدء في مرحلة الاستغلال”.
وأكد الطرفان على تقديم كل التسهيلات من أجل إنجاز هذا المشروع وتحقيق الأهداف المرجوة، حسب تصريحات السيد عرقاب.
وكان وزير البترول النيجري شرع في زيارة عمل إلى الجزائر، في إطار بحث سبل تعزيز وتقوية علاقات التعاون بين البلدين في مجالات الطاقة، لاسيما المحروقات. وتأتي هذه الزيارة عقب الزيارة التي قام بها السيد عرقاب إلى النيجر شهر أغسطس 2024م.
ج-المشروع المغربي
كان المغرب قد بدأ مباحثات مع نيجيريا، من أجل مدّ خط غاز يربط لاغوس بالرباط، ومصنع مشترك لإنتاج الأسمدة في نيجيريا، في اتفاق عام 2016. ويمتدّ أنبوب الغاز المغربي على طول 5660 كيلو مترًا، ومن المنتظر تشييده على عدّة مراحل ليستجيب للحاجة المتزايدة للبلدان التي سيعبر منها وأوروبا، خلال الـ25 سنة القادمة، وفق وسائل إعلام محلية.
وسيمرّ الأنبوب بكل من بينين وتوغو وغانا وكوت ديفوار وليبيريا وسيراليون وغينيا وغينيا بيساو وغامبيا والسنغال وموريتانيا، وتفوق تكلفة المشروع 25 مليار دولار، ويُتوقع أن ينقل الأنبوب الجديد بين 30 و40 مليار متر مكعب من الغاز النيجيري سنويًا.
تم مساء الأحد 10 يونيو عام 2018م في الرباط توقيع اتفاق تعاون ضخم لمد أنبوب للغاز عبر غرب إفريقيا وذلك بمناسبة زيارة رسمية لمدة يومين قام بها الرئيس النيجيري محمد بخاري إلى المغرب، بحسب ما أوردت وكالة الأنباء المغربية الرسمية.
وأجرى بخاري الذي رافقه وفد كبير في زيارته الرسمية الأولى إلى المملكة محادثات مع العاهل المغربي في القصر الملكي في العاصمة. ووقع الجانبان ليل الأحد ثلاث اتفاقات تعاون أحدها متعلق بأنبوب للغاز سيربط بين البلدين عبر المحيط الأطلسي في غرب إفريقيا.
ويقوم المشروع على مد خط إلى المغرب من أنبوب للغاز مستخدم منذ عام 2010م يربط بين نيجيريا وبنين وتوغو وغانا. وشدد مسؤولون من البلدين الأحد على أنه ولأسباب ذات بعد اقتصادي وسياسي وقانوني وأمني وقع الاختيار على المسار المختلط لخط الأنابيب برا وبحرا.
وتابع المسؤولون بقولهم: “إن أنبوب الغاز سيمتد على طول يناهز 5660 كم ، وسيتم تشييده على عدة مراحل ليستجيب للحاجيات المتزايدة للدول التي سيعبر فيها وأوروبا خلال 25 عاما القادمة”.
وفي فبراير 2021م، أعلن القصر الملكي أن المغرب ونيجيريا جدّدا التزامهما بمدّ خط أنابيب للغاز يسلك طريقًا بريًا وبحريًا، ومصنع للأسمدة، من خلال اتصال هاتفي بين العاهل المغربي، الملك محمد السادس، والرئيس النيجيري محمد بخاري، وفق وكالة رويترز. واتفق الزعيمان على تسريع الجهود لإطلاق مصنع أسمدة في نيجيريا من قبل مجموعة “أوه سي بي” المغربية، وهي أكبر مصدر للفوسفات في العالم. وقال مسؤولون مغربيون لوكالة رويترز في يوليو/تموز، إن المصنع سينتج 750 ألف طن من الأمونيا، ومليون طن من الأسمدة، ومن المتوقع أن يبدأ تشغيله بحلول عام 2024م.
ا- اتفاق مع إيني وقطر للبترول
في إطار مساعي المغرب لزيادة إنتاجه المحلي من النفط والغاز، وقّع المكتب الوطني المغربي للهيدروكربونات والمناجم، اتفاقًا مع شركتي “إيني” الإيطالية و”قطر للطاقة”، وفقًا للجريدة الرسمية في البلاد. وقالت الجريدة الرسمية، إنه بموجب الاتفاقية، مُنحت الشركتان رخصة استكشاف نفط وغاز، حسبما ذكر موقع “روسيا اليوم”، قبل يومين. وكانت إيني التي امتلكت 75% من التراخيص من خلال شركتها الفرعية إيني المغرب، قد تنازلت عن 30% من حصتها إلى قطر للبترول عام 2019، بينما احتفظ المكتب الوطني المغربي بنسبة 25% من هذه الامتيازات.
خريطة مسار خط الغاز من نيجريا إلى المغرب
المصدر: موقع DW الألماني
د- صراع مغربي جزائري.
تعكس تصريحات مسؤولي الجزائر والمغرب بشأن مشروعات خطوط أنابيب، لنقل الغاز النيجيري إلى أوروبا، حلقة جديدة من الصراع السياسي، الذي يتخذ من مصادر الطاقة حلبة له، لكن يصعب توقّع الفائز به حتى الآن. فقد أعلنت حكومة المغرب في نوفمبر 2021م أن مشروع “خط نقل الغاز النيجيري – المغربي البري والبحري”، سينقل الغاز الطبيعي من أبوجا إلى الرباط عبر 13 دولة أفريقية في غرب وشمال القارّة.
وأصدر سفير نيجيريا في الجزائر، محمد مبدول، تصريحًا مشابهًا بشأن خط الغاز النيجيري الجزائري، أشار فيه إلى تسارع خطى تنفيذ المشروع، وقرب مدّ الخطوط إلى حدود النيجر، وهي الدولة التي تقع بين الشريكين.
تطورت المشكلات القديمة بين الجزائر والمغرب في أغسطس/آب الماضي، ما دفع الأولى إلى قطع العلاقات الدبلوماسية مع الثانية. كما رفضت الجزائر تجديد عقد نقل غازها إلى أوروبا عبر المغرب، الذي انتهى آخر أكتوبر/تشرين الأول الماضي، بعد استبداله بخط ميدغاز، الذي ينقل الغاز إلى أوروبا مباشرة من خلال إسبانيا. واتخذ الصراع بين البلدين من الطاقة أرضًا لمعارك عدّة منذ مدة طويلة. (63)
أشارت صحيفة “الشروق” الجزائرية، في وقت سابق من هذا العام، إلى ما نقلته صحيفة ألموندو الإسبانية، قائلة: “محمد السادس ملك المغرب أوقف مفاوضات تجديد خط الغاز مع إسبانيا الذي ينتهي هذا العام”. ولوّحت الجزائر بتصريحات مشابهة، إلى أن نفّذت تهديداتها، ورفضت تجديد عقد نقل غازها إلى أوروبا عبر المغرب.
لم توقف الجزائر والمغرب التصريحات بشأن الغاز، ونقلت الجدال حول الغاز النيجيري مؤخرًا.
وذكرت حكومة المغرب في إعلانها الأخير، أنها أنشأت مكتبًا وطنيًا للهيدروكربونات والمناجم، يُعنى باستكشافات الغاز والنفط والمعادن، وسيكون مشروع خطوط نقل الغاز النيجيري-المغربي تحت رعايتها، حسبما ذكر موقع “بامبس أفريكا”.
مما سبق يتضح وجود ثلاث مشروعات متنافسة لنقل غاز نيجيريا نحو أوروبا، وان ليبيا قد تصبح طرفاً في هذا الصراع باعتبار أن مسافة عبور خط الغاز من ليبيا نحو أوروبا اقصر طولاً من خط غاز مشروع الجزائر والمغرب، والسؤال هنا: ماذا ستفعل كل من الجزائر والمغرب؟.
ومن من الدول الثلاثة ستكون قادرة على إنجاح هذا المشروع الاستراتيجي؟.
The post روسيا والغرب والصراع على الغاز في أفريقيا.. هل ستصبح ليبيا إحدى ساحات الصراع؟ appeared first on عين ليبيا آخر أخبار ليبيا.

