نحن نعيش في زمن تلتف حوله علامات الاستفهام؛ فالرجل في هذه الحقبة الزمنية يُفَعِّل طاقة الاستقبال – وهي طاقة أنثوية بالأساس – كاستقبال الاهتمام، والمعافرة للفوز به، والاتصال، وإرسال الرسائل النصية له.
ماذا حدث؟ لقد انقلبت الموازين! أرأيت رجلاً يغضب وتأخذه العزة بالنفس لعدم اهتمام خطيبته به مبادرةً بالحديث؟ وتسألون بعد ذلك لماذا تملكت طاقة الذكورة من نساء حواء حالياً؟!.
منذ قديم الأزل، كنا نرى في أفلام الأبيض والأسود والمسلسلات القديمة أن السيدة تحتل مكانة كبيرة في قلب الرجل، سواء كانت ربة منزل، أو امرأة عاملة، أو ذات منصب رفيع؛ وكان للرجل مكانته وثقله في البيت عند الأولاد والزوجة أو الحبيبة؛ فهو من يدير العلاقة، ويبادر، ويسعى، ويهيئ سبل النجاح. وقبل ذلك الزمن، كان هناك زمن آخر لـ “سي السيد” وله كما يُقال “شنّة ورنّة”، صاحب هيمنة وجبروت.
فهل فعلاً لكل زمن سماته؟ أم نحن من نتوارث ونكتسب صفات آبائنا وأجدادنا على مر العصر؟ أم هي ميول ورغبات مختلفة من شخص لآخر تُتحرّر بشكل تلقائي مع نزول “الإصدار الجديد” لزمن جديد؟.
تسمح لي أن أستعير انتباهك؟ مع اختلاف شخصية الرجل في كل عصر، نجد أنفسنا نبحث عن مبررات لتصرفاته أياً كانت، بينما تظل المرأة مسجونة في النمطية القديمة ذاتها التي تسيطر على العقول في كافة الأزمنة، ويُفرض عليها اتباع هذه النسخة؛ فممنوع نزول “إصدار جديد” لها، وإلا أصبحت امرأة “غير أصيلة”!.
و”الأصيلة” كمصطلح هنا تعني: أن تضحي، وتحتمل، ولا تفكر في نفسها؛ لا قيمة ولا استحقاق، فالكل قبلها وهي في ذيل القائمة! والرد الجاهز دائماً يكون: “الرجل رجل يفعل ما يشاء!”.. لكن الرجل بشر مثل المرأة؛ كلاهما سيُحاسب على ما اقترف، وكلاهما نفسٌ واحدة والله سيحاسبنا على أنفسنا وما ألحقنا بها من ضرر وأذى، ومادام هناك عقل يفكر ويتدبر، فالحساب قائم.
إن النبي -عليه أفضل الصلاة والسلام- الذي عدّد الزوجات، رفض التعدد على ابنته! وأشار إلى النساء بـ “القوارير” وأوصى بالرفق بهن. فلماذا تؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض؟! نأخذ من الدين رخصة التعدد فقط، وننسى أن معاملة المرأة في الإسلام هي أسمى أنواع التعامل، بينما في زمننا هذا أصبح تنكيل المرأة وقهرها أمراً طبيعياً وواجب الحدوث! نحن ندفع ثمن موروث غير منصف ولا عادل كي تكوني “ست أصيلة”!.
دروس من شاشة الواقع
من منكن شاهدت مسلسل “المرسى” السعودي (إخراج فكرت قاضي)؟ يعمل القبطان “سلطان الناهل” في البحر ويسافر لفترات طويلة تبعده عن زوجته وأولاده. وخلال إحدى رحلاته يلتقي بامرأة يُقال لها “نوال”، يدخل معها في علاقة عاطفية، فتُثار صراعات حادة بين حبه لها وتجاه التزامه ببيته وزوجته “خولة”. تحاول نوال فصل القبطان عن عائلته وتطلب منه التخلي عن ماضيه وأسرته، وحين يعود إلى عائلته تنفجر الأحداث بصدامات بين الواجب العائلي والرغبة العاطفية.
وكم من “قبطان سلطان” يعيش بيننا؟! كم منهم دمر بيته بعد سنوات طويلة يدّعي عدم الراحة، وأن وجوده لم يكن إلا اضطراراً للحفاظ على استقرار الأسرة؟ قصة متداولة منذ قديم الأزل؛ كم من رجل أصبح تابعاً لنزوة وهدم كل شيء من أجل راحته وسعادته المزيفة؟ لم تكن الأخرى هي الأفضل، بل الأوعى وذات الاستحقاق العالي التي استطاعت أن تأسر قلبه وعقله وتحركه حسب رغبتها دون أن يشعر! وجعلته يطلقها.
يمتثل لأوامرها، ويستحل الخوض في استقرار وأمان أسرته الأولى لراحة الثانية. أرأيتم المشهد عندما أقنعته نوال (الزوجة الثانية) بأن يفتتح مطعماً كمشروع بضمان رهنت فيه بيته الأول الذي تقطن به أم أولاده وأولاده، وليس البيت الآخر الذي تعيش هي فيه؟! وبالفعل وافق تحت ضغط سلاح الحب!.
ثم نأتي لمنقذ “خولة” (الزوجة الأولى) من هذا العذاب: “طلال”، الذي أظهر شجاعة ومثابرة ليحظى بها، لكن طلال هذا خرج بنسخته الجديدة التي تكونت من وجع فقدان ابنه الذي كان سبباً فيه؛ حيث اختلف طلال مع زوجته الأولى على أنه سيأخذ ابنه لتربيه زوجته الثانية، فَأَبَت الأُم وسقط الولد من شرفة المنزل! أصبحت الأم حبيسة تلك الذكرى تعيشها كل يوم وكأن حياتها توقفت، والأب من هول الفاجعة دفع الثمن بزهده في الحياة وتوفير الخدم لرعاية أم ابنه بعد أن فقدت صوابها إثر ذلك الحادث الأليم.
يا له من أمر مخزٍ! اللهث وراء المتعة والانشغال بأذية الخصم وهزيمته؛ حيث يرى الزوجة الأولى خصماً وسبباً وراء هفواته، فهو لا يخطئ وإن ارتكب الخطأ فكَبْشُ الفداء جاهز: الزوجة الأولى!.
الدين معاملة
قال رسول الله ﷺ: «مَا أَكْرَمَهُنَّ إِلا كَرِيمٌ، وَمَا أَهَانَهُنَّ إِلا لَئِيمٌ». الدين معاملة، والعبادات فرض على الفرد تجاه ربه، أما المعاملة فأن ترفق بالزوجة، وإن تفرقا يُغنِ كل منهما الآخر من سعته، والمهم هو “التسريح بالمعروف” وألا تأخذوا منهن شيئاً بعد الطلاق.. وهذا للأسف لا يحدث في زمننا الحالي! وإن حدث تعدد فالشرط الأساسي هو العدل.
تعالوا نتحدث عن أزواج العصر الجديد و”الزوجة الأصيلة”! تُطالب بأن تتقبل الخيانات المتعددة، والضرب، والإهانة، لمصلحة الأولاد! وإذا تفوّهت وخرجت عن صمتها، أصبحت بمثابة “الدبور الذي يزنّ على خراب عشّه”.
تعالوا نتحدث عن فئة من الرجال يستعينون بمحامٍ وزوجاتهم ما زلن على ذمتهم، ليلقنهم كيف يجعلون الزوجة تطلب الطلاق أو الخلع بنفسها! لا نستثني أن للزوج ميولاً للأذية، ولكنه يريد تنفيذها بخطة محكمة دون إلحاق الضرر بنفسه ودون أن يلطخ يده بدمائها! يتبع معها الصمت العقابي، وحركات السخرية والاشمئزاز ليخرجها عن شعورها، ويستخدم الألاعيب النفسية ليصل بها إلى حد الجنون، يقهرها ويقلل منها ليُبرز أبشع صورة تكونت بفضله حتى يثبتها عليها، ويعرضها للقريب والغريب ليثبت أنه هو “الضحية”!.
كل هذا لأنه لا يتحمل أن يكون مخطئاً أمام الناس، ويعشق لعب دور الضحية المظلومة؛ وإذا نجح وتخلص منها، ستكون الجولة الأخيرة هي “ورقة الأولاد”؛ يدّعي حبه لهم، ويريد أخذ حضانتهم لأنه “الأجدر بتربيتهم” -وهذا كذبٌ محض- وما الحل هنا؟ يحاول توريطها في أي شيء ليعاقبها بحكم قضائي تُسقط به الحضانة عنها لكي يسقط النفقات! هناك آباء أفاضل كرسوا حياتهم لتربية أطفالهم، لكنهم نماذج تُعد على الأصابع من الزمن الجميل، ونادراً ما تجدهم اليوم.
رسالة إلى كل امرأة
لا تحاربي رجلاً…
امشي بسلام وتنازلي وابدئي صفحة جديدة لأجل سلامك النفسي، اتركي الغصّة تنهش قلبك واحتسبيها أجراً وثواباً، أو حاربي سنوات لتحصلي على حقوقك وأولادك وتفهمي ما تبقى من عمرك في التمسك بحقك واستعدي لبطشه وظلمه. لكن في الحالتين، ستكونين في نظره ونظر من هم على شاكلته مذنبة ومخطئة؛ لأن الذنب خُصِّص للمرأة لِتَحْمِلَه كلعنة ترافقها بقية عمرها!.
ومن هنا عزيزتي المرأة أقول لكِ: اختاري ما يناسبكِ، ولكن تذكري… من كَلَّفَ أَعَانَ.
لا تقف الحياة على أحد؛ لا تتشبثي، ولا تلاحقي، ولا تستعطفي، حتى الفرص لا تعطيها بغير حساب! ضحي فقط من أجل نفسك ومن حولكِ من المقربين الذين يحبونكِ حباً غير مشروط (الأهل من الدرجة الأولى والأبناء على سبيل المثال).
أنتِ مشروعكِ ومستقبلكِ، وأنتِ من ستُسألين عن عمركِ فيما أفنيتِه؛ فاعملي لآخرتكِ واحترمي ذاتكِ ونفسكِ فستُسألين عنها. وتحلَّي بقوة الاستعانة بالله والثقة بأنه سينصر كل امرأة لا تريد شيئاً سوى أن تعيش بمعزل عن الثرثرة الكاذبة والأذى، فقط تريد أن تحيا حياة طيبة مستورة.
The post زمن سندريلا مان.. والست الأصيلة appeared first on عين ليبيا | آخر أخبار ليبيا.

