Site icon bnlibya

شبكة «عين ليبيا» تفتح ملف الاستقرار الهش.. لماذا لا يريد العالم إنهاء الأزمة الليبية جذرياً؟

في ظل استمرار حالة الانقسام السياسي والمؤسسي في ليبيا، وتغير طبيعة التنافس الدولي حول المنطقة، لم تعد الأزمة الليبية تُقرأ باعتبارها ملفاً داخلياً فقط، بل أصبحت جزءاً من شبكة أوسع من التوازنات الإقليمية والدولية المرتبطة بالطاقة والأمن والهجرة والنفوذ الجيوسياسي.

وقال خبير العلاقات الدولية الدكتور إلياس الباروني، في تصريح لشبكة عين ليبيا، إن ليبيا لا تزال تحتفظ بموقع استراتيجي بالغ الأهمية في الحسابات الدولية، إلا أن طبيعة الاهتمام الدولي بها تغيرت بصورة جوهرية خلال السنوات الأخيرة.

وأوضح الباروني أن ليبيا، خلال الفترة الممتدة بين عامي 2014 و2020، كانت تمثل ساحة صراع جيوسياسي مفتوح، أما اليوم فقد أصبحت جزءاً من منظومة أوسع من الأزمات العالمية.

وأشار إلى وجود خمسة عوامل تجعل ليبيا ذات أهمية دائمة في الحسابات الدولية، تتمثل في موقعها في قلب البحر المتوسط وعلى بوابة إفريقيا، أي في قلب العالم، إضافة إلى امتلاكها أكبر احتياطي نفطي في إفريقيا، ودورها المحوري في ملف الهجرة غير النظامية نحو أوروبا، وارتباطها بالأمن في منطقة الساحل والصحراء التي تشهد تصاعداً لنشاط الجماعات المسلحة والتنافس الروسي والغربي، إلى جانب تحولها إلى ساحة لتقاطع المصالح الأمريكية والروسية والتركية والأوروبية.

وأكد الباروني أن الاهتمام الدولي لم يعد اهتماماً بحل الأزمة الليبية بقدر ما أصبح اهتماماً بمنع انهيار الدولة أو انفجارها عسكرياً.

وأوضح أن الأولوية الغربية اليوم تتمثل في استمرار تدفق النفط، ومنع موجات هجرة جديدة، ومنع تمدد النفوذ الروسي، والمحافظة على الحد الأدنى من الاستقرار الأمني.

وأضاف أن المجتمع الدولي انتقل من سياسة صناعة الحل إلى سياسة إدارة الأزمة، وأنه تحول حالياً إلى إدارة التوازنات.

البعثة الأممية وأزمة غياب الرؤية الدولية الموحدة

وحول تحركات بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، قال الباروني إن البعثة تحاول إعادة إطلاق العملية السياسية عبر مسارات متعددة تشمل الحوار السياسي، وإصلاح المؤسسات، ومعالجة الانقسام، والدفع نحو الانتخابات.

لكنه أشار إلى أن المشكلة الأساسية تكمن في أن البعثة لا تمتلك أدوات تنفيذية، وإنما تمتلك أدوات سياسية فقط.

وأضاف أن مجلس الأمن نفسه لا يمتلك موقفاً موحداً بالكامل تجاه الملف الليبي، موضحاً أن المواقف الدولية يمكن تقسيمها إلى ثلاثة مستويات رئيسية.

وأوضح أن الولايات المتحدة ترى أن الأولوية تتمثل في منع التمدد الروسي، والحفاظ على وحدة المؤسسة النفطية، والوصول إلى سلطة تنفيذية مستقرة.

أما روسيا، بحسب الباروني، فتركز على الحفاظ على نفوذها العسكري، وحماية مصالحها الاقتصادية، وضمان وجودها في الجنوب والشرق.

بينما تهتم أوروبا أكثر بملفات الهجرة والطاقة والاستقرار الحدودي.

وأكد أن النتيجة هي عدم وجود رؤية دولية موحدة للحل، وإنما يوجد توافق على منع الانهيار فقط.

ستة عوامل وراء استمرار تعثر المسار السياسي

وفي تفسيره لأسباب استمرار تعثر المسار السياسي رغم تعدد المبادرات، قال الباروني إن أسباب الفشل يمكن تلخيصها في ستة عوامل رئيسية.

وأوضح أن العامل الأول يتمثل في غياب الإرادة السياسية المحلية، مشيراً إلى أن القوى المسيطرة استفادت من استمرار الوضع الحالي، وأن السلطة أصبحت مصدر نفوذ اقتصادي وسياسي.

أما العامل الثاني فهو تضارب المصالح الدولية، حيث تمتلك كل دولة خارجية أولويات مختلفة، ولا يوجد مشروع دولي موحد.

وأضاف أن العامل الثالث يتمثل في الانقسام المؤسسي، في ظل وجود حكومتين، ومصرفين فعلياً، وأجهزة أمنية متعددة، وقوتين عسكريتين، ومؤسسات سيادية منقسمة، وهو ما يجعل تنفيذ أي اتفاق أمراً بالغ التعقيد.

وأشار إلى أن العامل الرابع هو الاقتصاد السياسي للصراع، موضحاً أن الأزمة أصبحت صناعة قائمة بذاتها، وأن هناك شبكات تستفيد من الاعتمادات، والإنفاق العام، وتهريب الوقود، والاقتصاد الموازي، والعقود الحكومية، وهذه الشبكات ليست معنية بإنهاء الأزمة.

أما العامل الخامس فهو غياب الضامن الدولي، إذ لا توجد قوة قادرة على فرض تنفيذ الاتفاقات، ولهذا بقيت معظم المبادرات حبراً على ورق.

وأوضح أن العامل السادس يتمثل في أزمة الثقة، حيث يخشى كل طرف أن تؤدي الانتخابات إلى فقدانه السلطة، ولذلك تتحول كل المبادرات إلى صراع حول الضمانات.

التنافس الدولي.. من الصراع المباشر إلى إدارة النفوذ

وحول تأثير التنافسات الدولية والإقليمية على الحل السياسي، أكد الباروني أن التنافس الخارجي يمثل أحد أهم معوقات التسوية في ليبيا.

وأوضح أن البلاد أصبحت نقطة تقاطع لعدة مشاريع، هي المشروع الأمريكي، والمشروع الروسي، والمشروع التركي، والمشروع الأوروبي، والمشروع المصري.

لكنه أشار إلى أن الصورة تغيرت مؤخراً، حيث أصبح الانتقال من الصراع المباشر إلى إدارة النفوذ.

وقال إن الدول الكبرى أصبحت تميل إلى تثبيت مناطق نفوذها أكثر من محاولة حسم الصراع.

وأضاف أن بعض الأطراف الخارجية لا تزال ترى أن استمرار الانقسام أقل تكلفة من إنتاج سلطة موحدة قد تعيد توزيع النفوذ والمصالح.

الانتخابات.. العقدة الأساسية في الأزمة الليبية

وفيما يتعلق بملف الانتخابات، قال الباروني إن الانتخابات أصبحت تمثل عقدة الأزمة الليبية.

وأوضح أن الخلاف الحقيقي ليس حول إجراء الانتخابات، وإنما حول من يحكم بعد الانتخابات، ومن يضمن قبول النتائج، وهل سيتم تسليم السلطة، وهل ستقبل القوى المسلحة بنتائج الصندوق.

وأكد أن إجراء الانتخابات دون اتفاق سياسي مسبق قد يعيد إنتاج الأزمة بصورة أكثر خطورة.

وأشار إلى أن الأمم المتحدة تركز حالياً على التوافق على القوانين، والضمانات الأمنية، وقبول النتائج.

لكنه أكد أن المجتمع الدولي وحده لا يستطيع فرض الانتخابات إذا لم تتوفر إرادة داخلية.

تغيير قيادة المفوضية لا يحل الأزمة السياسية

وحول تغيير قيادة المفوضية العليا للانتخابات، قال الباروني إن المفوضية أثبتت خلال السنوات الماضية قدرة تنظيمية عالية من الناحية الفنية.

وأوضح أن المشكلة الأساسية لم تكن داخل المفوضية، وإنما كانت في القوانين، والخلافات السياسية، والطعون، والبيئة الأمنية.

وأكد أن تغيير مجلس المفوضية قد يحسن الإدارة الفنية، لكنه لن يحل الأزمة السياسية.

وأضاف أن الانتخابات تحتاج إلى قاعدة دستورية، وتوافق سياسي، وضمانات أمنية، واعتراف مسبق بالنتائج.

قراءة في أدوار القوى الدولية والإقليمية

وفي تقييمه لأدوار الولايات المتحدة وروسيا وتركيا ومصر والاتحاد الأوروبي، قال الباروني إن الولايات المتحدة تركز على تحجيم النفوذ الروسي، وحماية قطاع الطاقة، وتوحيد المؤسسات، ومنع انهيار الدولة.

وأوضح أن روسيا تسعى إلى تثبيت وجودها العسكري، وتوسيع نفوذها في الساحل الإفريقي، والاحتفاظ بأوراق ضغط في البحر المتوسط.

وأشار إلى أن تركيا تعمل على حماية الاتفاقيات البحرية، والحفاظ على نفوذها الاقتصادي والعسكري، واستمرار الشراكة الأمنية مع الغرب الليبي.

أما مصر، فقال إنها تركز على أمن الحدود، واستقرار شرق ليبيا، ومنع تمدد الجماعات المسلحة، مضيفاً أنها أصبحت أكثر انفتاحاً على مختلف الأطراف مقارنة بالسنوات السابقة.

وبالنسبة للاتحاد الأوروبي، أوضح أنه ينظر إلى ليبيا من زاويتين أساسيتين هما الطاقة والهجرة، ولذلك يدعم أي تسوية تضمن الاستقرار بغض النظر عن شكلها.

وأكد أن هذه القوى لا تتجه نحو توافق كامل، وإنما نحو إدارة مشتركة للخلاف، لأن الجميع يدرك أن العودة إلى الحرب الشاملة لم تعد تخدم مصالحه.

ثلاثة سيناريوهات لمستقبل ليبيا

وحول السيناريوهات الأكثر ترجيحاً خلال المرحلة المقبلة، قال الباروني إن السيناريو الأول هو استمرار الوضع الراهن، وهو الأكثر احتمالاً.

وأوضح أن هذا السيناريو يتضمن استمرار الحكومات الحالية، واستمرار الانقسام، وإدارة الأزمة دون حل جذري، مشيراً إلى أن احتمالية تحققه تظل مرتفعة في ظل غياب توافق داخلي وضغط دولي حاسم.

أما السيناريو الثاني فهو تسوية سياسية تدريجية، تقوم على إعادة هيكلة السلطة التنفيذية، وتوحيد المؤسسات، وتشكيل حكومة انتقالية محدودة المهام، والوصول إلى انتخابات بضمانات دولية.

وأكد أن هذا السيناريو يتطلب توافقاً بين القوى الدولية والإقليمية، وهو ممكن لكنه يحتاج إلى تنازلات من الأطراف الليبية.

أما السيناريو الثالث فهو انفجار أمني محدود، قد ينتج عن الخلاف على الموارد، أو النزاع حول المناصب السيادية، أو صدام بين التشكيلات المسلحة، أو تعثر ترتيبات تقاسم السلطة.

وأشار إلى أن احتمال هذا السيناريو أقل من السابق، لكنه يظل قائماً في حال انهيار التفاهمات الأمنية.

شروط التسوية الدولية الجديدة

وحول إمكانية الوصول إلى تسوية دولية جديدة، أكد الباروني وجود فرصة لذلك، لكن نجاحها يرتبط بثلاثة شروط أساسية.

وأوضح أن الشرط الأول هو وجود توافق دولي حقيقي بين القوى المؤثرة، خاصة الولايات المتحدة وروسيا والدول الإقليمية، على إطار موحد للتسوية.

أما الشرط الثاني فهو قبول الأطراف الليبية بتقديم تنازلات متبادلة، والانتقال من منطق تقاسم النفوذ إلى بناء مؤسسات دولة موحدة.

والشرط الثالث يتمثل في توفير ضمانات تنفيذية وآليات متابعة ملزمة، حتى لا تتحول أي مبادرة جديدة إلى اتفاق سياسي آخر غير قابل للتنفيذ.

واختتم الباروني حديثه بالقول إن الأزمة الليبية لم تعد أزمة داخلية فحسب، بل أصبحت أزمة توازنات إقليمية ودولية، مشدداً على أن أي تسوية مستدامة لن تنجح إلا إذا تلاقت الإرادة الوطنية مع توافق خارجي داعم.

وأكد أن استمرار غياب هذا التلاقي سيبقي ليبيا في دائرة “الاستقرار الهش”، حيث تُدار الأزمة وتُحتوى تداعياتها دون معالجة جذورها البنيوية أو استكمال بناء مؤسسات الدولة.

The post شبكة «عين ليبيا» تفتح ملف الاستقرار الهش.. لماذا لا يريد العالم إنهاء الأزمة الليبية جذرياً؟ appeared first on عين ليبيا آخر أخبار ليبيا.