في ظل مساعي ليبيا لتنويع مصادر الإيرادات العامة وتقليل الاعتماد على النفط، تبرز المنظومة الضريبية كأحد الملفات المهمة في دعم المالية العامة وتعزيز موارد الدولة، بالتزامن مع جهود مصلحة الضرائب لتطوير آليات التحصيل وتوسيع القاعدة الضريبية والتحول نحو الإدارة الإلكترونية
وقال نائب رئيس مصلحة الضرائب، عمر الزروق، لـ«عين ليبيا» إن المنظومة الضريبية في ليبيا تمر بمرحلة تحول وإصلاح حقيقية، رغم استمرار عدد من التحديات المرتبطة بتراكمات سنوات طويلة، سواء على مستوى البنية التشريعية أو الإجراءات أو التحول الرقمي أو الموارد البشرية.
وأوضح الزروق أن مصلحة الضرائب شرعت خلال الفترة الأخيرة في تنفيذ برنامج إصلاحي متكامل يهدف إلى تحديث الإدارة الضريبية ورفع كفاءتها، مشيراً إلى أن المصلحة شهدت تطوراً ملحوظاً في عدد من الجوانب، من بينها إعادة تنظيم العمل الإداري، وتطوير الإجراءات، والانطلاق في تنفيذ مشروع التحول الرقمي، والعمل على بناء قاعدة بيانات ضريبية موحدة، إلى جانب تعزيز الرقابة وتحسين خدمات الممولين.
وأضاف أن هذه الخطوات تنسجم مع رؤية الدولة الرامية إلى تنويع مصادر الإيرادات وتعزيز الاستدامة المالية، مشيراً إلى أن الإيرادات الضريبية أصبحت تمثل المصدر الرئيسي للإيرادات العامة بعد النفط، وهو ما يعكس تنامي دور الإدارة الضريبية في دعم المالية العامة وتعبئة الإيرادات.
وأشار الزروق إلى أن ارتفاع الإيرادات الضريبية خلال الفترة الماضية يعود إلى مجموعة من العوامل، من أبرزها تحسن الأداء الإداري ورفع كفاءة التحصيل، والتوسع في أعمال الفحص والمراجعة، وتعزيز إجراءات المتابعة والرقابة، وزيادة مستوى الالتزام الضريبي لدى شريحة من المكلفين، إلى جانب تحسن النشاط الاقتصادي في بعض القطاعات.
وأكد أن الإمكانات المتاحة لزيادة الإيرادات لا تزال كبيرة، نظراً لوجود قاعدة اقتصادية لم يتم دمجها بالكامل ضمن المنظومة الضريبية، موضحاً أن المصلحة تعمل على معالجة ذلك خلال المرحلة المقبلة.
وقال إن الضرائب تلعب دوراً محورياً في بناء اقتصاد أكثر استدامة، باعتبارها مورداً مستقراً نسبياً مقارنة بالإيرادات النفطية التي تتأثر بالأسعار العالمية والظروف السياسية، مشيراً إلى أن ارتفاع كفاءة النظام الضريبي واتساع القاعدة الضريبية من شأنهما زيادة قدرة الدولة على تمويل الخدمات العامة ومشروعات التنمية دون الاعتماد الكامل على النفط.
وشدد الزروق على أن الهدف ليس زيادة الأعباء على المواطنين أو المستثمرين، وإنما تحقيق العدالة الضريبية وضمان مساهمة كل من يحقق دخلاً في تمويل النفقات العامة وفقاً للقانون والتشريعات النافذة.
وحول توسيع القاعدة الضريبية وإدخال الشركات والأنشطة الاقتصادية المختلفة ضمن المنظومة، خاصة القطاع الخاص والأجانب، أوضح الزروق أن سياسة المصلحة لا تقوم على رفع معدلات الضرائب، وإنما على توسيع القاعدة الضريبية وتحقيق العدالة بين جميع الممولين.
وأضاف أن المصلحة تعمل على استكمال بناء قاعدة بيانات ضريبية شاملة، وربط الجهات الحكومية ذات العلاقة لتبادل البيانات، وتحسين إجراءات التسجيل والحصر، وإدخال الأنشطة الاقتصادية غير المسجلة ضمن المنظومة، إلى جانب تعزيز متابعة الشركات الأجنبية العاملة داخل ليبيا للتأكد من التزامها بأحكام التشريعات الضريبية، وتقديم خدمات إلكترونية تسهل امتثال المكلفين.
وأكد أن الهدف هو أن يخضع الجميع للقانون بصورة عادلة ومتساوية.
وفيما يتعلق بالتهرب الضريبي، قال الزروق إن التهرب يمثل تحدياً موجوداً في معظم دول العالم، وليبيا ليست استثناء، إلا أن التعامل معه أصبح أكثر تنظيماً من السابق.
وأوضح أن المصلحة تعمل على مكافحة التهرب من خلال محورين متكاملين، يتمثل الأول في الوقاية ومنع عدم الامتثال عبر تطوير الخدمات الإلكترونية، وتبسيط الإجراءات، وتحسين إدارة المخاطر، والتوعية بحقوق وواجبات المكلفين.
وأضاف أن المحور الثاني يتمثل في الكشف والمعالجة من خلال الفحص الضريبي، والتحقق من البيانات، والتنسيق مع الجهات ذات العلاقة، واتخاذ الإجراءات القانونية بحق حالات التهرب التي يثبت وقوعها.
وأشار إلى أن هذه المنهجية تستهدف رفع مستوى الامتثال الطوعي باعتباره الوسيلة الأكثر فاعلية لتعبئة وزيادة الإيرادات.
وحول التشريعات الضريبية، أكد الزروق أنها تحتاج بصورة دورية إلى المراجعة لمواكبة التطورات الاقتصادية والتكنولوجية، موضحاً أن المصلحة تعمل بالتنسيق مع الجهات المختصة على مراجعة التشريعات والإجراءات بما يحقق تبسيط الإجراءات الضريبية، وتعزيز اليقين القانوني للمستثمرين، ودعم التحول الرقمي، ومواكبة المعايير الدولية في الإدارة الضريبية، وتعزيز العدالة الضريبية، وتطوير إجراءات المنازعات والتحصيل.
وأكد أن الهدف من هذه الإصلاحات هو بناء نظام ضريبي أكثر كفاءة ووضوحاً واستقراراً.
وبشأن مشروع التحول الرقمي، قال نائب رئيس مصلحة الضرائب إنه يعد أحد أهم المشروعات الاستراتيجية التي تنفذها المصلحة حالياً، مشيراً إلى أنه تم إنجاز مراحل مهمة من المشروع واستكمال بناء النظام، فيما يجري العمل حالياً على مرحلة النشر والتعميم، مع استكمال بقية المراحل وفق خطة تنفيذية معتمدة.
وأوضح أن المشروع يهدف إلى إنشاء منظومة ضريبية إلكترونية متكاملة تشمل التسجيل والإقرارات والسداد والخدمات الإلكترونية وإدارة الملفات الضريبية.
وأشار إلى أن المشروع من المتوقع أن يسهم في تبسيط الإجراءات وتقليل الوقت والجهد، وتحسين جودة البيانات، وتعزيز الشفافية والحوكمة، وإطلاق الرقم الضريبي الموحد، وتبادل البيانات مع المؤسسات ذات العلاقة، ودعم اتخاذ القرار من خلال قواعد بيانات دقيقة، إلى جانب رفع كفاءة التحصيل والحد من التهرب الضريبي وتحسين مستوى الخدمات المقدمة للممولين.
وعن خطط مصلحة الضرائب خلال المرحلة المقبلة، قال الزروق إن المصلحة تركز على تنفيذ برنامج إصلاح متكامل يقوم على عدة محاور رئيسية، من بينها استكمال مشروع التحول الرقمي، وبناء قاعدة بيانات ضريبية موحدة، وتوسيع القاعدة الضريبية ورفع معدلات الامتثال الطوعي، وتطوير التشريعات والإجراءات.
وأضاف أن الخطط تشمل كذلك تطوير وتحديث الهيكل التنظيمي للمصلحة، ورفع كفاءة الكوادر البشرية من خلال التدريب والتأهيل، وتعزيز استخدام إدارة المخاطر والتحليل الذكي للبيانات، وتطوير الخدمات الإلكترونية بما يسهل على المكلفين أداء التزاماتهم.
وأكد الزروق أن نجاح الإدارة الضريبية لا يقاس فقط بحجم الإيرادات، وإنما أيضاً بمستوى العدالة والشفافية وجودة الخدمات والثقة المتبادلة مع المجتمع الضريبي.
The post شبكة «عين ليبيا» تكشف كواليس أضخم «إصلاح ضريبي» في تاريخ البلاد appeared first on عين ليبيا | آخر أخبار ليبيا.
