تشهد ليبيا توسعاً متسارعاً في استخدام الدفع الإلكتروني، بالتزامن مع استمرار التحديات المرتبطة بالسيولة والائتمان والوساطة المصرفية، وهو ما يفتح نقاشاً واسعاً حول مدى قدرة التحول الرقمي على معالجة أزمة السيولة من جذورها، أو الاكتفاء بتغيير طريقة تداول الأموال داخل الاقتصاد.
وفي هذا السياق، قال رجل الأعمال حسني بي، في حديث لشبكة «عين ليبيا»، إن الطفرة في الدفع الإلكتروني تمثل حلاً مهماً لمشكلة تداول السيولة، لكنها ليست حلاً جذرياً للمشكلة النقدية الليبية، موضحاً أن الدفع الإلكتروني يقلل الحاجة لحمل الورق النقدي ويسرّع التسوية، لكنه لا يخفض عرض النقود بذاته ولا يعالج سبب خلق السيولة.
وأشار حسني بي إلى أنه في مارس 2026 بلغ عرض النقود M2 نحو 216.9 مليار دينار، بينما كان النقد خارج المصارف نحو 70.4 ملياراً فقط، أي نحو ثلث عرض النقود، معتبراً أن هذا يعني أن المشكلة ليست أن الاقتصاد كله «كاش»، بل أن الجهاز المصرفي نفسه يحمل سيولة ضخمة لا تتحول إلى تمويل منتج.
وأضاف أن صندوق النقد يؤكد وجود سيولة فائضة على مستوى النظام المصرفي مع تقييد فعلي لائتمان القطاع الخاص لتخفيف الضغط على النقد الأجنبي، مؤكداً أن الرقمنة تعالج وسيلة الدفع، بينما الأزمة الأعمق تتعلق بالثقة والوساطة المصرفية وإدارة السيولة والائتمان وسعر الصرف.
وفي ما يتعلق بضعف الاتصالات والمخاطر السيبرانية، أوضح حسني بي أن كلما اعتمد المواطن على الهاتف والبطاقة بدلاً من النقد، تتحول استمرارية الشبكة والأمن السيبراني إلى جزء من الأمن المالي للدولة.
وأكد أن المطلوب ليس تطبيقاً جيداً فقط، بل بنية مزدوجة ومتكررة Redundant Infrastructure، تشمل مراكز بيانات بديلة، وخطوط اتصالات من أكثر من مزود، وأنظمة نسخ احتياطي فوري، ومركز عمليات أمنية SOC يعمل على مدار الساعة، واختبارات اختراق دورية، وتشفيراً قوياً، ومصادقة متعددة العوامل، وخطط واضحة لاستمرارية الأعمال والتعافي من الكوارث.
وأشار إلى أن المركزي نفسه أقر بأن تحسين موثوقية البنية التحتية ما زال مطلوباً، كما ناقش في يوليو 2026 معالجة الانقطاعات ورفع كفاءة أنظمة الدفع.
وبشأن تأخر الأموال أو خصمها دون وصولها إلى المستفيد، شدد حسني بي على ضرورة التفريق بين RTGS وبين عمليات الأفراد والبطاقات، موضحاً أن RTGS مصمم أساساً للتسويات الإجمالية الفورية بين المؤسسات والمصارف، بينما تأخر عملية بطاقة أو تطبيق قد يحدث في طبقات أخرى: المصرف المصدر، المصرف المستحوذ، شركة الدفع، المحول الوطني أو عملية المطابقة Reconciliation.
ويرى أن الحل هو أن تصبح كل عملية لها رقم مرجعي واحد قابل للتتبع من لحظة الخصم إلى القيد النهائي، مع مهلة زمنية ملزمة: إما نجاح نهائي خلال ثوانٍ أو رد آلي للمبلغ، لا أن يبقى المال معلقاً أياماً.
ولفت إلى أن المركزي أعلن أن RTGS وحده نفذ معاملات بنحو 143 مليار دينار حتى يوليو 2026، ما يعني أن البنية موجودة؛ والتحدي الآن في التكامل بينها وبين أنظمة الدفع الفوري والبطاقات والتسوية لدى المصارف.
وعن عمولة 1%، قال حسني بي إنه يرى أن النسبة المئوية الموحدة ليست دائماً النموذج الأفضل، موضحاً أن 1% من شراء بقيمة 20 ديناراً شيء، و1% من تحويل تجاري بمليون دينار شيء آخر تماماً.
واقترح نموذجاً متدرجاً ومقيداً بسقف مالي، بحيث تكون هناك نسبة صغيرة للعمليات الصغيرة، ثم انخفاض تدريجي للنسبة مع ارتفاع القيمة، مع Maximum Fee للعملية الكبيرة، وتحويلات فورية منخفضة التكلفة أو مجانية للأفراد والمشروعات الصغيرة.
وأوضح أن المركزي نفسه خفض عمولات نقاط البيع سابقاً إلى 1% للغذاء والصحة و1.5% لبقية القطاعات، ثم وجّه لاحقاً إلى خفضها إلى أقل من 1% كحد أقصى، مؤكداً أن هدف السياسة يجب أن يكون أن يصبح الدفع الإلكتروني أرخص من التعامل بالكاش، لا ضريبة جديدة على الرقمنة.
وفي ما يتعلق بمدى امتصاص الدفع الإلكتروني للكتلة النقدية خارج المصارف، قال حسني بي إن ذلك لم يحدث بالمعنى النقدي الدقيق، موضحاً أنه إذا أودع المواطن 10,000 دينار نقداً وأصبحت في حسابه، فقد تحول شكل المال من Currency إلى Deposit، لكن M1 أو M2 لا ينخفض بالضرورة.
وأضاف أن النجاح الحقيقي هو أن يقل النقد المكتنز خارج المصارف وأن تزيد الودائع المستخدمة رسمياً، لكن أحدث الأرقام ما زالت تظهر نحو 70 مليار دينار من النقد خارج المصارف.
وفي المقابل، أشار إلى وجود سيولة مصرفية ضخمة لدى المركزي، بينما الائتمان للقطاع الخاص محدود، قائلاً إن سؤال ليبيا الحقيقي ليس فقط: كيف ندخل الكاش إلى البنك؟ بل: ماذا يفعل البنك بهذه الأموال بعد دخولها؟
وأكد أنه إذا انتهت الوديعة إلى رصيد خامد لدى المركزي ولم تتحول إلى تمويل مشروع أو مصنع أو تجارة منتجة، فنحن رقمنّا النقود ولم نُصلح الوساطة المالية.
وعن كيفية الوصول بالمخابز ومحطات الوقود وصغار الكسبة إلى منظومة الدفع الإلكتروني، حدد حسني بي ثلاثة أمور هي: الرخص والكلفة والبساطة.
وأوضح أن صاحب مخبز أو سيارة أجرة لا يحتاج إلى جهاز POS باهظ وعقد معقد، مشيراً إلى إمكانية استخدام QR، والمحفظة الإلكترونية، والدفع الفوري من هاتف إلى هاتف، وحسابات منخفضة المتطلبات لصغار الأنشطة، مع تسوية فورية وعمولة شبه صفرية.
كما شدد على ضرورة السماح لصاحب النشاط الصغير بفتح حساب مهني مبسط وربطه بالرقم الوطني والهاتف، بدلاً من دفعه إلى الاقتصاد غير الرسمي بكثرة الإجراءات.
وأشار إلى أن المركزي لديه اليوم مئات الآلاف من نقاط البيع وأكثر من خمسة ملايين بطاقة مفعلة، إضافة إلى محافظ إلكترونية مرخصة، معتبراً أن المرحلة المقبلة يجب أن تكون زيادة الاستخدام اليومي لا مجرد زيادة عدد البطاقات.
وفي ما يتعلق باختفاء فرق السعر بين الكاش والبطاقة، قال حسني بي إن ذلك يخفض تشوهاً سعرياً لكنه لا يعالج التضخم الكلي، موضحاً أنه عندما كانت السلعة بـ100 دينار نقداً و110 إلكترونياً، كان المواطن يدفع «ضريبة سيولة» غير رسمية، وأن اختفاء هذه الفجوة تحسن حقيقي في كفاءة السوق والقوة الشرائية.
لكنه أوضح أن التضخم الليبي الأوسع مصدره الإنفاق والسيولة وسعر الصرف والاستيراد والعرض المحلي، وليس طريقة الدفع وحدها.
ولمنع عودة الفجوة، يرى ضرورة ضمان ثلاثة أشياء: توافر نقد معقول عند الحاجة، وتسوية إلكترونية موثوقة وفورية، وعمولات منخفضة، محذراً من أنه إذا تعطلت الشبكة أو ارتفعت العمولة أو عاد نقص الكاش، سيعود سعران للسلعة نفسها.
وفي رؤيته لبناء منظومة رقمية متكاملة، قال حسني بي إن ليبيا يجب أن تنتقل من رقمنة الدفع إلى رقمنة النظام المالي، موضحاً أن ذلك يعني وجود محول وطني واحد قابل للتشغيل البيني، ودفع فوري 24/7، ومحافظ إلكترونية مفتوحة بين جميع المصارف، ومعيار موحد لـQR، وهوية رقمية وربط الرقم الوطني، وقواعد Open Banking وواجهات API آمنة، ونظام واضح لحماية البيانات وحل النزاعات، وتطوير AML/KYC رقمياً.
وأضاف أن المرحلة الأهم هي Open Finance، بحيث يستطيع المواطن ـ بموافقته ـ نقل بياناته المالية بين المصارف وشركات التكنولوجيا المالية للحصول على حساب أو تمويل أو تأمين أو خدمة استثمارية أفضل.
لكن حسني بي عاد إلى النقطة الأساسية، مؤكداً أنه لا ينبغي الخلط بين نجاح منظومة المدفوعات ونجاح السياسة النقدية، موضحاً أنه قد تمر تريليونات الدنانير إلكترونياً، بينما يظل الاقتصاد يعاني من فائض سيولة، وضعف ائتمان، وفجوة سعر صرف وتضخم.
وقال إن الدفع الإلكتروني يجعل النقود تتحرك بكفاءة؛ لكنه لا يحدد لماذا خُلقت، ولا إلى أين تذهب، ولا هل تمول إنتاجاً أم استهلاكاً ومضاربة.
واختتم حسني بي بالقول إن النجاح الحقيقي ليس أن يصبح الاقتصاد «بلا كاش» فقط، بل أن يصبح لدينا نظام مصرفي يأخذ المدخرات، يحميها، ويوجهها إلى الائتمان والاستثمار والإنتاج، مؤكداً أن هذا هو الجزء الذي ما زال القطاع المصرفي الليبي بحاجة إلى بنائه.هكذا صار خبر متصل ومسبوك وليس صيغة أسئلة وأجوبة، مع بقاء حديث حسني بي منسوباً إليه داخل السياق الصحفي.
The post شبكة «عين ليبيا» تكشف.. ماذا يحدث لأموال الليبيين بعد دخولها المصارف؟ appeared first on عين ليبيا | آخر أخبار ليبيا.

