Site icon bnlibya

شبكة «عين ليبيا» تكشف.. هل تحسن زيادة الرواتب معيشة الليبيين؟

تتصاعد في ليبيا الأسئلة حول قدرة جدول المرتبات الموحد، وما رافقه من زيادات وعلاوات وتسويات لمطالب المعلمين، على تحسين أوضاع الموظفين فعلياً في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع القوة الشرائية للدينار وضغوط الفجوة السعرية للعملة، وسط مخاوف من أن تتحول الزيادة في الأجور إلى موجة جديدة من التضخم إذا لم تستند إلى موارد مالية مستدامة.

وفي هذا السياق، يرى رجل الأعمال حسني بي، في تصريحات لشبكة «عين ليبيا»، أن معالجة أزمة الدخول لا تتوقف عند رفع قيمة المرتب، بل تتطلب إعادة هيكلة شاملة للإنفاق العام ومصادر تمويله، محذراً من أن استمرار تمويل العجز نقدياً وتراكم الالتزامات الحكومية يعيد إنتاج الأزمة ذاتها، بحيث تلتهم الأسعار أي زيادة جديدة في المرتبات.

وقال بي إن زيادة المرتبات بنسبة 10% قد تخفف مؤقتاً من تآكل الدخول، لكنها لا تعيد للمواطن ما فقده وما سوف يفقده من قوة شرائية إذا كان التضخم في خانة الرقمين، وواصلت فجوة سعر الصرف الموازي الضغط على الأسعار.

وأشار إلى أن الحكومة أعلنت فعلاً اعتماد جدول مرتبات موحد بزيادة 10% وتطبيقه مع مرتب أكتوبر، لكن المشكلة، بحسب رأيه، أن «الراتب الاسمي ليس هو الدخل الحقيقي، مثلما سعر الصرف الإداري لا يحقق توازناً».

وأوضح أنه إذا زاد الراتب 10% بينما ترتفع تكلفة الغذاء والسكن والنقل والدواء وسعر الدولار بوتيرة مشابهة أو أعلى، فقد يتحسن الرقم في كشف المرتب، ولا تتحسن في المقابل معيشة الأسرة.

وأكد بي أن معالجة القوة الشرائية لا تكون فقط برفع المرتبات، وإنما أولاً بإيقاف المصادر التي تجعل الأسعار ترتفع باستمرار.

وأشار إلى أن صندوق النقد يصف الوضع المالي الليبي بأنه غير مستدام، ويقدر فاتورة الأجور بحوالي 30% من الإنفاق العام، ودعم الطاقة والمحروقات وتكلفة الطاقة بنحو 40% من الإنفاق العام، ويربط العجز المالي الكبير مباشرة بالضغط على مزيد من انهيار سعر الصرف في السوق وتآكل الاحتياطيات والتضخم المفرط.

وقال بي إن السؤال لا ينبغي أن يكون فقط: «لماذا 10%؟»، وإنما: «كيف نمنع الـ10% من أن تتحول خلال أشهر إلى ارتفاع أسعار وفجوة سعرية توسعية وارتفاع إضافي في الطلب على الدولار والسلع، ثم تضخم جديد يلتهمها جميعاً؟».

تمويل الزيادة واستدامتها

وفي ما يتعلق بربط تطبيق جدول المرتبات الموحد بمرتب أكتوبر وتسوية مطالب المعلمين، قال بي إن القرارات جاءت بالتزامن مع إنهاء اعتصام المعلمين واستئناف الدراسة، وشملت جدول المرتبات، وعلاوة الحصة، وعلاوات المديرين، والعمل على التأمين الصحي وحصر فروقات سابقة، مؤكداً أن ذلك مثبت في الإعلان الرسمي.

وأضاف أن السؤال الحاسم من الناحية الاقتصادية ليس توقيت القرار، بل مصدر تمويله الدائم والمستدام، بما يحقق استقرار معدل عام للأسعار مع كبح جماح التضخم.

وأوضح أن أي زيادة دائمة في المرتبات يجب أن يقابلها واحد من ثلاثة أمور «لا رابع لها»، بحسب تعبيره: «إيراد دائم إضافي (مستحيل)، أو خفض دائم في بند آخر بالإنفاق العام (ممكن)، أو زيادة في العجز والانهيار للقيمة، ما لا يحقق جديداً حيث يتكرر منذ عام 1982».

وقال إنه إذا كان التمويل بالعجز ثم بالنقد الجديد، فإن الموظف قد يحصل اليوم على زيادة في راتبه، ويدفع ثمنها لاحقاً من خلال التضخم وتراجع قيمة الدينار ونمو الفجوة السعرية مع ارتفاع الطلب على الدولار.

وأكد بي: «لذلك أرى أن أي جدول مرتبات جديد يجب ألا يُعتمد منفصلاً عن إعادة هيكلة كاملة للموازنة، ومن أهم نقاط الاستبدال النقدي للمحروقات».

هل تؤدي زيادة المرتبات إلى التضخم؟

وحول ضخ أموال إضافية في المرتبات، قال بي إن «ليس كل رفع للمرتبات تضخمياً تلقائياً».

وأوضح أنه إذا موّلت الزيادة من إعادة توزيع إنفاق قائم، «مثلاً من الطاقة والمحروقات»، أو من وفر حقيقي، فقد يكون أثرها النقدي محدوداً.

أما إذا موّلت من عجز جديد أو خلق نقود جديدة، فإن الاقتصاد الليبي، وفقاً لرؤيته، وبسبب ضعف الإنتاج المحلي، يحول جزءاً كبيراً من الزيادة في الدخل إلى تضخم وطلب على الاستيراد والنقد الأجنبي، إضافة إلى نمو التهريب والمضاربة على العملة.

ووصف بي الحلقة التي يجب تجنبها بالقول: «مرتبات أعلى – سيولة وطلب أعلى – دولار وواردات أكثر – ضغط على سعر الصرف – أسعار أعلى – مطالبات جديدة بزيادة المرتبات».

وأضاف: «وهذه هي المشكلة التي يجب ألا نكررها».

وأكد أن الاقتصاد لا ينتظر القرار السياسي، موضحاً أن الحكومة تستطيع أن ترفع الأجر اسماً، لكنها لا تستطيع بقرار إداري أن ترفع كمية الغذاء والدواء والسكن والخدمات المتاحة بنفس النسبة.

الفروقات والعلاوات والتأمين الصحي

وفي ما يتعلق بمصير الفروقات المترتبة على القوانين السابقة والعلاوات والتأمين الصحي في ظل الضغوط التي تواجه المالية العامة، قال بي إن هذه «التزامات حقيقية ويجب احترام الحقوق القانونية»، لكنه شدد في الوقت نفسه على ضرورة حصر كلفتها بالكامل قبل تحويلها إلى التزام دائم.

وأشار إلى أن المشكلة في ليبيا تتمثل في أن النقاش غالباً ما يبدأ من كل استحقاق منفرد: «علاوة هنا، جدول هناك، دعم هناك، مشروع هناك».

وأضاف: «لكن حين تجمع كل الالتزامات يظهر أن المشكلة ليست في استحقاق واحد بل في حجم الدولة المالي كله».

وأوضح أن بيان مصرف ليبيا المركزي لعام 2025 أظهر إنفاقاً مسجلاً قدره نحو 136.8 مليار دينار.

وأضاف: «ومن خلال قراءة مجاميع الأرقام هناك إنفاق غير مسجل يتعدى 60 مليار دينار، إضافة إلى قيمة محروقات مكررة محلياً وقيمة غاز ليتعدى الإنفاق الحقيقي 250 مليار دينار».

وأشار إلى أن الإنفاق المسجل يتضمن 73.3 مليار دينار في الباب الأول للمرتبات، و34.5 ملياراً للدعم المعلن، موضحاً أن «غير المعلن يتعدى 80 ملياراً»، إضافة إلى 20 ملياراً للتنمية المعلنة، التي قال إن «غير المعلنة» منها تتجاوز 60 ملياراً.

وأوضح أن بيان المصرف المركزي نفسه ينبه إلى أن بعض الرواتب والتحويلات والعلاوات تظهر أيضاً في أبواب أخرى، وبالتالي فإن 73.3 مليار دينار ليست بالضرورة كامل العبء المرتبط بالأجور والتحويلات الاجتماعية.

وقال بي: «ولهذا أتحفظ على استخدام رقم 73 ملياراً باعتباره كل ما تدفعه الدولة للمرتبات دون قراءة بقية الأبواب مثل التموين والقيافة والإضافي والمكافآت والضمان الاجتماعي وغيرها من أبواب».

وأضاف أن الأرقام التي ينشرها مصرف ليبيا المركزي تعكس ما مر عبر الحسابات المسجلة لديه دون غيره من إنفاق، بينما يجب أن يشمل التقدير الاقتصادي الأوسع للإنفاق الفعلي كذلك الإنفاق خارج الأبواب التقليدية، وكلفة الوقود والطاقة المحلية والمستوردة، وبعض الإنفاق الموازي والتنمية في مختلف المناطق.

ومن هذه الزاوية، قال بي إنه يقدّر أن العبء الاقتصادي الحقيقي للإنفاق العام خلال السنوات الأخيرة أعلى بكثير من الرقم النقدي الظاهر في باب واحد أو كشف واحد، وقد يتجاوز 250 مليار دينار عند احتساب مختلف القنوات والكلف العينية.

وشدد في الوقت نفسه على أن هذا الرقم يجب تقديمه كتقدير اقتصادي شامل، لا باعتباره الرقم الرسمي المنشور من مصرف ليبيا المركزي.

توحيد جدول المرتبات والقوة الشرائية

وفي ما يتعلق بإلغاء اللوائح السابقة وتوحيد جدول المرتبات، رأى بي أن توحيد الجدول قد يعالج العدالة النسبية بين موظفي الدولة، لكنه لا يعالج وحده القوة الشرائية.

وأوضح أن هناك فرقاً بين «عدالة الأجور داخل القطاع العام» و«قيمة الأجر في السوق».

وقال: «قد يصبح موظفان متساويين في الراتب، لكن إذا انخفض الدينار وارتفعت الأسعار فقد يصبح الاثنان أفقر معاً».

وأشار إلى أن الحكومة أعلنت أن الهدف من الجدول هو معالجة التفاوت وتحقيق العدالة بين القطاعات، معتبراً أن هذا «هدف إداري مفهوم».

لكنه أكد أن حماية القوة الشرائية تحتاج إلى ضبط الإنفاق، واستقرار سعر الصرف عند مستوى قابل للاستمرار والاستدامة، ووقف التوسع النقدي غير المقابل بإنتاج، وزيادة العرض المحلي.

وقال: «جدول المرتبات يصلح علاقة الموظفين ببعضهم؛ السياسة الاقتصادية هي التي تصلح علاقة الراتب بالأسعار».

التسويات الأخيرة: حل اجتماعي أم معالجة مؤقتة؟

وفي تقييمه للتسويات الأخيرة واستئناف الدراسة، قال بي إنها «تستطيع حل نزاع اجتماعي عاجل، لكنها ليست في ذاتها حلاً للأزمة الاقتصادية».

وأضاف أن الحل الجذري، في رأيه، يبدأ من إعادة هيكلة الإنفاق العام نفسه.

وأوضح أن هناك اليوم ثلاثة بنود ضخمة تلتهم الجزء الأكبر من الموارد، هي: الأجور والتحويلات المرتبطة بها، ودعم الطاقة والمحروقات، والإنفاق التنموي والتشغيلي.

وأشار إلى أن صندوق النقد يقول بوضوح إن فاتورة الأجور ودعم الطاقة من بين الأعلى عالمياً، وإن ضبط المالية العامة هو المفتاح الرئيسي لاستعادة الاستقرار النقدي.

وقال بي إن أكبر فرصة للإصلاح موجودة في دعم الطاقة والمحروقات.

وشدد: «أنا لا أدعو إلى أخذ الدعم من المواطن، بل إلى تغيير طريقته: من دعم السعر إلى دعم الإنسان، لتحقيق الوفرة وتقليص الهدر والحد من التهريب».

وأوضح أنه إذا كانت الدولة تنفق عشرات المليارات على إبقاء الوقود والطاقة بأسعار بعيدة جداً عن التكلفة الاقتصادية، فإن المستفيد الأكبر ليس بالضرورة المواطن الأقل دخلاً، بل «من يستهلك أكثر، ومن يهرب، ومن يستطيع تحويل فرق السعر إلى ريع».

ولذلك، يرى بي أن جزءاً مهماً من إعادة هيكلة المالية العامة يجب أن يقوم على دفع تعويض نقدي مباشر للمواطن أولاً أو بالتزامن، ثم رفع الدعم السلعي تدريجياً أو بالكامل وفق برنامج واضح.

وقال إن هذا المسار يسمح بتحقيق ثلاثة أهداف في الوقت نفسه: «حماية دخل المواطن، خفض الهدر والتهريب، وخفض العبء المالي على الدولة».

«نعالج النتائج بدل مصدر الاختلال»

ووصف بي ما اعتبرها «النقطة الأهم من كل الأسئلة»، قائلاً إن ليبيا «منذ عقود تحاول علاج نتائج الاختلال بدل علاجه من مصدره».

وأضاف أنه منذ الثمانينيات، كلما أصبح الإنفاق أكبر من الموارد المتاحة، ظهر الفرق في أحد أربعة أماكن: «خلق نقود جديدة، استنزاف الاحتياطيات، انخفاض الدينار، أو التضخم».

وقال: «ولا توجد طريقة خامسة سحرية».

وأوضح أن الحكومة تستطيع أن ترفع المرتب، ويمكن للمصرف المركزي أن يثبت سعر الصرف إدارياً، كما تستطيع الدولة أن تستمر في دعم الوقود، «لكن الحساب الاقتصادي في النهاية يُسوّى».

وأضاف: «إذا لم ندفع التكلفة في الموازنة، سندفعها في الاحتياطي. وإذا لم ندفعها في الاحتياطي، سندفعها في قيمة الدينار. وإذا دافعنا عن الدينار نقدياً، قد ندفعها في التضخم أو القيود أو السوق الموازية».

حزمة إصلاحات متكاملة

وعن الحلول التي يقترحها، قال بي إنه لا يرى أن الحل هو وقف زيادة المرتبات وحدها، ولا رفع سعر الصرف وحده، ولا رفع الدعم وحده.

وأضاف: «المطلوب حزمة واحدة»، تتضمن إعادة هيكلة الإنفاق العام، وربط أي زيادة دائمة في الأجور بإيراد أو وفر دائم، ووقف التمويل النقدي للعجز.

كما تشمل، بحسب بي، معالجة فجوة سعر الصرف بدلاً من الدفاع عن سعر إداري غير قابل للاستمرار، واستبدال دعم الطاقة والوقود بدعم نقدي مباشر للمواطن، ومراجعة الإنفاق التنموي وربطه بمشروعات قابلة للقياس والعائد.

ودعا كذلك إلى نشر حساب مالي موحد يبين كل الإنفاق، وليس فقط ما يمر في باب أو جهة واحدة، إضافة إلى عدم تحويل ارتفاع أسعار النفط المؤقت إلى التزامات جارية دائمة.

وفي ختام حديثه، قال بي إنه «يفهم تماماً لماذا يطالب الموظف بزيادة راتبه؛ فقد تآكلت قوته الشرائية».

لكنه رأى أن المشكلة تكمن في أن رفع الرقم في كشف المرتب لا يعالج السبب الذي أفقر الراتب.

وأضاف: «إذا بقي الإنفاق العام أكبر من قدرة الاقتصاد على تحمله، وبقي جزء من العجز يمول نقدياً، وبقيت فجوات سعر الصرف والدعم قائمة، فسوف نعود بعد سنة أو سنتين إلى المطالبة بزيادة جديدة».

وختم بالقول: «الاقتصاد لا ينتظر القرار السياسي ولا يحترم التمنيات».

وأكد أن الإصلاح الحقيقي ليس أن تُعطى للمواطن دنانير أكثر فقط، وإنما أن تُحافظ الدولة على قيمة ما تعطيه له.

وقال إن أهم قرار اليوم، في رأيه، ليس جدول مرتبات جديداً بحد ذاته، وإنما «إعادة تصميم الموازنة كلها: ماذا ندعم؟ من ندعم؟ ماذا ننفق؟ وكيف نمول هذا الإنفاق دون أن ندفع المواطن الثمن لاحقاً من قوته الشرائية؟».

The post شبكة «عين ليبيا» تكشف.. هل تحسن زيادة الرواتب معيشة الليبيين؟ appeared first on عين ليبيا | آخر أخبار ليبيا.

Exit mobile version