شهادة وفاة المبادرة الإماراتية – الأمريكية في ليبيا

0
3

كيف صنعت هندسة السلطة أسباب فشلها؟

عاد صدام حفتر من أنقرة بخفي حنين، ثم اتجه إلى القاهرة، التي شهدت علاقته بها خلال الأشهر الماضية توتراً متصاعداً، بعد سنوات كانت فيها مصر أحد أهم الداعمين للمنظومة العسكرية التي أسسها والده في شرق ليبيا. وبعد أيام، صدر قرار مجلس الأمن رقم 2835 في الثلاثين من أكتوبر، مجدداً ولاية بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا حتى نهاية أكتوبر 2027، ومؤكداً استمرار العملية السياسية تحت المظلة الأممية.

في العودة من أنقرة أقرأ تعثر محاولة استكمال الترتيبات التي قام عليها المشروع الإماراتي-الأمريكي، وفي قرار مجلس الأمن أرى شهادة وفاته السياسية بصيغته الأصلية. فقد حمل المشروع منذ تأسيسه تناقضات أخذت تتراكم مع كل خطوة نحو تنفيذه، حتى أصبحت الأدوات التي أُعدت لإنجاحه جزءاً من أسباب تعثره.

الهدف أمريكي والهندسة إماراتية

نشأت المبادرة في سياق رغبة أمريكية في الانفراد بإدارة الملف الليبي، وإخضاع مسار التسوية السياسية لنفوذ واشنطن المباشر، بما يتيح لها التحكم في القرار الليبي وتوظيف الموقع الجيوستراتيجي للبلاد ومواردها ضمن مصالحها الإقليمية والدولية. فليبيا تحتل موقعاً يربط شمال أفريقيا بعمق القارة، وتشرف على وسط البحر المتوسط، وتمتلك موارد نفطية وغازية تجعل التأثير في قرارها السياسي أداة نفوذ تتجاوز حدودها الجغرافية، خصوصاً في ظل التنافس الدولي على الطاقة والممرات البحرية والنفوذ في أفريقيا والمتوسط.

وكان الانفراد بإدارة التسوية يتطلب تجاوز التوازنات التي تحكم الملف داخل المؤسسات الدولية. فالولايات المتحدة، رغم عضويتها الدائمة في مجلس الأمن وامتلاكها حق النقض، لا تستطيع الانفراد بصناعة قراراته، حيث تتقاطع مصالح القوى الدائمة العضوية والدول المنتخبة، وتفرض عملية التفاوض قيوداً على قدرة أي طرف على تحديد النتائج منفرداً. ومن هنا جاءت الحاجة إلى صياغة ترتيب سياسي خارج هذه الآليات، تُنجز التفاهمات بشأنه مسبقاً، ثم يُقدم إلى المؤسسات الدولية باعتباره واقعاً يحتاج إلى الاعتماد والتثبيت.

وكانت أبوظبي قد قرأت مبكراً توجهات الإدارة الأمريكية نحو الانفراد بإدارة الملف الليبي، ورأت فيها فرصة لإعادة توظيف النفوذ الذي بنته على مدى سنوات داخل أطراف الصراع. فقد استثمرت الإمارات طويلاً في علاقاتها السياسية والعسكرية والاقتصادية مع مراكز القوة الليبية، وأصبح الحفاظ على هذه الشبكة وتعزيز موقعها داخل السلطة المقبلة جزءاً من حساباتها الإقليمية. ومن هذا المنطلق عملت على إعداد صيغة لتقاسم السلطة تحقق المصالح الأمريكية في الإمساك بالقرار الليبي، وتضمن في الوقت نفسه استمرار النفوذ الإماراتي وتوسيع قدرته على التأثير في التوازنات الإقليمية.

وبذلك كان المشروع أمريكياً في غايته الاستراتيجية، إماراتياً في هندسته السياسية، وليبياً في أدوات تنفيذه.

من أبوظبي إلى واشنطن

لم تبدأ الهندسة الإماراتية من فراغ. فقد سبقتها تحولات في العلاقة بين منظومتي السلطة في شرق ليبيا وغربها، انتقلت خلالها المصالح المشتركة تدريجياً من إدارة بعض الملفات الاقتصادية إلى البحث عن ترتيبات سياسية تضمن استمرار النفوذ وتقاسم الموارد. وكانت أبوظبي قد استضافت في صيف 2022 اتصالات بين ممثلين عن العائلتين، في مرحلة بدأت فيها التفاهمات الاقتصادية تفتح مسارات للتعاون لم تكن متاحة خلال سنوات الحرب، ثم أخذت هذه الاتصالات طابعاً أكثر تنظيماً مع تنامي دور صدام حفتر وإبراهيم علي الدبيبة في إدارة العلاقات والملفات المشتركة.

وقد وجدت الإمارات في هذا التقارب فرصة لبناء صيغة سياسية تستند إلى مراكز قوة قائمة، بدلاً من الدخول في عملية تفاوض واسعة يصعب التحكم في نتائجها. وكان محمد بن زايد يمثل مركز الثقل في هذا المسار، بما يمتلكه من علاقات مباشرة مع القيادات الليبية، وقدرة على توظيف النفوذ السياسي والاقتصادي والأمني الإماراتي في تقريب المواقف وإعادة ترتيب المصالح.

وفي يناير 2026، التقى مسعد بولس محمد بن زايد في أبوظبي، في محطة اكتسبت أهمية ضمن تطور العلاقات التي أحاطت بالمبادرة. وكانت التفاهمات المتعلقة بالميزانية وإدارة الموارد قد وفرت أرضية يمكن البناء عليها سياسياً، إذ أظهرت أن الأطراف التي تعجز عن الاتفاق على شكل الدولة تستطيع الوصول إلى تفاهمات عندما يتعلق الأمر بتوزيع المصالح.

وعملت أبوظبي على تحويل هذه التفاهمات إلى ترتيب لتوزيع السلطة بين صدام حفتر وعائلة الدبيبة وحلفائها، ثم تسويقه عبر مسعد بولس في الأروقة الأمريكية باعتباره مدخلاً لتوحيد المؤسسات وإنهاء الانقسام. وتقوم الصيغة التي جرى تداولها في التفاهمات المغلقة على تولي صدام حفتر رئاسة المجلس الرئاسي، مقابل إسناد رئاسة الحكومة إلى إبراهيم علي الدبيبة.

وكانت هندسة المبادرة تقوم على اختزال مراكز القرار في شبكة محدودة من الشركاء القادرين على ضمان تنفيذ التفاهمات وإدارة الموارد، مع تقليص نفوذ المؤسسات والقوى التي تقع خارج هذا الترتيب.

صناعة القيادة وحدود السيطرة عليها

لم يكن الاستثمار في صدام حفتر مقتصراً على دعمه داخل المنظومة العسكرية التي ورث نفوذه منها. فقد فُتحت أمامه خلال فترة قصيرة قنوات اتصال عسكرية ودبلوماسية واسعة، وأُتيح له بناء علاقات مباشرة مع عواصم وقوى دولية، بما ساهم في نقله تدريجياً من موقع القائد العسكري داخل منظومة والده إلى موقع المرشح لقيادة سياسية أوسع.

وقد اجتمعت فيه خصائص جعلته مناسباً للاستثمار السياسي، من بينها الحماسة والاندفاع والطموح إلى تجاوز موقعه العسكري، إلى جانب محدودية تجربته السياسية المستقلة مقارنة ببعض أشقائه. وكان صعوده السريع، واعتماده على شبكات العلاقات التي ساهمت في تقديمه إلى العواصم الدولية، يتيح للجهات الداعمة فرصة للتأثير في خياراته وتوجيه مساره السياسي.

وتحضر هنا تجربة لورنس العرب مع الأمير فيصل بن الحسين، بوصفها مثالاً تاريخياً على دور القوى الخارجية في إعداد قيادات محلية وتوسيع نفوذها بما يخدم أهدافاً استراتيجية تتجاوز حدود تلك القيادات. غير أن الاستثمار في صعود قيادة محلية لا يضمن استمرار السيطرة على خياراتها، كما لا يضمن بقاء الظروف التي سمحت بصعودها.

وقد أظهرت التجربة الهاشمية لاحقاً حدود هذا الاستثمار. فقد فقدت الأسرة حكم الحجاز، ثم انتهى حكمها في العراق سنة 1958، ولم يبق من امتدادها الملكي سوى المملكة الأردنية، التي جعلتها محدودية مواردها وأعباؤها الجيوسياسية أقرب إلى دولة تؤدي وظيفة الحارس للتوازنات الإقليمية القائمة.

فالتحالف الذي يتيح صعود قيادة محلية لا يضمن استمرار تطابق مصالحها مع مصالح الجهات التي ساهمت في إعدادها. وكلما اتسع نفوذ هذه القيادة، ازدادت قدرتها على بناء علاقات مستقلة والبحث عن خيارات جديدة، وقد تتجاوز بذلك التوازنات التي قامت عليها عملية صعودها.

وكانت هذه المفارقة أحد التناقضات التي بدأت تظهر لاحقاً في علاقات صدام الإقليمية، وفي محاولته توسيع هامش حركته السياسية خارج الترتيبات التي أحاطت بالمشروع منذ بدايته.

تقليص الأطراف وإعادة تشكيل مراكز النفوذ

قامت الهندسة الإماراتية على تقليص عدد الأطراف القادرة على التأثير في المشروع، سواء خلال تأسيسه أو بعد نجاحه. فكل مركز قرار مستقل، وكل مؤسسة تمتلك صلاحيات رقابية، وكل قوة مسلحة خارج التفاهم، كانت تمثل احتمالاً للاعتراض أو التعطيل.

وامتد هذا التوجه إلى داخل المنظومة التي كان يفترض أن يستند إليها المشروع، بما في ذلك إعادة ترتيب مراكز النفوذ بين أفراد عائلة حفتر نفسها. فتصعيد صدام إلى رأس السلطة كان يقتضي تركيز القرار في يده، وتقليص قدرة بقية المراكز العائلية والعسكرية على التأثير المستقل.

وفي هذا السياق يمكن قراءة الصراع حول المؤسسات الرقابية، ومحاولات إعادة ترتيب اختصاصاتها، والتنافس بين هيئة الرقابة الإدارية وديوان المحاسبة والهيئة الوطنية لمكافحة الفساد. فتركيز الصلاحيات في عدد أقل من المؤسسات يحد من تعدد مراكز الاعتراض، ويجعل إدارة السلطة أكثر سهولة بالنسبة إلى الأطراف التي تتحكم فيها، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالرقابة على الإنفاق العام وتوزيع الموارد.

لكن النفوذ في ليبيا لا يستمد وجوده من المناصب الرسمية وحدها. إنه موزع بين المؤسسات والسلاح والمال والعلاقات الاجتماعية والامتدادات الإقليمية. وقد امتدت مقاومة المشروع إلى تكتلات اجتماعية وجهوية وقوى مسلحة في غرب البلاد وجدت نفسها خارج الترتيب المقترح، واحتفظت بقدرتها على التأثير في مساره، وكانت لهذه القوى حساباتها ومصالحها الخاصة، شأنها شأن المؤسسات والأطراف السياسية التي عارضت المشروع.

لقد حاول مهندسو المبادرة تقليل عوامل الخطر بتقليص عدد المشاركين، لكنهم ساهموا بذلك في توسيع دائرة المعارضين. فالدولة لا تُبنى بجمع المتشابهين، بل بتنظيم المختلفين.

إقصاء عقيلة صالح واختلال التوازن المصري

سبق أن تناولت إقصاء عقيلة صالح في مقال بعنوان “من القائد العام إلى الحاكم العام”، واعتبرته خطوة في مسار نقل مركز القرار السياسي في شرق ليبيا من المؤسسات القائمة إلى الدائرة العسكرية العائلية. فالمسألة تجاوزت الخلاف على رئاسة مجلس النواب إلى إعادة ترتيب السلطة بما يسمح بانتقال النفوذ العسكري إلى موقع القيادة السياسية.

وكان عقيلة صالح يمثل، إلى جانب موقعه المؤسسي، أحد مراكز التوازن التي تشكلت حولها العلاقة المصرية مع شرق ليبيا. ولهذا مس إقصاؤه السياسي التوازن الذي قامت عليه العلاقة بين القاهرة ومعسكر الشرق خلال السنوات الماضية، ثم جاء التقارب مع تركيا، بما حمله من تفاهمات تتعلق بالاتفاقية البحرية والتعاون العسكري، ليزيد حساسية الموقف المصري.

فالقاهرة التي تعاملت مع شرق ليبيا باعتباره مجالاً حيوياً لأمنها ونفوذها الإقليمي، وجدت نفسها أمام تحولات تجري داخل المنظومة التي دعمتها، وقد تمس مصالحها في شرق المتوسط وتعيد ترتيب علاقتها مع أنقرة. وقد عكست السجالات الإعلامية المصرية بشأن هذه التطورات حجم التوتر الذي بلغته العلاقة.

وهكذا تحول نقل مركز القرار في شرق ليبيا إلى عامل اضطراب في العلاقات الإقليمية التي استندت إليها تلك السلطة طوال سنوات، بعدما أصبح صعود القيادة الجديدة مرتبطاً بتفاهمات تتجاوز بعض التوازنات التي ساهمت في بناء نفوذها.

بريطانيا ومعركة السيطرة على الملف الليبي

امتدت مقاومة المشروع إلى المستوى الدولي، حيث ظهرت بريطانيا بوصفها طرفاً معنياً بالحفاظ على موقعه في إدارة الملف الليبي. ولندن علاقة تاريخية بتأسيس الدولة الليبية الحديثة، كما أنها تتولى دور حامل القلم بشأن ليبيا في مجلس الأمن، وهو موقع يمنحها تأثيراً في صياغة القرارات المتعلقة بالملف.

وفي الثاني والعشرين من مايو 2026، نشر السفير البريطاني لدى ليبيا مارتن رينولدز مقالاً في صحيفة “الشرق الأوسط” بعنوان “ليبيا على أعتاب التغيير… لكن نجاحه مرهون بالتعاون”. وقد جاء المقال في مرحلة كانت فيها التفاهمات السياسية المرتبطة بالمبادرة الإماراتية-الأمريكية تتقدم، وحمل في تقديري رسالة سياسية تتجاوز التأكيد الدبلوماسي المعتاد على دعم العملية الأممية.

فقد حرص السفير على التذكير بموقع بلاده بوصفها حاملة القلم في مجلس الأمن بشأن ليبيا، ودعا إلى تعزيز الدعم الدولي لبعثة الأمم المتحدة، مع الإقرار بوجود مبادرات أخرى يمكن أن تساهم في تحقيق تقدم سياسي واقتصادي. كما ربط نجاح أي تحول سياسي بإصلاح المؤسسات ومكافحة الفساد وتعزيز الشفافية، وأبرز المصالح البريطانية والأوروبية المرتبطة بالطاقة والهجرة وأمن الحدود.

ولم يكن هذا الطرح معزولاً عن التنافس على إدارة الملف الليبي. فقد جاء في وقت كانت فيه واشنطن تسعى إلى نقل مركز التفاهمات السياسية نحو الإدارة الأمريكية، بينما أكدت لندن أن التسوية تحتاج إلى تعاون الليبيين وشركائهم الدوليين، وأن المرجعية الأممية تظل الإطار الذي تتقاطع داخله هذه الجهود.

وقد قرأت المقال حينها باعتباره إعلاناً بريطانياً مبكراً عن خطوط حمراء في مواجهة محاولة الانفراد الأمريكي بالتسوية. فالتأكيد على موقع بريطانيا في مجلس الأمن، وعلى ضرورة التعاون الدولي ودعم الأمم المتحدة، حمل رسالة بأن إعادة ترتيب السلطة الليبية لا يمكن أن تتم بتجاوز التوازنات الدولية القائمة.

ومن هذا المنطلق يمكن فهم تقاطع المواقف البريطانية مع مواقف المجلس الرئاسي وبعض المؤسسات السيادية والرقابية التي عارضت إعادة ترتيب السلطة وفق الصيغة المقترحة. فهذه المؤسسات لم تكن خارج شبكات النفوذ الدولي، بل ارتبط بعضها بعلاقات وتفاهمات تقاطعت مع المصالح البريطانية في الحفاظ على المرجعية الأممية.

وكانت المواجهة تدور بين مراكز نفوذ متنافسة، لكل منها امتداداته المحلية والدولية، وتسعى إلى الاحتفاظ بموقعها في إدارة الأزمة الليبية. ومع اتساع دائرة الاعتراض، أصبح المشروع مطالباً بالتعامل مع مؤسسات وقوى محلية وحسابات إقليمية وتوازنات دولية، رغم أن هندسته الأصلية قامت على اختزال هذه الأطراف والحد من قدرتها على التأثير.

أنقرة والعودة بخفي حنين

جاءت زيارة صدام حفتر الأخيرة إلى تركيا في مرحلة كانت فيها الترتيبات السياسية التي يقوم عليها المشروع بحاجة إلى حسم، بعد أشهر من الاتصالات والتفاهمات الإقليمية. فقد سبقتها خطوات تقارب سياسي وعسكري مع أنقرة في ملفات كانت حتى وقت قريب من أبرز نقاط الخلاف بين تركيا ومعسكر شرق ليبيا، وكان الرهان على تحويل هذا التقارب إلى دعم تركي يساعد على استكمال ترتيبات السلطة وتسريع تنفيذها.

لكن الطريق إلى أنقرة حمل كلفة سياسية متزايدة. ففي العشرين من أكتوبر، أقر مجلس النواب في شرق ليبيا الاتفاقية البحرية الموقعة مع تركيا سنة 2019، متراجعاً عن موقفه السابق منها. وبعد ستة أيام، أعلنت مصر واليونان وقبرص والبحرين والإمارات والاتحاد الأوروبي، في موقف مشترك، استمرار اعتراضها على الاتفاقية، باعتبارها تمس الحقوق البحرية لأطراف أخرى.

وكان الموقف الإماراتي بالغ الدلالة. فالدولة التي تولت هندسة الترتيب السياسي الذي يستهدف تصعيد صدام، وجدت نفسها ضمن الأطراف المعارضة لإحدى الخطوات التي اتخذها في سياق البحث عن دعم تركي. كما أن الاتفاقية تمس توازنات أوسع في شرق المتوسط، تتداخل فيها المصالح الأوروبية والتركية والمصرية والإسرائيلية، وإن اختلفت طبيعة مصالح كل طرف وموقفه من الترسيم البحري.

لقد سعى صدام إلى توسيع خياراته الإقليمية، لكنه ربما تجاوز بذلك الحدود التي كان بعض حلفائه مستعداً لقبولها، دون أن يحصل في المقابل على الضمانات التي كان يبحث عنها في أنقرة. وكان عامل الوقت يزيد الموقف تعقيداً، مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي الأمريكية في الثالث من نوفمبر، واحتمال فقدان الجمهوريين أغلبيتهم في مجلس النواب، بما قد يعزز الرقابة البرلمانية على إدارة ترامب ويزيد صعوبة استمرار بعض الترتيبات السياسية التي تعتمد على الدعم المباشر من الدائرة الرئاسية.

وفي ظل ما أثير من شبهات تضارب المصالح والتربح داخل دوائر قريبة من الإدارة، أصبح احتمال تغير البيئة السياسية الأمريكية عاملاً إضافياً في حسابات الأطراف المستفيدة من المبادرة. ولهذا كان استكمال التفاهم التركي يمثل فرصة مهمة لإنجاز الترتيبات قبل احتمال تغير الظروف التي سمحت للمشروع بالتقدم.

لكن صدام عاد من أنقرة دون إعلان تفاهم سياسي يفتح الطريق أمام تنفيذ الصيغة التي جرى العمل عليها. فقد توسعت علاقاته التركية، لكن التوسع في العلاقات لم يتحول إلى الضمانة السياسية التي كان المشروع يحتاج إليها في تلك اللحظة.

عاد صدام من أنقرة بخفي حنين، ثم اتجه إلى القاهرة، محاولاً إعادة فتح قنوات مع الطرف الذي كانت خطواته السابقة قد ساهمت في توتير العلاقة معه. لقد أصبح المشروع مضطراً إلى العودة إلى أطراف كان يعتقد أنه يستطيع تجاوز اعتراضاتها، في وقت بدأت فيه فرص استكمال ترتيباته تضيق.

مجلس الأمن وشهادة الوفاة

ثم صدر قرار مجلس الأمن رقم 2835 في الثلاثين من أكتوبر 2026، مجدداً ولاية بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا حتى نهاية أكتوبر 2027. وجاء القرار بعد مفاوضات عكست حجم التباين بين أعضاء المجلس بشأن طبيعة التسوية السياسية، وتوحيد المؤسسات، وتشكيل سلطة تنفيذية واحدة، وحدود التدخل الدولي في تحديد مسار العملية السياسية.

وقد أعاد تثبيت المرجعية الأممية، دون منح غطاء دولي لترتيب السلطة بين العائلتين، أو نقل إدارة التسوية إلى واشنطن منفردة. فالمشروع الذي سعى إلى اختزال السلطة في تفاهم بين مراكز قوة محددة، وإعادة توجيه القرار الليبي نحو مرجعية أمريكية منفردة، انتهى إلى إطار دولي متعدد الأطراف لا يستطيع وحده تحديد نتائجه.

ولم يكن القرار مجرد تجديد إداري لولاية البعثة الأممية. فقد جاء في لحظة كانت فيها المبادرة الإماراتية-الأمريكية قد فقدت قدرتها على استكمال الترتيب السياسي الذي قامت عليه، بعد اتساع الاعتراضات المحلية وتبدل حسابات الشركاء الإقليميين وظهور حدود القدرة الأمريكية على تجاوز التوازنات الدولية.

ومن هنا أقرأ القرار باعتباره شهادة الوفاة السياسية للصيغة الأصلية للمبادرة. فقد أعاد تثبيت الإطار الذي حاول المشروع تجاوزه، وأبقى التسوية الليبية داخل مسار لا تستطيع واشنطن احتكار نتائجه، بينما لم تعد التفاهمات التي جرى إعدادها بين العائلتين قادرة على فرض نفسها باعتبارها الطريق الوحيد لتوحيد السلطة.

ومع ذلك، واصل مسعد بولس الحديث عن استمرار المبادرة الأمريكية، وعن توحيد المؤسسات والسلطة التنفيذية، وهي الأهداف العامة نفسها التي ظل يعلنها طوال فترة التفاوض، دون الكشف عن الصيغة التفصيلية التي سعى إلى تنفيذها.

وقد أتاح له الفصل بين التفاهمات المغلقة والخطاب العلني هامشاً سياسياً أوسع من قدرته الفعلية على ضمان تنفيذ المشروع. فلو أُعلنت ترتيبات توزيع السلطة بين صدام حفتر وعائلة الدبيبة وحلفائها بوصفها جوهر المبادرة، لأصبح نجاحها أو فشلها مرتبطاً بمصير تلك الترتيبات. أما إبقاء المبادرة تحت عنوان توحيد المؤسسات وإنهاء الانقسام، فقد ترك الباب مفتوحاً لتغيير الشخصيات والتفاهمات دون الاضطرار إلى إعلان التخلي عنها.

كان بولس يراهن على النفوذ الأمريكي وقدرته على تغيير مواقف الأطراف وإعادة ترتيب التحالفات، لكنه احتفظ لنفسه وللإدارة التي يمثلها بمخرج سياسي إذا لم تتحول هذه القدرة إلى النتائج التي كان ينتظرها. ومع تعثر الهندسة الأصلية، أصبح استمرار المبادرة في الخطاب أقل دلالة على بقائها بصيغتها الأولى، وأكثر ارتباطاً بمحاولة الاحتفاظ بالموقع السياسي الذي أتاحته.

وقد تستمر واشنطن في الحديث عن مبادرتها، وربما تعيد تقديمها بأسماء وترتيبات مختلفة، لكن ذلك لن يغير من حقيقة أن الهندسة التي قامت عليها قد استنفدت قدرتها على إنتاج النتيجة التي صُممت من أجلها.

أما بريطانيا، فقد خرجت من هذه المواجهة بمكسب دبلوماسي تمثل في الحفاظ على المرجعية الأممية التي سعت واشنطن إلى تجاوز آلياتها التفاوضية. ولم يكن هذا المكسب انتصاراً لبناء الدولة الليبية، بل إعادة تثبيت لتوازن دولي في إدارة أزمتها.

فشل المشروع وبقاء الأزمة

لم تفشل المبادرة الإماراتية-الأمريكية بسبب نقص الدعم أو الموارد أو العلاقات الدولية، وإنما بسبب الطريقة التي صُممت بها، والافتراضات التي قامت عليها. فقد اعتقد مهندسوها أن الاتفاق بين عدد محدود من مراكز النفوذ يكفي لإنتاج سلطة مستقرة، وأن الأطراف المستبعدة ستفقد قدرتها على التأثير بمجرد إبعادها عن الترتيب.

لكن هندسة السلطة لا تعني التحكم في جميع مراكز القوة، والاستثمار في إعداد قيادة محلية لا يضمن استمرار توافق قراراتها مع مصالح الجهات التي ساهمت في صعودها. وقد تضافرت هذه التناقضات مع مقاومة المؤسسات والقوى المسلحة المستبعدة، واختلال التوازنات الإقليمية، والمنافسة الدولية على إدارة الملف، حتى فقد المشروع قدرته على فرض صيغته الأصلية.

ومع ذلك، فإن العودة إلى الأمم المتحدة لا تعالج الخلل الذي جعل مثل هذا المشروع ممكناً. فالمسارات الأممية نفسها ظلت، خلال سنوات طويلة، منشغلة بإدارة التوازنات بين النخب أكثر من انشغالها بإعادة بناء العلاقة بين المجتمع والدولة.

وعندما تتفق هذه النخب تُدار الموارد، وعندما تختلف يُدار الصراع. أما المجتمع، فيبقى خارج المعادلة التي تحدد شكل السلطة ومستقبل الدولة.

فالأزمة لا تستمر بسبب غياب المبادرات أو نقص الحلول، بل بسبب بنية سياسية واقتصادية وأمنية تعيد إنتاج الصراع، وتسمح لكل مشروع جديد بأن يقدم نفسه مخرجاً، بينما يعيد ترتيب الأطراف داخل المشكلة ذاتها.

لقد فشلت محاولة احتكار إدارة الأزمة، لكن الأزمة لم تُحل. وقد يتغير الوسطاء، وتتبدل التحالفات، وتظهر مبادرات جديدة، وربما تنجح إحداها في إنتاج سلطة تنفيذية موحدة، لكن ذلك لن يكون كافياً ما لم تتغير القواعد التي تحكم العلاقة بين السلطة والسلاح والموارد والمجتمع.

فالاستقرار القائم على تفاهم النخب قد يحقق قدراً من الهدوء، لكنه لا ينتج بالضرورة دولة.

الاستقرار قد يتحقق… لكن بدون دولة.

وإذا كان قرار مجلس الأمن قد وضع حداً لمحاولة احتكار التسوية الليبية، فإن السؤال الذي ينبغي طرحه اليوم ليس من انتصر ومن خسر، وإنما ما إذا كانت المحاولة المقبلة ستنظم الاختلاف داخل الدولة، أم ستعيد إنتاج الأزمة تحت اسم جديد.

The post شهادة وفاة المبادرة الإماراتية – الأمريكية في ليبيا appeared first on عين ليبيا | آخر أخبار ليبيا.