صراع المؤسسات والقرارات.. أين تذهب إيرادات النفط وكيف يمكن إنقاذ «الدينار الليبي»؟

0
5

تثير الإيرادات النفطية في ليبيا تساؤلات بشأن آليات احتسابها وتحويلها، في ظل اختلاف الأرقام المعلنة من المؤسسة الوطنية للنفط ومصرف ليبيا المركزي، والجدل حول خصم تكاليف توريد المحروقات قبل تحويل الإيرادات، كما يتجدد النقاش بشأن إدارة الموارد النفطية، وتكلفة دعم الوقود، وسعر الصرف، وضرورة توحيد البيانات المالية بما يتيح تحديد صافي النقد الأجنبي المتاح لتمويل الإنفاق العام.

وفي هذا السياق، تناول رجل الأعمال حسني بي، في تصريح لشبكة «عين ليبيا»، ما وصفه بـ«الحقيقة الاقتصادية الكاملة»، مؤكداً أن فهم الإيرادات النفطية لا يقتصر على متابعة السجال بين المؤسستين، بل يتطلب كشف دورة الإيراد كاملة، من الإنتاج والتصدير إلى احتساب التكاليف والخصومات وتحديد المبالغ المتاحة فعلياً للخزانة العامة.

التضارب بين أرقام المؤسسة الوطنية للنفط والمصرف المركزي

يرى حسني بي أنه قبل الحديث عن «التضارب» في الأرقام، يجب توحيد تعريف الإيراد نفسه، موضحاً أن المؤسسة الوطنية للنفط تتحدث عن إجمالي المبالغ المحصّلة والمحوّلة إلى الحساب السيادي، في حين قد يعرض مصرف ليبيا المركزي صافي المبالغ التي وصلت إليه بعد التسويات والاقتطاعات.

وأوضح أن هذا الاختلاف ظهر في الخلاف الأخير، إذ قالت المؤسسة إن إجمالي المبالغ المحالة إلى الحساب السيادي تجاوز 1.23 مليار دولار حتى 13 أكتوبر، ثم أعلنت أن إجمالي ما حُوّل خلال الفترة من 1 إلى 14 أكتوبر بلغ 1.448 مليار دولار، بينما بلغ الرقم الذي أثار اعتراضها في بيان المصرف المركزي نحو 361 مليون دولار.

وأضاف أن المؤسسة أوضحت أن الفارق يرتبط بخصم اعتمادات توريد المحروقات قبل تحويل الرصيد المتبقي إلى المصرف المركزي.

وبحسب بي، فإن المسألة لا تعني بالضرورة أن أحد الطرفين «اختلق رقماً»، بل إن كل جهة تنشر بيانات تتعلق بمرحلة مختلفة من دورة الإيراد. واعتبر أن المشكلة تكمن في غياب قائمة مالية موحدة أمام المواطن، تبدأ من الإنتاج وتنتهي بتحديد صافي المبالغ التي أصبحت متاحة للخزانة العامة.

وشدد على ضرورة نشر معادلة واضحة لاحتساب الإيرادات، تقوم على إجمالي إنتاج النفط والغاز، مطروحاً منه حصة الشريك الأجنبي، والاستهلاك المحلي من الخام والغاز، وتكلفة التكرير المحلي، وتكلفة المحروقات المستوردة، وأي مصروفات خارجية معتمدة، وصولاً إلى صافي النقد الأجنبي المتاح فعلياً للمالية العامة.

وقال إن غياب هذه المعادلة سيُبقي كل طرف «صحيحاً» من زاويته، بينما تظل الصورة الكاملة للإيرادات والتدفقات المالية غائبة.

خصم تكلفة المحروقات وآلية التسوية المالية

وفي ما يتعلق بخصم تكلفة المحروقات قبل وصول الإيرادات إلى المصرف المركزي، أوضح بي أن ذلك يمثل، من الناحية الاقتصادية، آلية تسوية أو مقاصة بين تدفقات النفط وفاتورة المحروقات.

وأشار إلى أن المؤسسة الوطنية للنفط تقول إن هذه الآلية معتمدة بموجب قرار مجلس الوزراء رقم 525 لسنة 2026، وبالتنسيق مع عدة جهات، وإن تكلفة اعتمادات الوقود تُخصم عبر المصرف الليبي الخارجي، قبل تحويل المبلغ المتبقي إلى المصرف المركزي.

ورأى أن المشكلة لا تكمن في وجود آلية التسوية بحد ذاتها، بل في عدم إظهارها كاملة ضمن حساب مالي موحد. فإذا عرض المصرف المركزي صافي المبالغ التي وصلته فقط، في حين أعلنت المؤسسة إجمالي الإيرادات، فسيجد المواطن نفسه أمام رقمين مختلفين من دون أن تتضح له وجهة الفارق بينهما.

وأكد أن المطلوب ليس منع التسوية، وإنما الإفصاح عنها شهرياً، من خلال نشر إجمالي المبالغ المحصّلة، والمبالغ المخصومة، وأسباب كل خصم، والجهة المستفيدة، ثم صافي المبلغ المحوّل.

واعتبر أن إتاحة هذه البيانات من شأنها إنهاء الخلاف المحاسبي والحد من الجدل السياسي المرتبط باختلاف الأرقام.

حجب الميزانيات عن قطاع النفط وتأثيره في الإنتاج

وفي ما يتعلق بمخصصات قطاع النفط، قال بي إن المؤسسة الوطنية للنفط تشير صراحة إلى أن عدم إحالة مخصصاتها المعتمدة يعرقل أعمال الصيانة والتطوير والوفاء بالالتزامات التشغيلية، وقد يهدد استقرار الإنتاج.

واعتبر أن ذلك منطقي من الناحية الفنية، موضحاً أن قطاعاً ينتج حالياً أكثر من 1.4 مليون برميل يومياً، بحسب تصريحات المؤسسة، يحتاج إلى صيانة مستمرة للآبار والحقول وخطوط النقل والموانئ، ولا يمكن تشغيله لسنوات من دون استثمارات رأسمالية وأعمال صيانة متواصلة.

لكنه شدد، في المقابل، على ضرورة ألا يتحول هذا المبرر إلى «ميزانية مفتوحة»، داعياً إلى توفير تمويل منتظم يرتبط بمؤشرات أداء واضحة، تشمل تكلفة البرميل، وحجم الإنتاج الإضافي مقابل كل دينار يُنفق، وعدد أيام التوقف، وكفاءة الحقول، ونسبة الفاقد، إلى جانب وضع جدول زمني لأعمال الصيانة والتطوير.

وأكد أن المؤسسة الوطنية للنفط يجب أن تُدار باعتبارها مركزاً للقيمة والربحية، لا مجرد مركز للإنفاق.

اللجوء إلى النائب العام ومشكلة الحوكمة المالية

وعن لجوء المؤسسة الوطنية للنفط إلى النائب العام، رأى بي أن هذه الخطوة تشير إلى تجاوز الخلاف مستواه الفني ووصوله إلى مستوى مؤسسي خطير.

وأشار إلى أن المؤسسة طلبت تحقيقاً مستقلاً من مكتب النائب العام في البيانات وآلية التسوية، لكنه اعتبر أن المشكلة الأعمق تتمثل في غياب نظام محاسبي موحد يتيح تبادل البيانات يومياً بين أكبر مصدر للدخل في الدولة وأكبر مؤسسة نقدية فيها.

وقال إن من المفترض أن يجري تبادل هذه البيانات عبر نظام محاسبي موحد، بدلاً من أن تصبح الخلافات بشأن الأرقام موضوعاً لبيانات متبادلة أمام الرأي العام.

وأضاف أن وصول الخلاف إلى القضاء كلما اختلف تعريف الرقم يعكس، في تقديره، قصوراً في حوكمة التدفقات المالية.

وشدد على أن الحل لا يقتصر على البحث عن الطرف المخطئ، بل يتطلب بناء حساب وطني موحد للطاقة والنقد الأجنبي، بحيث يكون للبيانات المالية مصدر واحد ورقم واضح يمكن الرجوع إليه.

الرسم على النقد الأجنبي وإمكانية عودة الدينار إلى سعره السابق

وفي ما يتعلق بمطالبة مجلس النواب بإلغاء الرسم على النقد الأجنبي، قال بي إن المجلس أعلن في 15 أكتوبر أن القرار رقم 15 لسنة 2024، الخاص بفرض رسم على سعر الصرف، انتهى قانوناً في 31 ديسمبر 2024، وطالب بإلغاء أي زيادة تستند إليه.

لكنه شدد على ضرورة التمييز بين إلغاء الرسم من الناحية القانونية وقدرة الاقتصاد على تحمل سعر صرف أقوى، موضحاً أن قيمة العملة لا تتحدد بمجرد إلغاء رسم أو فرض رسم جديد.

وأشار إلى أن متوسط سعر الدولار الرسمي بلغ نحو 6.41 دينار حتى 22 أكتوبر، وفق الرقم الذي أورده في تصريحه.

وقال إن السؤال لا ينبغي أن يقتصر على الرغبة في عودة سعر الدولار إلى 4.48 دينار أو 5 دنانير أو بقائه عند 6.4 دينار، بل يجب أن ينصب على تحديد سعر الصرف الذي يحقق التوازن بين حجم الإنفاق بالدينار، وعرض النقود، وصافي الإيرادات الدولارية، والطلب الفعلي على الواردات.

وحذّر من أن إعادة سعر أقوى بقرار إداري، مع استمرار مستويات الإنفاق والسيولة على حالها، قد تؤدي مجدداً إلى اتساع الفجوة وظهور ضغوط في السوق الموازية.

وأضاف أن الاحتياطيات تستطيع الدفاع عن سعر صرف معين لفترة، لكنها لا تستطيع جعل سعر غير متوازن مستداماً على المدى الطويل.

تكلفة دعم الوقود والتدفقات المالية

ووصف بي ملف تكلفة دعم الوقود والتدفقات المالية بأنه الأخطر ضمن هذه القضايا، مشيراً إلى أن واردات الوقود خلال الفترة من يناير إلى سبتمبر 2026 بلغت 8.15 مليون طن متري، بكلفة وصلت إلى 8.9 مليارات دولار.

وأضاف أن بعثة الأمم المتحدة قدّرت أن ما بين 30% و50% من هذه الواردات قد يُفقد بسبب التهريب، بقيمة تتراوح بين 2.4 و4.4 مليارات دولار.

واعتبر أن هذه الفاتورة ضخمة حتى قبل احتساب الغاز والنفط المكرر محلياً.

وأوضح أن حديثه عن استهلاك الطاقة والمحروقات جزءاً كبيراً من الثروة النفطية لا يتعلق بالدعم المعلن فقط، بل يشمل التكلفة الاقتصادية الكاملة للغاز والنفط والمشتقات المستخدمة محلياً والمستوردة.

وفي هذا السياق، قدّر أن المنظومة قد تستهلك ما يقارب 40% أو أكثر من القيمة الاقتصادية للقطاع، مشيراً إلى أن نسبة ما تتحمله ليبيا من هذه التكلفة تصبح أعلى عند احتساب حصة الشركاء الأجانب.

وأكد أن هذه النسبة تظل تقديراً تحليلياً يحتاج إلى تدقيق شهري بالاستناد إلى الأرقام، لكنه يرى أنها تكشف حجم المشكلة المرتبطة بتكلفة الطاقة والمحروقات.

غياب البيانات الموحدة وعلاقته بالسوق الموازية

ورأى بي أن غياب البيانات الموحدة يغذي السوق الموازية، موضحاً أن السوق لا تتفاعل مع الأرقام الحالية فحسب، بل تتأثر أيضاً بالتوقعات.

وأشار إلى أن عدم معرفة المتعاملين بحجم الصادرات، والمبالغ المحصّلة فعلياً، وتكلفة المحروقات المخصومة، وما تبقى لدى المصرف المركزي، وحجم الدولار الذي سيُباع، والإنفاق الفعلي، يخلق فراغاً معلوماتياً يتحول إلى شائعات ومضاربات وعلاوة مخاطر.

وأضاف أن نقص الشفافية يفاقم المشكلة في ظل وجود فجوة قائمة بين سعر الصرف الرسمي وسعر السوق الموازية.

لكنه أكد أن الشفافية وحدها لا تكفي لحل هذه الفجوة إذا استمرت الأسباب المالية والنقدية التي تؤدي إلى نشوئها.

الصدام بين المصرف المركزي والمؤسسة الوطنية للنفط وأثره في التخطيط

وفي ما يتعلق بتأثير الخلاف بين المصرف المركزي والمؤسسة الوطنية للنفط في التخطيط والميزان الخارجي، قال بي إن هذا الخلاف يكشف مشكلة أوسع من مجرد صدام بين مؤسستين، مشدداً على حاجة ليبيا إلى ميزانية وطنية موحدة للطاقة وحساب موحد للنقد الأجنبي.

وأوضح أن الإنتاج النفطي تجاوز 1.4 مليون برميل يومياً هذا العام، بحسب المؤسسة، إلى جانب وجود إنتاج كبير من الغاز، لكن ليس كل ما يُنتج يتحول إلى دولارات متاحة بحرية للخزانة العامة.

وبيّن أن جزءاً من الإنتاج يذهب إلى حصة الشركاء، وجزءاً يُستهلك محلياً، وجزءاً يُستخدم في توليد الكهرباء، وجزءاً يدخل في عمليات التكرير، في حين تستورد البلاد محروقات بمليارات الدولارات.

وأكد أن نقطة البداية الصحيحة تتمثل في كشف المعادلة الاقتصادية الكاملة للإنتاج والاستهلاك والتصدير والتكاليف.

وفي تقديره التحليلي، إذا كانت الصادرات تعادل نحو 68% من القيمة الإجمالية للإنتاج النفطي والغازي، بينما تستهلك تكاليف المحروقات المستوردة وما يُستهلك محلياً من النفط والغاز ما يعادل نحو 20% إضافية من إجمالي القيمة، فإن ما يتبقى فعلياً في صورة دولارات قابلة للاستخدام في تمويل بقية الموازنة قد يدور حول نصف القيمة الاقتصادية الإجمالية للقطاع، وربما يبلغ نحو 48% وفق هذه الافتراضات.

وشدد على أن هذه النسبة يجب أن تُعرض باعتبارها معادلة تقديرية تحتاج إلى حساب رسمي موحد، لا رقماً محاسبياً نهائياً.

ودعا إلى أن تنشر الدولة شهرياً حساباً واضحاً يبدأ من حجم الإنتاج وقيمة المبيعات، ويشمل الغاز المباع أو المستهلك بقيمته الاقتصادية، ثم تُخصم منه حصة الشريك الأجنبي، والاستهلاك المحلي، وتكاليف التكرير، وواردات الوقود، والمصروفات الخارجية، وصولاً إلى صافي الدولار المتاح للدولة.

وأكد أن نشر هذه البيانات هو السبيل إلى معرفة حقيقة الإيرادات النفطية بصورة دقيقة.

ما الذي يبقى فعلياً من الثروة النفطية؟

خلص بي إلى أن المشكلة لا تتعلق فقط بتحديد الطرف الذي يعلن الرقم الصحيح، سواء المؤسسة الوطنية للنفط أو المصرف المركزي، بل بغياب حساب موحد يوضح للمواطن حقيقة تدفقات الطاقة والثروة والنقد الأجنبي.

وقال إن ليبيا ليست فقيرة في النفط والغاز، لكن المشكلة تكمن فيما يتبقى من قيمتهما بعد الدعم، والاستهلاك غير الرشيد، والتهريب، والاستيراد، وحصة الشركاء، والإنفاق.

وشدد على أن إصلاح دعم الطاقة لم يعد بنداً ثانوياً، معتبراً أن الاستمرار في دعم أسعار المحروقات بدلاً من تقديم دعم نقدي مباشر للمواطن أصبح، من الناحيتين المالية والاقتصادية، غير قابل للاستمرار.

ودعا إلى تجاوز الجدل حول أرقام 361 مليوناً أو 1.2 مليار أو 1.4 مليار دولار، والتركيز على أسئلة أوسع تتعلق بحجم الإنتاج الفعلي، وقيمته، وما يُستهلك منه محلياً، وما يُستورد فوقه، وحجم الدولارات التي تبقى فعلياً لتمويل الدولة.

وختم بي موقفه بالتأكيد أن صافي النقد الأجنبي المتاح فعلياً بعد احتساب مختلف التكاليف والخصومات هو الرقم الأهم لفهم واقع الاقتصاد الليبي.

The post صراع المؤسسات والقرارات.. أين تذهب إيرادات النفط وكيف يمكن إنقاذ «الدينار الليبي»؟ appeared first on عين ليبيا | آخر أخبار ليبيا.