صوت الشارع ووعي المظلومين..قراءة في المانفيستو الشعبي واستعادة كرامة الوطن

0
6

إن الوقوف على عتبة المشهد الليبي اليوم لا يتطلب مجرد الاستماع إلى الضجيج السياسي المتضارب، بل يستدعي الغوص عميقاً في الجذور البنيوية التي تشكل وعي الإنسان العادي وتحدد مصيره اليومي وسط أزمات تتراكم وتتعقد؛ حيث تختزل الوثيقة الشعبية المعنونة بـ “مطالب الشعب الليبي” جوهر صراع المواطن مع واقعه، معلنةً بوضوح ووعي لافت أن المعالجة الترقيعية المتمثلة في زيادة المرتبات الإيرادية لم تعد تخدع الشارع، بل أصبح المطلوب الأهم هو استعادة القيمة الفعلية للعملة الوطنية من خلال تخفيض سعر صرف الدولار فوراً وتحقيق العدالة الاجتماعية عبر توحيد المرتبات لكافة القطاعات. إن هذا الفهم الشعبي ينطلق من إدراك حقيقي لأن التضخم الغاشم يأكل أي زيادة رقمية مجردة، وأن حماية القدرة الشرائية للمواطن هي المدخل الأساسي لإعادة الانضباط الاقتصادي، وهو ما يتكامل مع ضرورة التوزيع العادل للسلع والخدمات الأساسية من خلال إعادة تفعيل الجمعيات الاستهلاكية لتكون صمام أمان لجميع الأسر أمام جشع الأسواق المفتوحة وعفويتها القاسية. ولم تتوقف هذه الرؤية الشاملة عند الحدود الاقتصادية النقدية، بل امتدت لتلامس صلب الحياة الكريمة والأمن الصحي الذي يتداعى تحت وطأة نقص أدوية الأمراض المزمنة في المستشفيات العامة، مما يفرض على الدولة الاستجابة الفورية لتوفير الدواء لفقراء الشعب ومواطنيه كحق أساسي لا يحتمل التكسب أو المماطلة، إلى جانب وضع حد جذري لغياب الخدمات الحيوية المتمثلة في أزمتي الوقود والكهرباء اللتين ترهقان العقل والجسد الليبي بشكل يومي وتعطلان أدنى مقومات الإنتاج والعيش الإنساني المقبول. وعلى الصعيد الديموغرافي والسيادي، تبرز صرخة الرفض القاطعة لأي مساس بالتركيبة السكانية تحت عنوان “لا للتوطين”، مترافقة مع مطالب صريحة بترحيل العمالة الوافدة غير الشرعية واستبدال أي موظف غير ليبي في القطاعات الحكومية بمواطن ليبي يحمل المؤهل نفسه، انطلاقاً من المبدأ المباشر القائل إن هذا هو حق الليبي في أرضه وثرواته.

أما التساؤل الجوهري الماثل اليوم أمام الشارع والمراقبين_هل تشكيل حكومة موحدة تذهب بالبلاد نحو انتخابات رئاسية وبرلمانية وتلتفت للأوضاع الاقتصادية والاجتماعية بات أمراً ممكناً؟

ويزداد هذا التساؤل إلحاحاً مع بروز اتفاق (4+4) الأخير برعاية أممية، وما نتج عنه من محاولات لإصلاح الإطار الانتخابي، وتعديل القوانين الانتخابية، وإعادة تشكيل مجلس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات لتجاوز العثرات التشغيلية والتشريعية. ورغم الدافع نحو هذا المسار والدعم الملموس من القيادة العامة للقوات المسلحة للعملية السياسية والاستقرار الأمني، إلا أن مخرجات هذا الاتفاق أثارت تباينات وإشكاليات إجرائية وقانونية واجهت اعتراضات وتحفظات من أطراف متعددة، مما أظهر مجدداً سرعة الانزلاق نحو التجاذب بمجرد الانتقال إلى مرحلة التنفيذ.

وفي هذا الفضاء، تظل التداخلات الإقليمية والدولية حاضرة بكثافة؛ فبينما تُبدي القوى الدولية إشارات دعم متواصلة لخارطة الطريق الأممية لمنع الانزلاق الأمني وضمان استقرار الطاقة ومكافحة الهجرة، فإن التنافس الإقليمي وتضارب مصالح المحاور الخارجية يجعلان هذه التدخلات تسهم أحياناً في تمديد عمر المراحل الانتقالية بدلاً من فرض حل نهائي يلزم جميع الأطراف.

ورغم كل هذه التعقيدات، إلا أن المشهد لا يخلو من علامات أمل وبريق تفاؤل مشروع؛ فوعي الشارع الليبي المتزايد ونضوجه الملموس بطبيعة الأزمات يمثلان حائط الصد الأساسي لمنع العودة إلى مربع المواجهات. كما أن التماسك الأمني، واستمرار ضخ النفط، ووجود مساحات حوار مشتركة وتفاهمات عملية كـ (4+4) تؤكد أن البوصلة تتجه تدريجياً نحو التفاوض والحلول السلمية. إن هذا الوعي والضغط المجتمعي المتراكم يمنحان فرصة واقعية لاستعادة المبادرة وتشكيل القوة التي تدفع نحو تسوية شاملة تُنهي حالة الانقسام وتنقل البلاد إلى استقرار حقيقي يُلبي مطالب الناس المعيشية والسيادية.

إن التحدي الفلسفي والعملي الأكبر الماثل أمام هذه المطالب يكمن في كيفية تحويل هذه الرغبات الشعبية المشروعة من مجرد بيانات مطلبية إلى نصوص تنفيذية واستراتيجيات بناء شجاعة؛ فالحل لا يبدأ بقرارات إدارية فوقية ولا بتغيير الوجوه والمناصب، بل عبر إعادة تشكيل مؤسسات الدولة على أسس من الشفافية وسيادة القانون، وصياغة سياسة مالية ونقدية مستمرة توازن بين التحكم في سعر الصرف ودعم الإنتاج المحلي، وبناء هيكل إداري يعتمد الكفاءة الوطنية الشابة ويحمي الأمن القومي والديموغرافي، ليغدو الحق السليب حقيقة ملموسة تُعيد للإنسان الليبي كرامته وسيادته على أرضه ومقدراته.

The post صوت الشارع ووعي المظلومين..قراءة في المانفيستو الشعبي واستعادة كرامة الوطن appeared first on عين ليبيا | آخر أخبار ليبيا.