تتفاقم أزمة الطرق والشوارع في مدننا وبلدياتنا لتتحول من مجرد إهمال خدمي إلى خطر يومي يهدد أرواح المواطنين وممتلكاتهم؛ إذ لم يعد يخلو طريق رئيسي أو فرعي من هبوطات مفاجئة وتشققات غائرة وحُفر تحصد المركبات يومياً. هذا المشهد المتردي ليس وليد ظروف قاهرة، بل هو النتيجة المباشرة لغياب خطط الصيانة الدورية واستهتار الأجهزة المسؤولة بواجباتها الأساسية، مما جعل شبكة الطرق العامة عبئاً ثقيلاً ومصدراً مستمراً للحوادث والخسائر.
والمفارقة الصادمة التي تثير غضب الشارع تكمن في العجز التام والمريب للمؤسسات العامة والقطاعات المعنية عن أداء مهامها وصيانة تلك العيوب، بالرغم من استمرار تدفق الميزانيات المليارية (بالدينار) المُخصصة لمشاريع التنمية والبُنية التحتية. إن وجود التمويل والاعتمادات المالية مع استمرار تعطل آليات الصيانة على أرض الواقع يكشف عن خلل جسيم وبيروقراطية عقيمة، إن لم يكن سوء إدارة صريحاً يفرّغ تلك المُخصصات من أثرها التنموي ويترك المُدن غارقة في خرابها.
وأمام هذا الغياب الرسمي المخزي، انتفضت المبادرات الأهلية وسارع نشطاء المجتمع المحلي وفرق الشباب المتطوعين لردم الحفر وترقيع التشققات والهبوطات بجهودهم الذاتية ومواردهم المحدودة. ورغم أن هذا الحِراك المُجتمعي يجسد أسمى صور التضامن والحرص على المصلحة العامة وسلامة الجيران، إلا أنه في جوهره فضحٌ علني وتعرية صارخة لتقاعس الجهات الرسمية التي وقفت مُتفرجة على مواطنين عُزّل يصلحون بإمكانات بدائية ما عجزت عنه مؤسسات قائمة بذاتها.
وهنا نقف جميعاً أمام السؤال الجوهري الذي لا يقبل المواربة أو التبرير: كيف تعجز دولة بكامل هياكلها، وأجهزتها التنفيذية، وإداراتها البلدية المتخصصة عن إنجاز صيانة أسفلتية بسيطة لا تتطلب سوى القليل من الإرادة وحسن التنظيم؟ إن هذا العجز غير المبرر أمام أبسط الواجبات الخدمية يفرض ضرورة المحاسبة الفورية للجهات المُقصرة، وتمكين الإدارات البلدية بصلاحيات تنفيذية حقيقية لفرض الرقابة ومُعالجة هذا التردي، فسلامة المواطن وحقه في طريق آمن ليسا منّة أو ترفاً، بل واجب حتمي لا مساومة عليه.
The post طرقات تبتلع المارة وميزانيات تتبخر: إلى متى هذا العجز الفاضح؟ appeared first on عين ليبيا | آخر أخبار ليبيا.
