Site icon bnlibya

«طقطقة الرقبة» والسكتة الدماغية.. ماذا تقول الأدلة الطبية؟

تبدو طقطقة الرقبة لدى كثير من الأشخاص عادة بسيطة تمنح شعورًا مؤقتًا بالراحة أو تخفيف التوتر، لكن الدراسات الطبية تلفت الانتباه إلى أن الأمر يختلف عندما تتحول الطقطقة إلى حركات قوية أو سريعة ومتكررة للرقبة، خصوصًا مع وجود ألم أو أعراض سابقة.

وتتركز أبرز المخاوف الطبية حول الأوعية الدموية الموجودة في الرقبة، إذ تشير الأدلة إلى أن التلاعب العنيف بالعمود الفقري العنقي يرتبط في بعض الحالات بتسلخ شرايين الرقبة، وهي حالة ينشق فيها جدار أحد الشرايين المغذية للدماغ، بما يشمل الشريان السباتي الداخلي أو الشريان الفقري.

ووفق بيان علمي للجمعية الأمريكية للقلب والجمعية الأمريكية للسكتة الدماغية، فإن تسلخ شرايين الرقبة يمثل أحد الأسباب المهمة للسكتة الدماغية، خصوصًا لدى الشباب، ويمكن أن يؤدي إلى تكوّن خثرة داخل الوعاء الدموي أو تضيق الشريان أو انسداده، بما يعرّض الدماغ لنقص التروية.

وتوضح الجمعية الأمريكية للقلب أن العلاقة بين التلاعب بالرقبة وتسلخ الشرايين ليست محسومة بصورة تثبت السببية المباشرة، إذ توجد احتمالية أخرى تتمثل في أن بعض الأشخاص الذين يعانون أصلًا من تسلخ شرياني يبدأون في الشعور بألم في الرقبة أو الصداع، فيلجأون إلى التلاعب بالرقبة، ما يجعل تحديد اتجاه العلاقة أكثر تعقيدًا.

ورغم ذلك، أشار البيان العلمي إلى أن معظم الدراسات السكانية المضبوطة وجدت ارتباطًا بين التلاعب بالرقبة والسكتة المرتبطة بتسلخ الشريان الفقري لدى الشباب، بينما وصف معدل حدوث التسلخ المرتبط بهذا النوع من التلاعب بأنه غير واضح، ويرجح أن يكون منخفضًا.

وتشير مراجعة منهجية حديثة نُشرت في عام 2025 إلى أن الأحداث السلبية الخطيرة المرتبطة بالإجراءات الجسدية الموجهة إلى الرقبة كانت في معظم الحالات وعائية، وشكل تسلخ الشرايين أو المشكلات المرتبطة بالشريان الفقري نسبة كبيرة منها، فيما ارتبطت 75% من الحالات التي شملتها المراجعة بالتلاعب بالرقبة.

وضمت المراجعة 233 دراسة وصفت 334 حالة من الأحداث السلبية الخطيرة، ووجد الباحثون أن 58% من هذه الأحداث كانت وعائية، بينما شملت الحالات الأخرى مضاعفات عصبية وأضرارًا أخرى، مع تسجيل حالات وفاة وإعاقات بين الحالات المبلغ عنها.

وأكد الباحثون في الوقت نفسه أن هذه النتائج تستند إلى حالات أُبلغ عنها في الدراسات الطبية، ولا تعني أن المضاعفات الخطيرة شائعة لدى الأشخاص الذين يخضعون لإجراءات الرقبة.

وفي دراسة منهجية أحدث نُشرت في أغسطس 2026، بحث باحثون في حالات الأعراض السلبية المرتبطة بالتلاعب الذاتي بالرقبة، وعثروا على 24 حالة منشورة، صُنفت 4 منها على أنها كارثية، بينها حالتا وفاة.

وسجلت الدراسة ظهور الأحداث السلبية بصورة مفاجئة أو فورية بعد التلاعب في 12 حالة، فيما وقعت 22 من الحالات خلال يومين من التلاعب الذاتي.

وشدد الباحثون على أن الحالات الخطيرة المرتبطة بالتلاعب الذاتي بالرقبة نادرة في الأدبيات المنشورة، ولم يجدوا دليلًا على أنها ظاهرة شائعة، لكنهم أكدوا وجود إمكانية لحدوث مضاعفات خطيرة في بعض الظروف.

ولا تقتصر المخاطر المحتملة على الأوعية الدموية، إذ رصدت المراجعة المنهجية المنشورة عام 2025 مضاعفات عصبية وأخرى مرتبطة بالعمود الفقري والأنسجة المحيطة بالرقبة، كما أشارت إلى أن بعض الأحداث الخطيرة ظهرت بعد إجراءات أخرى على الرقبة، بما يشمل الحركة اللطيفة والتمارين والتدليك، وإن كانت غالبية الحالات في المراجعة مرتبطة بالتلاعب.

وفي المقابل، لا تقدم جميع الدراسات صورة واحدة عن مستوى الخطر.

فقد خلصت مراجعة منهجية وتحليل تجميعي نُشرا عام 2024 وشملا 14 دراسة إلى عدم وجود زيادة ذات دلالة إحصائية في الأحداث السلبية بين مجموعات التلاعب بالرقبة والمجموعات الضابطة، وكانت الأحداث التي رصدتها التجارب المصنفة ضمن الأحداث الخفيفة، من دون تسجيل أحداث متوسطة أو خطيرة.

لكن الباحثين أوضحوا أن التجارب العشوائية لا تصلح بصورة جيدة لاكتشاف المضاعفات الخطيرة النادرة، وهو ما يجعل نتائجها غير كافية وحدها لنفي احتمال وقوع أحداث خطيرة نادرة.

وتوضح الجمعية الأمريكية للقلب أن تسلخ شرايين الرقبة لا يحتاج بالضرورة إلى إصابة قوية حتى يحدث، إذ يمكن أن يظهر في سياق إصابات أو حركات بسيطة لدى بعض الأشخاص، مع تداخل عوامل أخرى تشمل الاستعداد الوراثي وبعض الخصائص التشريحية وعوامل الخطر الفردية.

ولهذا لا يعني سماع صوت الطقطقة أثناء تحريك الرقبة أن شريانًا تعرض للتسلخ أو أن السكتة الدماغية على وشك الحدوث، كما أن وجود الطقطقة وحدها لا يكفي لتشخيص إصابة خطيرة.

المشكلة الطبية تبرز بصورة أكبر عندما تترافق حركة الرقبة مع ألم مفاجئ أو شديد وغير معتاد في الرقبة أو الرأس، خصوصًا إذا تبعتها دوخة شديدة أو اضطراب في التوازن أو ضعف أو تنميل في أحد جانبي الجسم أو صعوبة في الكلام أو اضطراب في الرؤية.

وتشير الأدلة الطبية إلى أهمية الانتباه إلى هذه الأعراض لأن تسلخ شرايين الرقبة يمكن أن يظهر بألم موضعي في الرقبة أو الرأس، ثم يترافق مع أعراض مرتبطة بنقص التروية الدماغية أو الشبكية.

وبناءً على ذلك، فإن التعامل مع الرقبة بعنف أو محاولة إحداث الطقطقة بالقوة ليس وسيلة آمنة لتخفيف الألم دون معرفة سببه، خصوصًا عندما يكون الألم جديدًا أو مستمرًا أو مصحوبًا بأعراض عصبية.

وتبقى الرسالة الأساسية التي تعكسها الدراسات أكثر دقة من القول إن «طقطقة الرقبة تسبب السكتة»، إذ لا تثبت الأدلة المتاحة هذه العلاقة السببية بصورة قاطعة، لكنها تشير إلى ارتباط يستحق الحذر عند التلاعب القوي بالرقبة، بالتزامن مع وجود مضاعفات وعائية نادرة لكنها خطيرة أُبلغ عنها في الأدبيات الطبية.

وعند ظهور أعراض عصبية مفاجئة بعد حركة قوية للرقبة، خصوصًا ضعف أحد الأطراف أو اضطراب الكلام أو الرؤية أو فقدان التوازن أو صداع شديد مفاجئ، فإن التعامل معها كحالة طارئة والحصول على تقييم طبي عاجل أكثر أهمية من محاولة تكرار الطقطقة أو تحريك الرقبة لتخفيف الأعراض.

The post «طقطقة الرقبة» والسكتة الدماغية.. ماذا تقول الأدلة الطبية؟ appeared first on عين ليبيا | آخر أخبار ليبيا.

Exit mobile version