ما أن أعلنت البعثة الأممية للدعم في ليبيا عن توقيع مخرجات اللجنة المصغرة (4+4) حتى ظهرت العديد من ردود الفعل المحلية والخارجية المؤيدة والرافضة لهذه المخرجات.
وفي هذه المقالة سأحاول تفسير هذه المواقف المتعارضة والتعرف على الأسباب أو العوامل التي تقف خلفها، سواءً كانت عوامل إيجابية لمصلحة الوطن و/أو إيجابية لمصلحة أشخاص يملكون القوة والنفوذ، وذلك كما أراها من وجهة نظري. وسأتقدم في الختام بالحل الذي أراه ممكناً بما له وما عليه من تحفظات، وذلك للخروج من الأزمة.
أولاً: عوامل التأييد
1- المسيطرون على الأرض يؤيدون مخرجات لجنة (4+4) لأنها ترسخ هذه السيطرة وتضفي عليها اعترافاً دولياً وهذا أهم ما يريدونه. وهذا أهم ما يريدونه بصرف النظر عن طموحات الشعب وتضحياته التي قدمها.
2- ومن العوامل المساندة التي تجعل المسيطرين يؤيدون هذه المخرجات إبعاد شبح الانتخابات عنهم لمدة سنتين، أي أنهم ضمنوا البقاء في مناصبهم وربما في مناصب أفضل لمدة سنتين حتى عام 2028 وبعد ذلك سيكون لكل حادث حديث.
3- المؤشرات تشير إلى أنه سيعاد توزيع الأدوار للقوى المسيطرة على الأرض بحيث يكون لكل منهم القدرة العملية على ممارسة سلطته ودوره كاملاً، بحسب المنصب الذي يتقلده، على مستوى الوطن وليس على مستوى جزء منه كما هو حاصل الآن، وهذه النقطة بالذات، إذا نفذت مخرجات لجنة (4+4)، تحمل بارقة أمل إيجابية في توحيد المؤسسات، أي أن هذه النقطة تحقق رغبة المسيطرين من جهة، كما تحقق جزءاً من الطموح الوطني من جهة أخرى.
4- قامت البعثة بتحشيد تأييد محلي وخارجي كبيرين لمخرجات لجنة (4+4) مما أضفى عليها زخماً جيداً يشجع على التنفيذ، ومع ذلك فإن هذا الزخم لا يقدم، كما يبدو، أي ضمانات حقيقية للتنفيذ وخاصة فيما يتعلق بالانتخابات.
5- بصرف النظر عن مصالح القوى المسيطرة على الأرض، فإذا أمكن تنفيذ هذا الاتفاق فمن المتوقع، كما أشير سابقاً، أن تتوحد مؤسسات الدولة، وهذا جيد، كما أتوقع أن تزول مظاهر انقسامها وأولها مؤسستا الجيش والأمن، كما أتوقع أن يصاحب ذلك اعتماد موازنة موحدة للدولة لأول مرة منذ عام 2014 وتفعيل دور الجهات الرقابية (ديوان المحاسبة، هيئة الرقابة الإدارية، هيئة مكافحة الفساد) بشكل أكثر فعالية والقضاء على تهريب النفط والوقود، وتراجع مستويات الفساد المالي والإداري. وإذا تحقق كل ذلك فلا أعتقد أنه ستكون هناك صعوبات تذكر في السيطرة على سعر الصرف وإزالة التشوهات الاقتصادية الناجمة عن فجوة سعر الصرف وعجز ميزان المدفوعات. وهذه التنبؤات في تقديري المتفائل أهم عنصر إيجابي من المنظور الوطني في مخرجات لجنة (4+4).) لكنه ليس كافياً كما سيأتي.
6- مشكلة ترشح العسكريين ومزدوجي الجنسية: من وجهة نظر القوى المسيطرة أن لجنة (4+4) قد وجدت حلاً مريحاً لمشكلة ترشح العسكريين حيث أشارت إلى اعتبار العسكري المترشح مستقيلاً بشكل تلقائي. كما أنهم يرون أن السماح لمزدوجي الجنسية بالترشح إنجاز موفق للجنة وخاصة أنه لن يستلم مهامه ولن يؤدي القسم القانوني إلا بعد التنازل عن جنسيته الأجنبية، وسأذكر لاحقاً وجهة النظر المعارضة لترشح العسكريين ومزدوجي الجنسية.
ثانياً: عوامل الرفض
1- إن مخرجات لجنة (4+4) لم تعط اهتماماً للدستور الدائم وكأنها تريد أن يكتب على الشعب الليبي أن يعيش المراحل الانتقالية إلى الأبد. وهذه مشكلة كبيرة تجعل المسار إلى إقامة دولة المؤسسات والقانون والتداول السلمي على السلطة مساراً محفوفاً بالغموض والمخاطر والارتياب طبقاً لهذه المخرجات.
2- إن الانتخابات المزمع إجراؤها خلال مدة لا تزيد عن سنتين قد لا تجرى، ولا توجد أي ضمانات لإجرائها، ولذلك لن أستغرب إذا تحول المؤيدون اليوم من الخارج والداخل إلى مجرد متفرجين في عام 2028 لا يحركون ساكناً ولا يسكنون متحركاً، ويصبح الشعب الليبي مكبلاً مرة أخرى بسياسة الأمر الواقع بعيداً عن طموحه في اختيار من يحكمه. من الآن إلى عام 2028 ستتغير الظروف لصالح المسيطرين على الأرض وستخلق المبررات لتمديد السنتين إلى سنتين أخريين أو أكثر دون أن يسمع أي صدى لأي صوت يصرخ مذكراً بأن فترة السنتين هي الحد الأقصى. ومما يعزز هذا التوقع المتشائم التجارب السابقة فقد انتخب مجلس النواب عام 2014 لمدة سنة ونصف تقريباً لتنتهي ولايته في أكتوبر عام 2015 ونص الإعلان الدستوري (المعدل) على عدم جواز التمديد إلا باستفتاء ومع ذلك استمر مجلس النواب في الحكم دون أي استفتاء إلى يومنا هذا، وها هي مخرجات لجنة (4+4) تسمح باستمرار المجلس إلى عام 2028 ليكون التمديد واقعياً 14 سنة (2014-2028). كذلك من التجارب السابقة اتفاق الصخيرات الذي زعموا أنه يسري لسنة واحدة قابلة للتجديد سنة أخرى فإذا به يصبح أبدياً، وآخر مثال انتخابات 24 ديسمبر 2021 التي جاءت أصلاً متأخرة نحو 5 سنوات، سبقتها العديد من الوعود الفاشلة، لم تنفذ حتى اليوم، وقد بشرتنا مخرجات لجنة (4+4) أنها ستجرى عام 2028 أي ستتأخر 7 سنوات إضافة لتأخرها الأصلي (5 سنوات) فيكون مجموع التأخير 12 سنة. إن الدول الأجنبية لا يهمها إن تأخرت الانتخابات 12 سنة أو حتى 120 سنة، فهذا التأخير إنما ينعكس على استمرار معاناة الليبيين دون سواهم.
3- لنفرض أن الانتخابات سوف تجرى فعلياً عام 2028 أو حتى قبل ذلك، فإنه من المسلم به أن الانتخابات ليست غاية في ذاتها بل هي وسيلة لغاية أسمى وهي ترسيخ مبدأ التداول السلمي على السلطة وتأكيد حق الشعب في اختيار من يحكمه، وبالتالي فلا قيمة لانتخابات تجرى ثم يقفل بابها كما حصل في انتخابات مجلس النواب عام 2014 التي أقفل بابها إلى يومنا هذا وما زلنا غير متأكدين من أنها ستجرى في عام 2028 أي بعد 14 سنة من الانتخابات السابقة للمجلس.
4- إن غياب آلية الاستفتاء على الدستور الدائم في مخرجات لجنة (4+4) والمضي في إجراء انتخابات رئاسية دون قواعد دستورية دائمة يجعل من المتعذر تحديد وضبط اختصاصات الرئيس وعلاقته بالأجسام الدستورية الأخرى، ويصبح الباب مفتوحاً لأي تجاوزات للرئيس ولا يمكن محاسبته عنها دستورياً لعدم وجود الدستور. كل ذلك لا يدعو للتشاؤم فقط بل يؤكد أن هدف “التداول السلمي على السلطة” لن يكون إلا ضرباً من الخيال، وهنا تكمن الكارثة.
5- يرى البعض أن المشكلة في ترشح العسكريين يمكن معالجتها ببساطة كما أشير سابقاً، والسؤال هو من الذي يقبل أن تتجاوز مخرجات لجنة (4+4) التشريعات النفاذة المتسقة مع البناء التشريعي في الدولة من أجل غاية شخصية؟ وهل تضمن هذه المخرجات عدم الطعن أمام القضاء في نتائج انتخابات ترشح فيها عسكريون؟ إن الحلول الجيدة يجب ألا تترك ثغرات تمثل عوامل فشلها.
6- إن معالجة ترشح مزدوجي الجنسية غير مقنع من الناحية العملية بسبب طول وتعقد إجراءات التخلي عن الجنسية الأجنبية. إن المفوضية العليا للانتخابات لا يمكنها أن تتحكم في طول الفترة الزمنية للتخلي عن الجنسية وهي الفترة التي تبدأ من تاريخ إعلان نتائج الانتخابات الرئاسية إلى تاريخ أداء القسم واستلام المهام ويجب أن تكون فترة وجيزة جداً، وليس من المنطقي أن تبقى نتائج الانتخابات معلقة لفترة طويلة تعد بالشهور ناهيك إن كانت ستعد بالسنين، بل ليس من المقبول إطلاقاً أن تعلق نتائج انتخابات دولة ما على إنجاز إجراءات قانونية تحدث في دولة أخرى، فهذه لم تحصل في أي دولة.
ثالثاً: الحل الممكن
بالنظر إلى وجود اعتراضات شديدة من جهات محلية معتبرة على مخرجات لجنة (4+4) فإنه يصعب القول أن هذه المخرجات تمثل إرادة حقيقية لجميع أو معظم أطراف النزاع يمكن التسليم بها والبناء عليها لتأسيس دولة يرتضيها سواد الشعب، ولا أعتقد أن التأييد الدولي، رغم أهميته، سيكون كافياً بالنظر لخيبات الأمل التي مرت بنا خلال الخمس عشرة سنة الماضية. عليه، وتجنباً لأي تفاقم في الأزمة، أقترح أن تعدل مخرجات لجنة (4+4) وخاصة في النقاط المحورية الآتية:
1- المفوضية العليا للانتخابات: أرى أن تعطى المفوضية استقلالية كاملة غير منقوصة في ممارسة مهامها بحيث تقوم المفوضية بإجراء الاستفتاءات والاستحقاقات الانتخابية في مواعيدها القانونية والدستورية دون اشتراط الرجوع إلى، أو الإذن من، مجلس النواب أو أي جهة إدارية أخرى في الدولة. وفي تقديري فإن هذا هو أهم ما يجب تغييره في المفوضية، أما تغيير الأشخاص فلا أرى له أي أهمية إذا التزموا بواجباتهم واختصاصاتهم المهنية والقانونية بل إن إبقاء العناصر السابقة التي اكتسبت الخبرة في هذا العمل سيكون أجدى.
2- الانتخابات التشريعية والرئاسية: تماهياً مع مخرجات لجنة (4+4) يجب على المفوضية العليا للانتخابات إجراء الانتخابات التشريعية في أقرب وقت ممكن دون أي تأخير وبما لا يجاوز عامين من الآن، أما الانتخابات الرئاسية فقد أختلف مع هذه المخرجات وأرى أن هناك اختيارين هما:
( أ ) إجراء الانتخابات الرئاسية بعد الاستفتاء على الدستور وذلك حتى تكون الاختصاصات الدستورية للرئيس وعلاقته الدستورية مع الأجسام الأخرى محددة وواضحة. وهذا هو الحل الأمثل في رأيي.
(ب) إجراء الانتخابات الرئاسية قبل الاستفتاء على الدستور، وهذا الاختيار يتماهى مع مخرجات لجنة (4+4) ولكنه يكرس امتداد المرحلة الانتقالية وتكتنفه العيوب التي سبق ذكرها. وحتى تحت هذا الاختيار فأرى أنه من الضروري جداً إصدار تقنين يحدد اختصاصات الرئيس وعلاقاته مع السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية. وأن تتوفر الضمانات لعدم تجاوزها.
3- الدستور: الحل الصحيح للأزمة وإنهاء المراحل الانتقالية ينطلق من إعطاء الأولوية المطلقة للاستفتاء على الدستور كما أخرجته هيئة صياغة الدستور التي انتخبها الشعب دون أي تعديل أو شروط إضافية. وكل من لديه انتقادات لمسودة الدستور يحق له الإعلان عن انتقاداته باسمه الصريح في كل وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي خلال شهر أو شهرين قبل تاريخ الاستفتاء. أما تجاوز هذا الاستحقاق تحت أي مبرر فإنما يعني إطالة عمدية للمرحلة الانتقالية وما ينجم عنها من عواقب.
4- مشكلة ترشح العسكريين: تعالج مشكلة ترشح العسكريين ببساطة بتقديم العسكري الراغب في الترشح لاستقالته، وإذا كان يرى أن منصبه العسكري أفضل من المنصب الذي يفكر في الترشح له فلا يتقدم للترشح، وإذا استقال ثم لم يفز بالمنصب الذي ترشح له فللجهة التي استقال منها أن تعيد تعيينه في منصبه السابق باتفاق الطرفين، وهذه كل الاحتمالات المنطقية. أما القول بجواز ترشح العسكريين على أساس أن ترشحهم يجعلهم في حكم المستقيلين، فقول قد يحتاج لإصدار تقنين جديد وصريح أو فتوى أكثر دقة من هذا الطرح البسيط وذلك حتى لا تنجر الأمور إلى الطعن أمام المحاكم وتعقيد المشهد السياسي.
5- مشكلة ترشح مزدوجي الجنسية: بناءً على ما تقدم بشأن طول فترة التخلي عن الجنسية، فإن الحل في نظري هو أنه لا مناص من التخلي عن الجنسية الأجنبية قبل الشروع في الترشح لكل من يطمح في رئاسة الدولة الليبية وليس بعد الترشح. وفيما يلي توضيح لهذه النقطة:
( أ ) باستثناء المسيطرين على الأرض، أرى أنه من المستبعد أن يقبل الشعب، بنخبه وكل فئاته المختلفة، تعليق مصير بلدهم تلبية لرغبة شخص تخلى عن جنسية بلده وأقسم يمين الولاء والطاعة لدولة أخرى وأصبح مواطناً فيها، ثم يتعالى عن بلده الأصلي ويصر على أن يترشح للرئاسة دون أن يتخلى عن جنسية البلد الأجنبي؛ فهذا أغرب من الخيال.
(ب) إن مجرد السماح لمزدوجي الجنسية بالترشح لا يمنح أي ضمان لالتزام الفائز منهم بالتخلي عن جنسيته الأجنبية، بل ولا أستبعد أن تحصل مماطلات وتعسف لفرض سياسة الأمر الواقع كما رأينا في تجارب شتى.
(جـ) حتى في حالة التزام الفائز بالرئاسة بالتخلي عن جنسيته الأجنبية فإنه يجب وضع تقنين ينص على اعتماد فترة لا تجاوز شهراً مثلاً (تبدأ من تاريخ إعلان نتائج الانتخابات الرئاسية) لتقديم ما يثبت انتهاء إجراءات التخلي عن الجنسية الأجنبية، وفي حالة عدم الوفاء بهذا الشرط، تجرى جولة تالية في غضون أسبوع مثلاً لحسم النتيجة. إن مثل هذه الإجراءات تحتاج إلى نصوص دستورية راسخة ولا يكفي أن تكون مجرد قرارات أو قوانين تشريعية.
(جـ) إن التفكير في أن يجمع أي شخص بين الترشح لرئاسة ليبيا والاحتفاظ بجنسية أجنبية بعد من المحظورات القانونية التي لا تقبلها أي دولة تحترم سيادتها، كما أن قبول فكرة الترشح للرئاسة بشرط التنازل عن الجنسية الأجنبية في حالة الفوز يحمل في طياته الكثير من التساهل مقارنة بدساتير بعض الدول الأخرى التي لا تسمح بترشح مزدوج الجنسية إطلاقاً حتى وإن تخلى عن جنسيته الأجنبية. فإن الحل الأوضح والأسهل لمن يحمل طموح الترشح لرئاسة ليبيا هو أن يتخلى عن جنسيته الأجنبية سواء فاز في الانتخابات بعد ذلك أم لم يفز فالنتيجة في الحالتين التي تسجل لصالحه في التاريخ وترفع من عدد ناخبيه هي أنه أحب بلده الأصلي ليبيا وفضله على أي بلد أجنبي.
وفي الختام، فإن أي حل يقدمه أي كان للأزمة الليبية (سواء كان فرداً أم لجنة أم أي جهة اعتبارية محلية أو أجنبية) لا يمكنه أن يلبي كل الرغبات، لكن، من جهة أخرى، وهي النقطة الأهم، هناك خطوط حمراء لحماية الوطن وسيادة الدولة لا يجوز تجاوزها تحت كل الظروف. عليه فإن الحل الأمثل الحقيقي للتوافق عليه، هو الحل الذي يقبله المخلصون من أبناء الوطن عبر التنازلات عن المناصب ومراكز القوة والنفوذ، بالاحتكام لصناديق الاقتراع، من أجل تحقيق دولة القانون والمؤسسات والتداول السلمي على السلطة لهذا الجيل والأجيال القادمة.
The post عوامل التأييد والرفض لمخرجات لجنة (4+4) والحل الممكن appeared first on عين ليبيا | آخر أخبار ليبيا.
