Site icon bnlibya

عودة تجمع دول (س.ص) إلى طرابلس.. بين الجذور التاريخية وآفاق التأثير في الأمن القومي الليبي

تأسس تجمع دول الساحل والصحراء في أواخر التسعينيات القرن الماضي، وتحديدًا عام 1998 في طرابلس، بمبادرة ليبية هدفت إلى خلق عمق استراتيجي للأمن القومي الليبي في فضاء إقليمي يجمع دول الساحل والصحراء ضمن إطار من التعاون الاقتصادي والأمني، فجاء هذا التأسيس في سياق سعي ليبيا آنذاك لخلق حزام استراتيجي إقليمي لأمنها القومي، ولتعزيز حضورها الأفريقي، وبناء تكتل قادر على مواجهة التحديات المشتركة وعلى رأسها الفقر، والهشاشة الأمنية، وضعف التكامل الاقتصادي، ولمواجهة الأطماع الغربية في خيرات وثروات دول التجمع، حيث ضم التجمع في أوج نشاطه أكثر من عشرين دولة، ممتدًا من غرب أفريقيا إلى شمالها، مما منحها أهمية جيوسياسية وجيواقتصادية وجيوامنية كبيرة، وقد ركزت أهدافه على تحقيق حرية تنقل الأشخاص ورؤوس الأموال، وتنسيق السياسات التنموية، وتعزيز التعاون في مجالات الأمن ومكافحة الإرهاب، خاصة في منطقة تُعد من أكثر مناطق العالم هشاشة من حيث عدم استقرار الأنظمة السياسية الأفريقية بسبب الصراعات والحروب الداخلية، غير أن مسيرة التجمع تعرضت لانتكاسات واضحة بعد عام 2011، حيث أثرت التحولات السياسية في ليبيا (بوصفها الدولة الراعية والمستضيفة والداعم والممول الأكبر للتجمع) على فاعلية التجمع، فتراجع نشاطها، وانتقل مقرها خارج ليبيا، مما أفقدها جزءًا من زخمها السياسي والدبلوماسي، وأضعف قدرتها على التأثير في ملفات المنطقة.

اليوم، تمثل عودة مقر التجمع إلى طرابلس مؤشرًا مهمًا على بداية مرحلة جديدة في تاريخ العلاقات البينية بين دول التجمع وإدراك واعي من قيادات دول التجمع لمستوى وعمق التهديدات الخارجية التي طالت الأمن القومي لدول التجمع، فهي ليست مجرد خطوة تنظيمية، بل تعكس رغبة في إعادة إحياء دور هذا الكيان الإقليمي، وإعادة تموضع ليبيا كلاعب محوري في محيطها الأفريقي، كما تعكس في الوقت ذاته، قدرًا من الثقة الإقليمية في إمكانية استعادة الاستقرار المؤسسي داخل ليبيا وصولا لتكتل سياسي واقتصادي أفريقي قادر على التعاطي مع الأطماع الأوروبية والروسية في المنطقة.

كما تكمن أهمية هذه العودة لإحياء تجمع دول الساحل والصحراء على عدة مستويات، أولها المستوى أو البعد السياسي، حيث يعيد التجمع ليبيا إلى واجهة العمل السياسي الأفريقي المشترك، وتمنحها منصة للتأثير في قضايا الساحل، وبالأخص القضايا التي ترتبط مباشرة بأمنها القومي والذي له تداعيته على على امن واستقرار دول التجمع، وثانيهما البعد أو المستوى الاقتصادي، إذ يمكن للتجمع أن يشكل إطارًا لتفعيل مشاريع تنموية مشتركة، وتسهيل التبادل التجاري بين الدول الأعضاء وتحقيق التنمية المستدامة لدول التجمع مجتمعة من خلال الاستثمارات المشتركة والاستفادة من الموارد والخبرات والقدرات البينية بينها، أما ثالثها فهو البعد الأمني، وذلك بتعزيز التنسيق والتعاون المشترك لمواجهة الإرهاب والجريمة المنظمة والهجرة غير النظامية والاتجار بالبشر والمخدرات.

فعلى الرغم من الزخم الإيجابي لهذه الخطوة، فإن تقييم نتائجها يجب أن يكون واقعيًا ومتوازنًا وفق معايير تحفظ لكل دولة من دول التجمع خصوصيتها السياسية والاجتماعية والأمنية من منطلق ثوابت امنها القومي، فمن ناحية، يمثل إحياء تجمع دول الساحل والصحراء فرصة حقيقية لإعادة تنشيط منظمة إقليمية تمتلك قاعدة عضوية واسعة وإمكانات كامنة، لكنها، من ناحية أخرى، تظل رهينة عدة عوامل حاسمة، أبرزها مدى قدرة ليبيا على توفير بيئة مستقرة وآمنة لعمل المنظمة والتزام الدول الأعضاء بإحياء هياكل التجمع وتفعيل برامجه بالإضافة إلى قدرة وزارة الخارجية على استثمار هذا الإنجاز دبلوماسيًا وتحويله إلى مكاسب ملموسة، فإذا ما تم التعامل مع إحياء التجمع كمنطلق لعمل مؤسسي جاد، فقد تشكل نقطة تحول حقيقية في مسار التجمع، بل وفي موقع ليبيا الإقليمي والدولي، أما إذا ظل الحدث في إطار الرمزية الإعلامية فإنها لن تتجاوز كونها حدثًا عابرًا في مشهد سياسي متقلب قد يؤدي إلى تشتيت التركز وتعميق الأزمة الليبية خاصة إذا لم تكن هناك مواثيق رسمية تعكس استقلالية الإرادة ورغبة حقيقية في التحول من مجرد قواعد لأجندة خارجية إلى مركز لفضاء أفريقي مستقل يمتلك قراره ورأيه وأدواته للتحرك بفاعلية على الساحة الدولية.

إن عودة تجمع دول الساحل والصحراء إلى طرابلس ليست نهاية الطريق، بل بدايته، إنها اختبار لقدرة ليبيا على استعادة دورها، ولقدرة التجمع ذاته على إثبات جدواه في عالم إقليمي يموج بالتحديات، والنجاح هنا لن يُقاس بالزخم الإعلامي، بل بما سيتحقق على أرض الواقع من تأثير واستقرار وتكامل وتنسيق ليبي أفريقي مشترك لتحقيق الاستقرار والتنمية في ليبيا وأفريقيا.

The post عودة تجمع دول (س.ص) إلى طرابلس.. بين الجذور التاريخية وآفاق التأثير في الأمن القومي الليبي appeared first on عين ليبيا آخر أخبار ليبيا.