شهدت فرنسا موجة احتجاجات واسعة شارك فيها مئات الآلاف، فيما أعلنت النقابات المنظمة وصول عدد المشاركين إلى 1.6 مليون شخص في مختلف أنحاء البلاد، احتجاجًا على ارتفاع تكاليف المعيشة والمطالبة بزيادة الأجور وتحسين الخدمات العامة، بالتزامن مع تحركات طلابية تطالب بتطوير قطاع التعليم، في وقت أعلنت فيه السلطات توقيف 642 شخصًا خلال الاحتجاجات.
وقال الاتحاد العام للعمل في باريس (CGT)، أحد الجهات المنظمة للتحركات، إن نحو 1.6 مليون شخص شاركوا في المسيرات التي دعت إليها النقابات في المدن الفرنسية، بينما سجلت العاصمة باريس أكبر التجمعات، بمشاركة 350 ألف شخص وفق تقديرات النقابة.
وامتدت المسيرة الرئيسية في باريس بين ساحة الجمهورية وساحة الأمة، وسط حشود كبيرة اضطرت معها مجموعات من المشاركين إلى الانتظار لأكثر من ساعتين قبل الانضمام إلى المسيرة، بحسب قناة «بي إف إم تي في»، التي أفادت بوصول مقدمة المتظاهرين إلى ساحة الأمة بعد ساعتين من انطلاق الفعالية.
وفي المقابل، نقلت قناة «سي نيوز» عن وزارة الداخلية الفرنسية تقديرات أولية أشارت إلى مشاركة ما لا يقل عن 600 ألف شخص في الاحتجاجات على مستوى البلاد، قبل أن تعلن الوزارة لاحقًا أن عدد المشاركين بلغ 575 ألف شخص.
وتباينت الأرقام المعلنة بين النقابات والسلطات، إذ أوضحت وسائل الإعلام الفرنسية أن التقديرات الأولية قابلة للتعديل، في ظل استمرار تحديث بيانات المشاركة.
واتسمت المسيرات بالطابع السلمي في معظمها، وفق ما أوردته وكالة «تاس»، باستثناء مواجهات محدودة بين الشرطة ومجموعة من مثيري الشغب، استخدمت خلالها قوات الأمن الغاز المسيل للدموع، فيما أشارت تقارير إعلامية إلى استخدام الشرطة مدافع المياه لتفريق بعض التجمعات وإصابة عدد من المشاركين.
وفي تطور لاحق، أعلنت وزارة الداخلية الفرنسية ارتفاع عدد الموقوفين خلال احتجاجات الخميس إلى 642 شخصًا، بعدما كان العدد المسجل في حصيلة سابقة 448 موقوفًا، وفق بيانات نقلتها قناة «بي إف إم تي في».
وشملت التحركات مدنًا فرنسية عدة، بينها باريس وليون ومرسيليا، بعدما دعت النقابات إلى تنظيم نحو 260 تجمعًا ومسيرة في مختلف المناطق، بمشاركة عمال وطلاب ومعلمين، وسط انتشار أمني واسع.
ورفع المتظاهرون مطالب تتعلق بزيادة الأجور وتحسين معاشات التقاعد، وتعزيز تمويل المدارس والمؤسسات التعليمية، إلى جانب تحسين ظروف العمل والدراسة واتخاذ إجراءات للحد من ارتفاع أسعار السلع والخدمات الأساسية.
وأثرت التحركات على قطاعات التعليم والنقل، إذ أُغلقت مئات المدارس الثانوية أو تعذرت مواصلة الدراسة فيها، نتيجة الاحتجاجات الطلابية ومشاركة المعلمين في الإضرابات، كما شهدت خدمات النقل العام اضطرابات في عدد من المناطق.
وفي مدينة ليون، ذكرت وسائل إعلام فرنسية أن محتجين أضرموا النار في مدرسة بينما كان أشخاص داخلها، وسط هتافات أطلقها بعض المراهقين بالقرب من موقع الحريق.
وبالتزامن مع اتساع الاحتجاجات، أعلنت السلطات نشر نحو 70 ألف عنصر من الشرطة والدرك لتأمين المسيرات والتجمعات، وفق تصريحات وزير الداخلية الفرنسي لوران نونيز، مع الاستعانة بمركبات مدرعة وطائرات مسيرة ومروحيات لمراقبة التحركات والتعامل مع أي أعمال شغب محتملة.
وفي المقابل، تواجه الأجهزة الأمنية انتقادات بشأن أساليب التعامل مع المتظاهرين، على خلفية اتهامات باستخدام القوة المفرطة، وهي ممارسات تخضع لتحقيقات داخلية، فيما أقرت السلطات بوجود إخفاقات أمنية واستخباراتية أسهمت في مواجهات وأعمال نهب وتخريب خلال أحداث سابقة.
وقالت الكونفدرالية العامة للعمل إن تدهور الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية يثير مخاوف بشأن مستقبل الاقتصاد الفرنسي، محذرة من مخاطر الركود في ظل تزايد خطط تسريح العمال واستمرار ارتفاع أسعار الوقود والمواد الغذائية والإيجارات والغاز والكهرباء.
ووجهت النقابات مطالب إلى حكومة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وأصحاب المؤسسات، داعية إلى اتخاذ إجراءات لمعالجة تراجع القدرة الشرائية وتحسين ظروف العاملين، في وقت تواجه فيه البلاد ارتفاعًا في الدين العام وتباطؤًا اقتصاديًا.
وامتدت مؤشرات الاستياء الشعبي إلى مستوى الثقة بالقيادة السياسية، إذ أظهر استطلاع أجرته مؤسسة «إيلاب» تراجع ثقة الفرنسيين بالرئيس إيمانويل ماكرون إلى 13% خلال نوفمبر، بانخفاض أربع نقاط مئوية خلال شهر واحد و11 نقطة منذ أغسطس الماضي.
وذكرت صحيفة «ليزيكو»، استنادًا إلى نتائج الاستطلاع المنشورة الخميس 5 نوفمبر، أن هذه النسبة تقل عن المستوى الذي سجله الرئيس الفرنسي السابق فرانسوا هولاند، عندما بلغت الثقة به 14% في نوفمبر 2016.
وأظهرت النتائج ارتفاع نسبة الفرنسيين الذين لا يثقون بماكرون إلى 82%، بينهم 60% قالوا إنهم لا يثقون به إطلاقًا، كما تراجعت الثقة به بين الذين صوتوا له في الجولة الأولى من انتخابات 2022 إلى 36%، بانخفاض سبع نقاط، فيما وصلت إلى 23% بين ناخبي الجولة الثانية، بتراجع ست نقاط.
وشمل التراجع رئيس الوزراء الفرنسي سيباستيان لوكورنو، إذ انخفضت نسبة الثقة به إلى 17%، بتراجع نقطتين خلال شهر، وفق الاستطلاع نفسه.
وفي استطلاع منفصل أجرته مؤسسة «فيريان» لصالح مجلة «لوفيغارو ماغازين» خلال الفترة من 1 إلى 3 نوفمبر، بلغت نسبة الثقة بماكرون 14%، بانخفاض أربع نقاط خلال شهر، بينما وصلت نسبة عدم الثقة به إلى 82%.
وأجرت مؤسسة «إيلاب» استطلاعها عبر الإنترنت يومي 3 و4 نوفمبر، بمشاركة 1004 أشخاص بالغين، وفق منهج الحصص لضمان تمثيل السكان، مع هامش خطأ يتراوح بين 1.4 و3.1 نقاط مئوية.
وتعود بداية موجة الاحتجاجات الحالية إلى منتصف سبتمبر، عندما خرج طلاب مدارس ثانوية في ضواحي باريس للمطالبة بتحسين الأوضاع التعليمية ومعالجة النقص في الكوادر داخل المؤسسات الدراسية، قبل أن تنضم إليهم فئات اجتماعية متضررة من ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية.
ومع اتساع التحركات، انتقلت المطالب من تحسين المدارس وظروف الدراسة إلى قضايا الأجور والمعاشات والإنفاق العام والخدمات الأساسية، لتتحول إلى احتجاجات وطنية تقودها النقابات العمالية بمشاركة قطاعات اجتماعية مختلفة.
وتأتي هذه التطورات في ظل نقاشات داخل فرنسا بشأن الميزانية العامة ومستويات الإنفاق والدين العام، بالتزامن مع تراجع مؤشرات الثقة بالرئيس والحكومة، واستمرار الضغوط المرتبطة بتكاليف المعيشة والوظائف والخدمات العامة.
The post فرنسا أمام اختبار جديد.. حشود «غير مسبوقة» تكشف اتساع الغضب الشعبي appeared first on عين ليبيا | آخر أخبار ليبيا.
WATCH: A massive fire burns in a Paris park as riot police face crowds during demonstrations in France.
France hit by a new wave of protests and strikes — thousands take to the streets of Paris